ما بين الجفاف والفيضانات.. الصوماليون يقضون حياتهم نازحين

الفيضانات تجبر الآلاف من المدنيين في الصومال على النزوح عن منازلهم خوفا على حياة أطفالهم متجهين إلى قرى وبلدات أكثر أمنا.
الأربعاء 2018/05/02
استحالة الحياة في مدن تسبح في الماء

مقديشو - يبدو أن نصيب الصوماليين في الحياة هو عدم الاستقرار في أرضهم، إذ كتب عليهم الجفاف والفيضانات والحروب والنزوح من بلدة إلى أخرى ومن مخيم إلى آخر بحثا عن بعض الأمان لهم ولأطفالهم، لكنهم ظلوا يواجهون المصاعب والمصائب التي تتنوع وتتفاقم في غياب حكومة تحميهم ممّا يواجهونه، وفي انعدام المساعدات التي تحقق لهم بعض حاجياتهم اليومية.

وكأن البلد الواقع في القرن الأفريقي، الذي يعدّ من أفقر البلدان في العالم، وتتنازعه الحروب الأهلية منذ سنوات، تنقصه مأساة جديدة، وتمثلت هذه المرة في أمطار موسمية غزيرة شهدتها معظم أقاليم الصومال، ما لبثت أن تحوّلت إلى فيضانات عارمة أثرت سلبا على حياة نحو نصف مليون صومالي في ظل نقص حادّ في المواد الغذائية والأدوية في جنوبي ووسط البلاد.

وأجبرت الفيضانات الناجمة عن الأمطار الموسمية الآلاف من المدنيين في أقاليم: شبيلي السفلى وشبيلي الوسطى وجوبا الوسطى وجوبا السفلى (جنوب) وهيران (وسط)، على النزوح عن منازلهم خوفا على حياة أطفالهم متجهين إلى قرى وبلدات أكثر أمنا، وسط ظروف إنسانية صعبة.

وكيل عام وزارة الإغاثة والشؤون الإنسانية محمد عمر معلم قال في تصريح صحافي للإعلام المحلي إن نحو نصف مليون صومالي تضرروا جرّاء الفيضانات الناجمة عن الأمطار الموسمية التي تهطل في معظم الأقاليم الصومالية.

كيف وأين ننام
كيف وأين ننام

وأضاف أن الوزارة -بالتعاون مع سلطات الأقاليم- تسعى إلى التخفيف من معاناة المواطنين في ظل مخاوف من استمرار هطول الأمطار خلال الأسابيع المقبلة، ما سيفاقم الأوضاع الإنسانية إن لم تتوفر مساعدات إنسانية عاجلة.

وتعدّ مدينة بلدوين، عاصمة إقليم هيران، من أكثر المناطق تضررا من الفيضانات الناجمة عن الأمطار، نتيجة ارتفاع منسوب مياه نهر شبيلي الذي يمرّ بعدد من مدن وبلدات الإقليم ليسجل رقما قياسيا منذ عام 2012، حيث أغرقت المياه ثلاثة من أصل أربعة أحياء تتكون منها المدينة، حسب الإدارة المحلية في الإقليم.

وأدّت الأمطار الموسمية في البلاد -إلى جانب الفيضانات التي تأتي من جبال إثيوبيا منبع نهري شبيلي وجوبا الصوماليين- إلى فيضانات عارمة أجبرت الآلاف من السكان على النزوح عن منازلهم، وفق المصدر ذاته.

قال خضر حسن، نائب رئيس مدينة بلدوين (332 كم شمال العاصمة مقديشو)، إن 80 بالمئة من سكان المدينة التي تعتمد على الزراعة والتجارة والرعي، فروا من منازلهم بعد أن اجتاحتها الفيضانات في وضح النهار.

وأضاف خضر أن نحو 20 بالمئة من السكان عالقون في أحياء حواء تاكوا وكوشن وبونداوين بعد أن حاصرتهم الفيضانات من جميع الاتجاهات، ما صعّب إجلاءهم بالسيارات نتيجة ارتفاع مياه السيول إلى 1.8 متر واستعصاء التنقل في الشوارع الرئيسية.

وحسب الإدارة المحلية في إقليم هيران فإن نحو 130 ألفا نزحوا عن منازلهم بسبب الفيضانات، وبقوا دون مأوى يفترشون العراء، وخاصة في المناطق المرتفعة بضواحي بلدوين وسط هطول الأمطار نهارا والبرد القارس ليلا.

سيارات وشاحنات وعربات تجرها الحمير تنتشر على مدى البصر، لنقل الأسر والأطفال

آمنة نور نزحت هي وأطفالها الخمسة من بلدوين بعد أن باغتتهم الفيضانات بالمنزل ليلا، قالت، “الفيضانات اجتاحت منزلنا بينما نحن نيام، فاصطحبنا أطفالنا وهربنا إلى بلدة عيل جالي، التي لم تصل إليها الفيضانات بعدُ”.

وأضافت آمنة، وهي تحاول بناء كوخ خشبي تؤوي فيه أسرتها ليقيها مياه الأمطار نهارا والبرد القاسي ليلا، “الظروف المعيشية هنا صعبة وتزداد سوءا يوما بعد آخر”، مشيرة إلى أن أطفالها لا يجدون ما يسدون به رمقهم سوى قطعة خبز واحدة في اليوم.

