ما بقي من رحلة لاريجاني للاستحواذ الإيراني على لبنان

مراقبون يحذرون من أنه، وبالنظر إلى وضوح تبعية الحكومة الجديدة لأجندة حزب الله، فإنها قد ترتكب سابقة في تطبيع متقدم للعلاقات مع إيران.
الخميس 2020/02/20
الاتهامات تلاحق حسان دياب

ما زالت زيارة رئيس مجلس الشورى الإيراني علي لاريجاني إلى لبنان الذي يعيش وضعا صعبا تشكلت فيه حكومة جديدة برئاسة حسان دياب، تلقي بظلاها على الداخل اللبناني الذي يرى جزء كبير منه أن الزيارة تهدف إلى استحواذ إيران بالكامل على لبنان وإبعادها عن محيطها العربي، فيما تتابع واشنطن من جهتها عن كثب كل ما يحصل في لبنان من تغيرّات سياسية بما في ذلك زيارة لاريجاني، لكنها لم تصدر موقفا حاسما أو معارضا لحكومة حسان دياب ولا للخطوة الإيرانية السياسية الممزوجة بتعلات الطابع البرلماني.

بيروت- أثارت زيارة رئيس مجلس الشورى الإيراني علي لاريجاني إلى لبنان في سياق عام يتجاوز الطابع البرلماني الذي حاول إضفاءه على الزيارة قراءات داخلية وخارجية متعددة ومختلفة.

فيما أبدت مصادر سياسية لبنانية تعجبها من الزيارة من حيث التوقيت مؤكدة أنها رسالة موجهة إلى المحيط العربي، بدت الإدارة الأميركية من جهتها مراقبة عن كثب هذه الزيارة بغية متابعة المسؤولين اللبنانيين ورد فعلهم حيال المواقف التي أدلى بها لاريجاني في بيروت كما رد الفعل على العروض التي قدمها بتوفير دعم إيراني غير مشروط للبنان.

ورأت مصادر سياسية لبنانية أن مسار رحلة لاريجاني من طهران إلى دمشق وصولا إلى بيروت قبل التوجه إلى بغداد، يرسم لمن يهمه الأمر، خارطة يراد منها إعادة التأكيد على النفوذ الذي تملكه إيران دخل سوريا ولبنان والعراق، وأن في ذلك رسالة للعرب والعالم حول حجم الاختراق النوعي الذي ما زالت طهران تحتفظ به في المنطقة.

ولفتت المصادر إلى ضرورة تسليط المجهر على زيارة لاريجاني إلى لبنان من زاوية موقع لبنان الحالي داخل المشهد الإقليمي وقرار بيروت الرسمي بعد استقالة حكومة سعد الحريري وتشكيل حكومة جديدة برئاسة حسان دياب.

وبينما صدرت عن أمين حزب الله، حسن نصرالله، دعوة إلى وقف الهجوم على الحكومة الجديدة والإدعاء بأنها حكومة حزب الله، قال رئيس كتلة حزب الله البرلمانية محمد رعد قبل ذلك إن “هذه الحكومة لا تشبهنا” في معرض نفي تبعية الحكومة للحزب.

ويطالب المعارضون لنفوذ إيران بعدم التقليل من المناورة الإيرانية تجاه لبنان، لاسيما أنها تأتي لتتحرك داخل فراغ، بسبب ما يشبه القطيعة العربية والدولية للبنان وعدم وضوح المواقف الخارجية حيال حكومة دياب.

ويعتقد الكثير من المتابعين أن المسؤول الإيراني هو الأول الذي يلتقي بالمسؤولين اللبنانيين منذ ولادة حكومة لبنان الجديدة، وأن ما عرضه من دعم إيراني غير مشروط يأتي معاكسا للاتجاه الخارجي العام الذي لم يوح بأي استعداد لمساعدة لبنان، وإن أوحى فذلك وفق شروط قاسية لا يملك لبنان وسائل تنفيذها. وقللت مراجع سياسية داخلية من أهمية عروض المساعدة التي اقترحها لاريجاني على رؤساء لبنان الثلاثة باعتبار أن إيران تكاد تكون دولة منكوبة بسبب العقوبات الاقتصادية التي تفرضها إدارة الرئيس الأميركي دونالد ترامب، وأن عروضها لا تحظى بأي مصداقية لدى لبنان والعالم.

بيد أن أطرافا أخرى حذرّت من أنه في غياب أي بوادر دعم مالي عاجل من الخارج، فإنه سيسهل على بيروت قبول العروض الإيرانية أيا كانت بما سيوسع من دائرة الانخراط الاقتصادي لإيران داخل منظومة المال والاقتصاد في لبنان.

جولة لاريجاني من طهران إلى دمشق وصولا إلى بيروت قبل التوجه إلى بغداد، ترسم خارطة تؤكد نفوذ إيران في هذه البلدان العربية
جولة لاريجاني من طهران إلى دمشق وصولا إلى بيروت قبل التوجه إلى بغداد، ترسم خارطة تؤكد نفوذ إيران في هذه البلدان العربية

وبسبب وجود حكومات مختلطة من كافة التيارات استطاع لبنان رد العروض الإيرانية سابقا، لاسيما تلك المتعلقة بتسليح الجيش اللبناني، وأنه بسبب وجود تيارات سياسية تدافع عن علاقة بيروت بالمنظومة الغربية ردت بيروت عروضا روسية سابقة في هذا الصدد.

