ما بين أميركا وخصومها لا مستقبل للشعوب

الاثنين 2013/09/09

لا تخفي الولايات المتحدة رغبتها في تصفية خصومها السياسيين، وهي لا تتورع عن القيام بأي فعل من شأنه أن يكفل لها الوصول إلى ذلك الهدف، بدءا من التخطيط للاغتيالات المباشرة وتنفيذها وانتهاء بالتدخل العسكري وإعلان الحرب، مرورا بهوايتها في البحث عن الانقلابيين وتجنيدهم ومد يد العون لهم لإنجاح مساعيهم الدموية.

في باب الاغتيالات نتذكر عشرات المحاولات الفاشلة التي كانت تهدف إلى التخلص من الرئيس الكوبي فيدل كاسترو. وفي باب الانقلابات الدموية لا تزال صورة الرئيس التشيلي سلفادور آلندي قتيلا ماثلة في الذاكرة البشرية، بعد أن قام الجنرال بيونيشت بانقلابه الدموي. أما في باب الحروب الشرسة التي خاضتها الآلة العسكرية الأميركية بهدف الإطاحة بزعماء حول العالم لا يزال مشهد الرئيس العراقي الراحل صدام حسين وهو يخرج من مخبئه السري بعد أن غزت أميركا بلاده واحتلتها وأسقطت نظامه مؤثرا، باعتبار أن الرجل كان ضحية المنطق الذي اعتبره عدوا لأميركا.

وإذا ما كانت أميركا قد اختبأت وراء حلف الناتو في حربه على ليبيا والتي انتهت بمقتل القذافي أحد خصوم السياسة الأميركية المخضرمين، فإنها لا تجد اليوم ضرورة لإخفاء نفسها في الدعوة إلى الانقضاض على سوريا في حرب يقال إنها ستكون خاطفة، هدفها القضاء على الأسد.

اللافت في الأمر أن الولايات المتحدة لم تلجأ في كل معاركها مع خصومها إلى الاستعانة بالقانون الدولي، بل كانت تذهب دائما إلى هدفها مباشرة وتفعل ما تريد لتضع العالم أمام واقع صنعته إرادتها الشريرة بالقوة. وهنا بالضبط تكرس الولايات المتحدة مثلا سيئا للقوة التي يساء استعمالها لتكون شرا مطلقا. ذلك لأن أميركا لم تلزم نفسها يوما بمفهوم الحق الذي يدافع القانون عن ضرورته، بل كانت على الدوام تفعل ما تريد لتفرضه على الآخرين باعتباره حقا، ضاربة عرض الحائط القانون الدولي.

لا تجد الولايات المتحدة ضرورة في الالتزام بالقانون حين يتعلق الأمر بما تراه جزءا من مصالحها الحيوية. وما مصطلح «الأمن القومي» إلا ذريعة تسعى الإدارة الأميركية من خلالها إلى بث الرعب في قلوب الأميركيين ودفعهم إلى الاستسلام لمشيئتها والسكوت عن سلوكها العدواني.

لقد قيل الكثير عن التهديد الذي ينطوي عليه وجود صدام حسين في الحكم للأمن القومي الأميركي. الآن لا يجد الكثير من ساسة المراحل السابقة حرجا في الاعتراف بأن التخلص من الرجل شخصيا كان هدفا مطلوبا في حد ذاته. ولم يكن لذلك الهدف علاقة بحياة الأميركيين العاديين.

بعد نهاية مغامراتها بين دول أميركا اللاتينية صارت الولايات المتحدة ترفع شعار محاربة الطغاة حول العالم في محاولة منها لتبرير سلوكها العدواني في التخلص من خصومها. غير أنها غالبا ما كانت تلجأ إلى الأساليب نفسها التي يتخلص من خلالها الطغاة من خصومهم.

فها هي اليوم في حربها ضد طغيان الأسد لا تجد نفسها ملزمة بالرجوع إلى مجلس الأمن أو تقديم الأدلة التي تؤكد أن النظام الذي يتزعمه الأسد هو من استعمل السلاح الكيماوي ضد المدنيين في منطقة الغوطة، وهو السبب الذي تتذرع به الولايات المتحدة لشن حربها المتوقعة على سوريا.

صار المطلوب من فريق الأمم المتحدة الخاص بالأسلحة الكيماوية أن يقول إن تلك الأسلحة قد استخدمت، أما تحديد مَن هي الجهة التي استخدمت تلك الأسلحة فليس ضروريا بالنسبة للإدارة الأميركية التي لم يعد في إمكانها أن توقف حركة الآلة الحربية الذاهبة للتخلص من آخر خصوم السياسة الأميركية في منطقة كتب عليها أن تعيش فوضى تغاضيها الطويل عن أسباب ضعفها الداخلية. ليس مطلوبا من الولايات المتحدة وهي تتخلص من خصومها أن تقدم للشعوب بديلا.

ذات مرة قالت غونزليزا رايس وكانت وزيرة خارجية في الإدارة الأميركية: «لم يكن تحقيق الاستقرار في العراق واحدا من أهدافنا» وكانت صادقة.

ربما تتخلص الولايات المتحدة من بشار، غير أنها لن تكون معنية بإصلاح ما ستسببه حربها من أضرار لسوريا.

* كاتب عراقي

8