مشاهد النزوح لم تتوقف بعد، حيث تواصل الأسر بالتعاون مع الإدارة المحلية مغادرة منازلها تحسبا لفيضانات جديدة بسبب الأمطار التي لا تزال تهطل في مدينة بلدوين.

سيارات وشاحنات وعربات تجرها الحمير تنتشر على مدى البصر، لنقل الأسر والأطفال والعجائز إلى القرى والبلدات في ضواحي المدينة التي شهدت أكبر فيضانات منذ نحو 6 سنوات.

ومحاولا العبور مع جده العجوز وسط مياه تكاد تصل إلى صدره، قال عبدالرحمن عثمان، “المياه غمرت منازلنا وأتلفت ممتلكاتنا. لا نملك سوى الفرار والبحث عن مكان لا تصله مياه الفيضانات”.

وطالب عبدالرحمن الحكومة الصومالية والإدارة المحلية بتقديم العون ومساعدات عاجلة، لأن معظم النازحين يفتقرون لأبسط مقومات الحياة بعد أن هربوا تاركين جميع ممتلكاتهم بسبب الأمطار والفيضانات.

تسببت الأمطار والفيضانات التي ضربت بلدوين في مقتل 5 أشخاص على الأقل معظمهم من الأطفال والعجائز؛ بسبب البرد القارس والأمراض المعدية التي تأخذ من المياه الملوثة قاعدة انتشار لها. وتقع بلدوين على ارتفاع 1700 متر فوق سطح البحر وهي واحدة من المناطق الأشد برودة في الصومال.

غياب الكهرباء عن أجزاء كبيرة من المدينة وتعطل شركات الاتصالات بعد أن جرفت الفيضانات معظم الكابلات من تحت الأرض إلى جانب هدم بعض أعمدة الكهرباء، عوامل فاقمت تدهور الأوضاع الإنسانية في المدينة، حيث فقد الاتصال في بعض المناطق المنكوبة بسبب الفيضانات.

وحذرت بعض الهيئات الإنسانية من انتشار الأمراض المعدية نتيجة الأمطار الغزيرة في معظم الأقاليم الصومالية بسبب تعطل منظومة الصرف الصحي وانتشار برك المياه الملوثة بسبب الفيضانات.

وقال المجلس النرويجي للاجئين في الصومال (منظمة إنسانية مستقلة تعنى بمساعدة الأشخاص الذين أجبروا على الفرار والنزوح)، إن معظم الأقاليم التي شهدت الأمطار باتت مهددة بانتشار الأمراض والأوبئة جرّاء الفيضانات وغياب منظومة الصرف الصحي إلى جانب إيواء بعض النازحين في مناطق غير صالحة للسكن.

وأضاف المجلس في بيان أن نحو 174 ألف شخص في مدينة بيدوة بإقليم باي (جنوب غرب) تضرروا من الفيضانات، محذرا من انتشار الأمراض المعدية في صفوف الأطفال والعجائز.

وفي ظل هذه الظروف القاسية، أطلق رئيس إدارة هيرشبيلي الفيدرالية، عبدي واري، التي تتبعها المناطق الأكثر تضررا كمدينة بلدوين، نداء عاجلا للهيئات الإنسانية المحلية والدولية لتقديم مساعدات إنسانية عاجلة لمتضرري الفيضانات التي اجتاحت مدينة بلدوين.

وأضاف واري أن الوضع الإنساني في المدينة يزداد سوءا ما لم تتدخل الهيئات الإنسانية لتقليل معاناة الآلاف من النازحين الذين فروا من منازلهم بسبب الفيضانات الناجمة عن الأمطار.

Thumbnail

من جانبها، حذرت وزارة الإغاثة والشؤون الإنسانية الصومالية من تفاقم الأوضاع الإنسانية في معظم أقاليم البلاد، وسط توقعات باستمرار هطول الأمطار خلال الأسابيع المقبلة.

وطالبت الوزارة الهيئات المعنية بالتعاون معها للحيلولة دون تحول الحالة الإنسانية في تلك المناطق إلى أزمة إنسانية صعبة.

وكانت الحكومة الصومالية قد دعت، السبت الماضي، الهيئات الإنسانية المحلية والدولية إلى اجتماع طارئ لتقييم الأوضاع الإنسانية في المناطق التي تضررت بفعل الفيضانات من أجل تقديم معونات عاجلة لتخفيف وطأة الأوضاع الإنسانية في تلك المناطق.

وحسب الإدارة المحلية لإقليم هيران، فإن معظم أجزاء بلدوين محاطة بالمياه حيث عطلت الأمطار حركة النقل البري والجوي بسبب سوء الأحوال الجوية والفيضانات ما قد يحول دون إيصال مساعدات إنسانية عاجلة للمتضررين.

وحول الخسائر المادية في المدينة، أكدت الإدارة المحلية أن الفيضانات تسببت في خسائر مادية كبيرة بالمدينة لم تُحدد بعد؛ حيث جرفت المياه محلات تجارية ومخازن للمواد الغذائية إلى جانب العشرات من المنازل. وتعد المناطق التي يمر بها نهرا شبيلي وجوبا الأكثر تضررا من الفيضانات أثناء موسم الأمطار بسبب غياب الإجراءات الوقائية كبناء سدود مائية، يمكن استخدامها أثناء موسم الجفاف حيث تتضرر تلك المناطق الزراعية خاصة في وسط وجنوبي الصومال أيضا بسبب تأخر هطول الأمطار.

20