ويحذر مراقبون من أنه، وبالنظر إلى الظروف التي تشكلت فيها الحكومة ووضوح تبعيتها لأجندة حزب الله في الشكل والمضمون، فإن حكومة لبنان قد ترتكب سابقة لم تجرؤ عليها حكومات سابقة في تطبيع متقدم للعلاقات في أوجهها المختلفة مع إيران.

وتدعو مصادر دبلوماسية عربية إلى يقظة المحيط العربي من أجل مقاربة خلاقة في التعامل مع بيروت تمنع إيران من إيقاع لبنان الرسمي داخل النفوذ الإيراني. وتقول هذه المصادر إنه يجب تجنب وقوع العرب في خطيئتهم السابقة في العلاقة مع العراق حين تركوا هذا البلد وانسحبوا منه بعد الغزو عام 2003، ما سهّل هيمنة إيران على كامل مفاصل السياسة الاقتصاد والأمن في البلد.

وتخلص هذه المصادر إلى أن واشنطن ستتحرك ولو بعد حين لترتيب علاقتها الجديدة مع بيروت، وأن المباحثات اللبنانية الاستكشافية مع صندوق النقد الدولي قد تضع اللبنات الأولى للسياسة الدولية المقبلة التي ستقودها الولايات المتحدة حيال بيروت.

وتنصح المصادر العرب باستباق تطور العلاقة الأميركية مع لبنان بنسج علاقات تهدف إلى تأكيد الحضور العربي في مواجهة الزحف الإيراني.

أما في علاقة بواشنطن، فقد أرسلت إدارة الرئيس الأميركي دونالد ترامب إشارات متفاوتة المعاني بشأن الموقف الذي ستتخذه من حكومة لبنان الجديدة برئاسة حسان دياب.

وفيما خرجت بعض التصريحات تلمـح إلى أن الحكومة تابعة لحزب الله، وبالتالي سيتم التعامل معها أميركيا كما التعامل مع الحزب، رشحت معلومات أخرى من وزارة الخارجية الأميركية تفيد بأن الموقف الأخير للولايات المتحدة لم يتخذ بعد، وأن واشنطن تطلع يوميا على تقارير سفارتها في لبنان كما على تطور الأداء الحكومي اللبناني للبناء عليه.

وبحسب مصادر أميركية، فإن واشنطن لم تكترث كثيرا بزيارة لاريجاني وهي الأولى لمسؤول أجنبي يزور لبنان بعد تشكيل حكومة دياب.

ويرى مراقبون أن واشنطن لا تريد الدفع باتجاه انهيار لبنان وما يمكن أن يتسببه أمر ذلك من كارثة إنسانية بسبب وجود 1.5 مليون لاجئ سوري، وما يمكن أن ينجم من فوضى قد تهدد أمن إسرائيل.

ومواقف واشنطن التي عبر عنها وزير الخارجية مايك بومبيو ومساعده لشؤون الشرق الأدنى (المكلف برعاية التفاوض حول ترسيم الحدود اللبنانية الإسرائيلية)، ديفيد شنكر، جاءت رمادية تحتمل معاني كثيرة، إلا أنها لم تكن سلبية تجاه الحكومة الجديدة.

يطالب المعارضون لنفوذ إيران بعدم التقليل من المناورة الإيرانية تجاه لبنان، لاسيما أنها تأتي لتتحرك داخل فراغ، بسبب ما يشبه القطيعة العربية والدولية للبنان

وكانت واشنطن قد لمّحت إلى أنها غير مهتمة بالطبيعة السياسية لحكومة دياب التي تقف وراء واجهة وزراء تكنوقراط، وأنها ستراقب ما ستقدم عليه هذه الحكومة بغض النظر عمن يقف وراءها.

ولفت مراقبون إلى أن الإدارة الأميركية غير مهتمة بما يصدر من اتهامات ضد الحكومة اللبنانية بصفتها “حكومة حزب الله”، وأنها لن تعتبر الأمر دقيقا إلا إذا تبين أن الحزب يقف وراء منع هذه الحكومة من تنفيذ الإصلاحات.

وتقول مصادر أميركية مراقبة إن واشنطن لاحظت تراجع حزب الله ومحاولته التنصل من تهمة الهيمنة على حكومة بيروت بما يعكس رغبة الحزب في عدم الاصطدام بالمجتمع الدولي، كما لاحظت أن مواقف لاريجاني في بيروت لم تأت ضاغطة على حكومة دياب في تبني خيارات دون غيرها، بل إن في تصريحات لاريجاني في بيروت ما فهم منه أنه رسائل إيرانية لهذا المجتمع الدولي.

وتضيف المصادر أن واشنطن قرأت جيدا موقف أمين عام حزب الله حسن نصرالله الأخير الذي دعا إلى وقف الهجوم على الحكومة متبرئا من تبعيتها لحزبه. وتعتبر المصادر الأميركية أن لقاء لاريجاني في بيروت مع رئيس مجلس النواب اللبناني نبيه بري كان ومهما لجهة تداعياته على ملف ترسيم الحدود اللبنانية الإسرائيلية، لاسيما وأن بري هو المكلف في لبنان بالتفاوض مع الأميركيين حول هذا الشأن. وتعول واشنطن كثيرا على مرونة في هذا الملف لتليين مواقفها المقبلة حيال لبنان وحكومته.

6