ما بين إظهار الرجولة والاستقلالية يلجأ التلاميذ إلى التدخين

انتشرت خلال الآونة الأخيرة عادة التدخين من قبل تلاميذ المدارس خلال المرحلة المتوسطة والمرحلة الابتدائية، وهذه الظاهرة تقف وراءها دوافع كثيرة أدّت إلى انتشارها أمام أبواب المدارس، حيث يرى الفتى بمجرد أن يشب أنه أصبح حرّا ولا يوجد سلطان عليه، فيسعى إلى تأكيد ذلك الشعور من خلال تدخينه للسجائر، الذي ينظر إليه على أنه دليل على رجولته ووصوله إلى مرحلة الاستقلالية وامتلاك حياة خاصة في مواجهة الأهل.
الاثنين 2017/01/30
ظاهرة يصعب تقييدها

القاهرة – يميل الفتى خلال فترة المراهقة إلى إثبات الذات والشعور بالاستقلالية، لأن هذه المرحلة بها الكثير من سلوكات تقليد الكبار، وهي منعطف نحو مرحلة الرجولة التي يصبو إليها الفتى المراهق ويتمنى أن يصل إليها، لذلك يميل إلى التدخين باعتباره سلوكا يقوم به الرجال المستقلون والقادرون، ويكون الاعتقاد السائد لدى الطالب بأن التدخين مفيد، وأنه يرفع من شأن المدخن عند الآخرين، كما أنه مفيد لمواجهة الظروف الصعبة، بالإضافة إلى دافع المغامرة والاستكشاف الذي يكون دفينا في نفس الطالب.

وأكد علماء اجتماع أن المراهق يريد أن يجرب بغض النظر عن النتائج، وبغض النظر عن قناعته بمساوئ التدخين، قد يلفت نظره أيّ شيء جديد يمثُل أمامه فيهتم به من أجل إثبات نفسه والشعور برجولته، مع إغراء أصحاب السوء له فيقع أمام خيارين إما أن يثبت لهم أنه رجل وقادر على التدخين وإما الابتعاد عن التدخين، وفي هذه الحالة ينظرون إليه على أنه خائف أو جبان ولا يتمتع بسمات الرجولة.

ووفقا لدراسة أميركية، اتضح أن المراهقين الذين يشاهدون الأفلام التي يكثر فيها التدخين أكثر عرضة ثلاث مرات لإدمان التدخين مقارنة بالمراهقين الذين يشاهدون عددا أقل من الأفلام التي بها مشاهد تدخين.

ووجد الباحثون أن نصف صغار السن من المراهقين الذين بدأوا التدخين فعلوا ذلك بعد مشاهدتهم للتدخين في الأفلام السينمائية، ووفقا للإحصائيات يبدأ يوميا 2050 مراهقا تتراوح أعمارهم بين 12 و17 عاما في التدخين حول العالم، وثلث هؤلاء يموتون مستقبلا بسبب أمراض لها علاقة بالتدخين.

وأجرت جمعية مكافحة التدخين المصرية دراسة لمعرفة معدل انتشار التدخين بين طلاب المدارس، وكذلك العوامل السلوكية والاجتماعية المرتبطة به، وشملت الدراسة 4889 طالبا وطالبة من 121 مدرسة في ثماني محافظات ممثلة للجمهورية، وكانت النتائج أن المدخنين الحاليين لأي منتج من منتجات التبغ 14.3 بالمئة من الطلاب (الطلبة 21.4 بالمئة، والطالبات 6.9 بالمئة)، و6.5 بالمئة من الطالبات و18.7 بالمئة من الطلبة يدخنون السجائر حاليا، و6.4 بالمئة من الطلبة و0.9 بالمئة من الطالبات يدخنون النارجيلة حاليا، مع ملاحظة أن 3.7 بالمئة من الطلبة و0.4 بالمئة من الطالبات يدخنون حاليا كلا من السجائر والنارجيلة، وقد بلغت نسبة التدخين أعلى بكثير بين طلاب المدارس الفنية سواء الطلبة (26.4 بالمئة) والطالبات (9.1 بالمئة)، مقارنة مع طلاب المدارس العامة (18.5 بالمئة للطلبة، و6 بالمئة للطالبات).

المراهقون الذين يشاهدون الأفلام التي تكثر فيها مشاهد التدخين أكثر عرضة ثلاث مرات للإدمان على التدخين

ووجدت الدراسة ارتباط التدخين بمستوى تعليم الأب والأم، فكلما كان مستوى تعليم أولياء الأمور منخفضا زاد معدل تدخين الطلاب، والعكس صحيح، وقد يكون ذلك بسبب أن الآباء المتعلمين لديهم معرفة بالآثار الضارة للتدخين، وعن أسباب البدء في التدخين فقد كان التخفيف من الضغط النفسي على رأس القائمة بالنسبة إلى الطلبة والطالبات، تليه الرغبة في التجربة، ثم المتعة، ثم التقليد، ثم الرفاق.

