ما بين السطور

تحويل قراءة الأعمال الأدبية إلى عملية منتهية سواء تحققت أم لا، بحيث يتمكن القارئ المفترض من تخطي النص إلى نواياه، ولن تشكل من ثم مراحل قراءة العمل إلا سعيا لاكتشاف ما هو محصل سلفا.
الأربعاء 2018/03/21
الحقيقة كلها في تلك السطور المخطوطة

تقترن قراءة الروايات بالنوايا وبالأحكام، فأنت تشتري رواية “سمرقند” لأمين معلوف، وفي ذهنك أنك ستكتشف بعض معالم تلك المدينة الفارسية العريقة، وتقرأ عن وقائع تتصل بتاريخها وبشخصيات تنتمي إليها، أنت شبه مهيأ للتخلي عن قراءتها في أي لحظة تحس أن العنوان لم يكن أمينا معك، نفس الانطباع قد يتشكل إزاء عناوين من قبيل “العجوز والبحر” لإرنست همينغواي أو “المقامر” لدوستويفسكي، قد تفترض أن السياق سيأخذك إلى مغامرات استثنائية يكون فيها عجوز ما في مواجهة بحر، أو يكون فيها الغارق في إدمان القمار في مواجهة القدر. نحن نتحدث هنا عن قراءة منتهية، تتطلع إلى إثبات صدقها مع تطور الأحداث، في كل مرة تقلب الصفحات لتأكيد التوقع.

وهذا النوع من القراءة المتصل بتوقعاتنا بصدد عناوين ذات صيغ مباشرة، ليس متصلا بنوعية خاصة من مستهلكي الروايات، وإنما هو ظاهرة تتصل بكل طبقات القراء من النقاد إلى من يستهويهم تقليب الروايات على شاطئ البحر أو في رحلات القطار… من هنا يمكن فهم انتشار سرديات روائية عن وقائع بذاتها نكاد نعرف تفاصيلها؛ من اجتياح بيروت، والاعتقال السياسي بالعالم العربي، إلى الحروب الأهلية، وثورات ما سمي بالربيع العربي، وكأنما نحتاج دوما إلى إعادة تقليب تفاصيل الحكاية. وفي كل مرة يطالعنا سجال صاخب عن دقة ما ورد وأمانته، وحجم تزييفه للحقائق، وأسئلة عن الهوية الحقيقية للشخصيات في النص التخييلي، تلك التي ينبه الكاتب في الصفحة الأولى إلى أن كل تشابه بينها وبين شخصيات حقيقية هو مجرد مصادفة.

وقبل أزيد من ثلاثة عقود انتشرت في العالم ظاهرة تأليف كتب نقدية تبسيطية استنادا إلى مبدأ إرضاء النوايا، وهي ذات طبيعة مدرسية تسعى لتقريب الروايات المقررة في المناهج الدراسية إلى مدارك التلاميذ، وتدريبهم على خطوات التحليل النموذجية. ومثّل الهدف، منذ الوهلة الأولى، تحويل قراءة الأعمال الأدبية إلى عملية منتهية سواء تحققت أم لا، بحيث يتمكن القارئ المفترض من تخطي النص إلى نواياه، ولن تشكل من ثم مراحل قراءة العمل إلا سعيا لاكتشاف ما هو محصل سلفا.

يمكن في هذا السياق الحديث عن قراءة لا تستسلم للأعمال ذاتها، وفي حال الاستسلام تتحول الفتنة إلى حجاب. القراءة في هذه الحال، تكون لما هو غير موجود، ولشيء غائب، ذلك الذي يسميه النقاد بخداع ظاهر، “ما بين السطور”،  والحال أنه لا يوجد شيء بين السطور إلا الفراغ، الحقيقة كلها في تلك السطور المخطوطة حبرا على ورق.

15