ما بين الحزبين الكرديين ليس سياسة تكتيكية

لم يستطع الحزبان أن يحققا الأهداف التي ينتظرها المواطن الكردي ولم تر النور إلا في شكلياتها التي لا تعني لهذا المواطن شيئا وبقيت للحزبين إدارتاهما المختلفتان ومناطق سيطرتهما.
الاثنين 2020/09/14
خيبة حلم الدولة الدائم

هناك من يقول إن الخلاف الحاصل بين الحزبين الكرديين في العراق، الاتحاد الوطني الكردستاني والديمقراطي الكردستاني، هو سياسة تكتيكية، ولكن جذور هذا الخلاف تفسد هذا القول وتثبت أن بين الحزبين ما صنع الحداد.

الصراع بين الحزبين الكرديين قديم، نسبيا، كانت مقدمته العلنية، عندما انفصل أو انشق جلال الطالباني عن الحزب الديمقراطي الكردستاني بقيادة مصطفى البارزاني في العام 1964 وبقي معارضا له، وفي سنة 1975 شكّل الطالباني حزبا جديدا تحت اسم الاتحاد الوطني الكردستاني، وقد امتدت الخلافات بين الحزبين إلى الخلاف بين المدينتين السليمانية، التي هي معقل الاتحاد الوطني، وأربيل معقل الديمقراطي الكردستاني، برغم أن الخلاف أقدم ويعود إلى زمن القائد الكردي الشيخ محمود الحفيد.

نسبيا، فإن البارزاني أقلّ تطرفا من جلال الطالباني، الذي كان الراعي الكبير لمصالح أعداء العراق، إذ كان إيرانيا أكثر من الإيرانيين أنفسهم وهو إحدى أدوات احتلال العراق سنة 2003، وأطلق على جورج دبليو بوش لقب محرر العراقيين، وكلاهما (الطالباني والبارزاني الأب والابن) أقاما علاقة اقتصادية واستخباراتية مع إسرائيل، على نحو معلن وصريح، وهما يسعيان إلى الاعتراف بتل أبيب.

إن كلا من الحزبين يعدّ نفسه الممثل الوحيد للشعب الكردي، وقد حاول الأميركيون تهدئة التوتر بين الطرفين، وكانت وما زالت تل أبيب، عبر ممثليها، في المنطقة الشمالية من العراق، تحاول حلّ الخلافات بين الحزبين وتدعو، في الوقت عينه، إلى دعم وتشجيع النزعة الانفصالية، التي ستبقى قائمة طالما كان العراق مرتهنا من واشنطن وطهران، وما يثير هذه النزعات كلها بين السليمانية وأربيل هو الغنائم والأسلاب، بعد أن تحول الحزبان إلى إمبراطوريتين ماليتين غارقتين بالدولار النفطي.

تاريخيا، يعاني إقليم كردستان العراق من أزمة بنيوية، إذ يرتبط شرق الإقليم بعلاقات وثيقة مع إيران ويتقاطع، تاريخيا، مع القيادات الكردية غرب الإقليم، بالإضافة إلى الاختلافات الجوهرية في اللغة، وهي عوامل تسبب عوائق موضوعية لوحدة الإقليم سبق لها أن أفرزت تقاطعات جوهرية بين مكوناته وسببت تقاطعات وصلت إلى اندلاع الحرب بينهما، أكثر من مرة، فضلا عن صراع الحزبين على كركوك، إذ لا يستطيع أي حزب منهما إقامة دولة من دون السيطرة على هذه المحافظة الغنية بالنفط.

إن الخارطة السياسية لإقليم كردستان، كما يقول ناشط سياسي تركماني، لن تتغير في العراق، إطلاقا، لأن ذلك خط أحمر بالنسبة لأربيل، التي تبقى لها الكلمة الفصل في المحافل الدولية وعائلة البارزاني هم المعتمدون لدى أصحاب القرار في الشأن العراقي كإسرائيل وأميركا والاتحاد الأوروبي، ناهيك عن وجود منتسبين من كلا الطرفين وبأعداد هائلة لدى كل طرف وهم تحت رحمة الأخطاء السياسية.

دستوريا، فإن إقليم كردستان العراق، بوضعه الحالي، تقره المادة 117 أولا، التي تصف الإقليم، وسلطاته القائمة، بأنه إقليم اتحادي، كما أن المادة 141 من الدستور نفسه نصت على أن يستمر العمل بالقوانين، التي تم تشريعها في الإقليم، منذ سنة 1992 ما لم يتم تعديلها أو إلغاؤها، حسب قوانين الإقليم، فيما نصت المادة 121 من الدستور على أن لسلطات الإقليم الحق في ممارسة السلطات التشريعية والتنفيذية والقضائية باستثناء ما ورد فيه من اختصاصات حصرية للسلطات الاتحادية الواردة في المادة 110 من الدستور وحكم المادة 115 كل ما لم ينص عليه في الاختصاصات الحصرية يكون من صلاحيات الإقليم والمحافظات غير المنتظمة في إقليم، وعموما تكون الأولوية لقانون الإقليم، وأن الوضع السياسي يخلق مشكلات ولكن الحكم الحاسم هو الدستور ما لم يعدل الدستور وهناك ضمانات لحماية الإقليم ومنها العبارة الأخيرة من ديباجة الدستور، أما الخلافات الداخلية في الإقليم فهي لا ترقى إلى درجة هدم كيان الإقليم والمشكلات العالقة في ما يخص المال والنفط وتوزيع الواردات والمنافذ الحدودية وقوات البيشمركة وعدد الموظفين ورواتبهم، فهي تحل بالاتفاق السياسي، وهذه وجهة نظر كردية أدلى بها، في حديثه معي، عوني البزاز القاضي السابق في محكمة كردستان.