وكان الشعور الرئيسي عند التدخين هو الحد من التوتر بين 53.4 بالمئة من الطلبة و67 بالمئة من الطالبات، ويلي ذلك الشعور بالثقة بين 16.5 بالمئة من الطلبة و15.5 بالمئة من الطالبات، وكانت السعادة هي الشعور الرئيسي بين 14.8 بالمئة و13.5 بالمئة للطلبة والطالبات على التوالي، وزيادة التركيز 15.4 بالمئة بين الطلبة، بينما كان 3.9 بالمئة بين الطالبات.

وحول أسباب انتشار ظاهرة التدخين بين طلاب المدارس، يقول أستاذ علم الاجتماع بجامعة 6 أكتوبر، عبدالله السيد، “الطلاب أصبحوا لا يخافون من أي عقاب، ويرفعون شعار «أنا أصبحت رجلا ومن حقي أن أفعل ما يحلو لي»، بالإضافة إلى رغبة الطلاب في تقليد الكبار، وافتقار نموذج القدوة، وشعور الطالب بالنمو وكبر السن، والتنفيس عن المشاعر الصعبة، وتأثير رفاق الطلاب وأقربائهم، وتأثير الإعلانات والمشاهد في السينما والتلفزيون، والابتزاز والاستدراج الطلابي”.

ولفت إلى أن التدخين عند الطلاب يعد ظاهرة عالمية، ويصعب تحديد حجم نسبة الطلاب المدخنين دون دراسة ميدانية، لكن تتراوح النسبة الأكبر بين الطلاب في مرحلة الطفولة والمراهقة الوسطى والمراهقة العليا، كما أنها تختلف في ما بين بيئة وأخرى، وأيضا بين الذكور والإناث.

وأكد أن المدرسة لا تعتبر السبب الحقيقي في حد ذاتها وراء انتشار الظاهرة عند الطلاب، لأن جميع المدارس تحرّم وتمنع ممارسة التدخين داخلها، وعلى الرغم من ذلك هناك اختراقات قد تحدث وأصعبها هي اختراقات المعلمين أو المعلمات لحظر ممارسة التدخين داخل المدرسة.

ويشير السيد إلى دور المدرسة الرئيسي، الذي يتمثل في التوعية المستمرة عبر الأحاديث التوجيهية واللقاءات المفتوحة والأنشطة الطلابية والنوادي المدرسية واللافتات الإعلامية المكتوبة والمسموعة والإلكترونية، ومشاركة أولياء الأمور في أساليب الوقاية والعلاج، مرجعا فشل المدرسة في معالجة الظاهرة إلى أن المدرسة لا تملك سلطة قانونية كافية، بالإضافة إلى عدم وجود قوانين صارمة تجاه ظاهرة التدخين. واستمرار تدفق تجارة الدخان بشكل كبير في المجتمع، واختراق بعض المعلمين والمعلمات لقواعد منع التدخين في المدرسة، مما يقف حجر عثرة وراء انتهاج أساليب فعالة لمقاومة الظاهرة.

كما أضاف أن الجهود المبذولة غير كافية مع تدهور مستوى التعليم، وافتقار الطالب لدور المدرسة في التربية، مطالبا وزارة التربية والتعليم بوضع عقوبات تربوية رادعة للطلاب المدخنين لمنع تلك الظاهرة تماما بين طلاب المدارس سواء الإعدادية أو الثانوية.

وأوضحت استشارية الطب النفسي في مصر، هالة حماد، أن المراهق يرى في التدخين إثباتا للرجولة لكي يجذب الفتيات إليه، فهو لم يعد طفلا، ولذلك لم يعد يخاف على صحته، ولم يعد يخشى والديه ولو أنه كثيرا ما يلجأ إلى الحيلة لكي لا يكون موضع شبهات أمامهما، مشيرة إلى أن المشكلة بأكملها تكمن في نفسية المراهق، فقد يكون الآباء والأمهات هم سبب تدخين ابنهم بسبب تشديد القبضة عليه ومراقبتهم له بشكل صارخ، فيدفعون أبناءهم إلى الانحراف.

وأضافت قائلة “مع صعوبة التعامل مع المراهق لكونه ليس طفلا يخضع لأهله، فإن الآباء لا يحرصون على أهمية وضرورة الصداقة مع ابنهم المراهق كي لا يجتمع بأصحاب السوء لكي يعوضوه الدور المفقود للمنزل”، ناصحة بتضافر جهود الآباء في التعاون الجاد والمتابعة المتكاملة، مع إدارة المدرسة وأساتذتها والأخصائيين النفسيين والاجتماعيين، وعدم ترك الحبل على الغارب.

21