الواقع، أن الحزبين الكرديين الرئيسين، بعد مضي سنوات عديدة على تجربة الكرد في إنشاء كيان لهم في شمال العراق برعاية أميركية – غربية، فشلا في إيجاد كيان كردي موحد يستطيع أن يعيش بكنفه الشعب الكردي وهو مطمئن على حياته وعلى مستقبله، كما فشلا في التخلص من العقلية الحزبية والنزعة العشائرية والعائلية، التي تصبغ حزبيهما، ولم ينجحا في تقديم المصلحة الكردية العامة على المصلحة الحزبية الضيقة، من خلال تشكيل مؤسسات حكومية تمثل جميع الكرد وليس مؤسسات منقسمة ما بين الحزبين.

نعم، لم يستطع الحزبان أن يحققا الأهداف، التي ينتظرها المواطن الكردي، ولم تر النور إلا في شكلياتها، التي لا تعني لهذا المواطن شيئا، وبقيت للحزبين إدارتاهما المختلفتان، ومناطق سيطرتهما، بالإضافة إلى – وهذا أهم ما في الأمر- أن لكل حزب ميليشياته الخاصة، التي تسمى بـ”البيشمركة”، ثم انبثقت، بعد ذلك، لكل حزب أجهزته الأمنية الخاصة، لتوظيفها في عملية دعم الأمن الخاص بمناطق سيطرتهما، وليس لدعم الكيان الكردي الجديد، كما يقول الكاتب نظير الكندوري.

تعود جذور المشكلة الحالية وحالة التوتر بين الحزبين الكرديين، في رأي مراقبين ومحللين سياسيين، إلى مرحلة الاستفتاء، عندما أصر الديمقراطي، حينها، على إجرائه، بينما تردد في قبوله الاتحاد وأغلب الأحزاب الكردية، تلتها تطورات جعلت عملية الاستفتاء تأتي بنتيجة عكسية حينما دخلت القوات العراقية والحشد الشعبي إلى مدينة كركوك سنة 2017 وطردت البيشمركة منها، فاتهم الديمقراطي قيادات في الاتحاد الوطني بالخيانة، والتواطؤ مع بغداد في تسليم كركوك. ثم تطور هذا التوتر بين الحزبين، بعد انتخاب لاهور شيخ جنكي وبافل طالباني رئيسين مشتركين للاتحاد الوطني الكردستاني، وهما اللذان يتهمهما الحزب الديمقراطي بالاتفاق مع الحكومة المركزية وخيانة الأكراد، حسب تعبيره.

وعلى هذا الأساس نرى أن هذين الحزبين الكرديين، ما زالا في خصام وتنافس بينهما على مناطق النفوذ، والمكاسب الحزبية، من دون مراعاة لمصالح الشعب الكردي، ومن المتوقع ألا يكون هناك توافق بين الحزبين في الوقت الحالي ولا في المستقبل، ولن يرتقيا ليكونا حزبين قادرين على إدارة (دولة)، وسيبقيان يتصرفان كميليشيات. وقد ارتضى كل حزب منهما الارتماء في أحضان طرف دولي خارجي، للاستقواء على الطرف الآخر، ففي الوقت الذي ينسق حزب الاتحاد الوطني الكردستاني مع الجانب الإيراني، ويتعاون مع حزب العمال الانفصالي، نجد أن الحزب الديمقراطي الكردستاني في حالة تناغم شديد مع الجانب التركي، ويحرص، أشدّ الحرص، على وجود القوات الأميركية في المناطق، التي يسيطر عليها، وإذا كان هذا هو حال الحزبين، فمن المشكوك أنهما يستطيعان تحقيق أحلام الكرد، في يوم ما، ومن المشكوك أن تكون لهما القدرة أو الرغبة في التعاون مع الدولة، التي ينتميان إليها، لبناء دولة العراق، التي تحفظ حقوق كل مكوناتها، بنحو متساو، فطالما كان هذان الحزبان، من أشد الداعمين للحكومات الطائفية والفاسدة في البلاد، ويقفان ضد كل محاولة لإصلاح نظام بغداد الفاسد أو إسقاطه، فهل نحن، اليوم، على موعد جديد، لمواجهات عسكرية بين الحزبين؟

الخلاصة: إذا كانت الحرب الناعمة، لاسيما الإعلامية بين الحزبين ظاهرة على السطح، فإن الصراع المسلح قد ينفجر بينهما، في أي وقت، وكانت أول مواجهة بينهما عندما استعان جلال الطالباني بالإيرانيين ضد مسعود، فيما لجأ الأخير إلى طلب المعونة من الرئيس الراحل صدام حسين في 31 أغسطس 1996، فألحق الهزيمة بالطالباني.

9