ما بين السودانين.. أشواق إلى الوحدة

الثلاثاء 2013/09/10

ظهرت تعابير بعض الانفصاليين من جنوب وشمال السودان أيام الاستفتاء على تقرير مصير جنوب السودان عام 2011، بشكل ينبئ بأنه لو تحقق الانفصال فإن الجنوب سيذهب بلا عودة إلى حضن الوطن، ولكن ما أثبتته هذه الأيام يشي بعكس ذلك.

ما حدث هو تظاهر مئات المواطنين الجنوبيين في جوبا عاصمة دولة جنوب السودان مطالبين بإعادة الوحدة مع السودان على خلفية تردي الأوضاع الأمنية. والملفت أنّ هذه التظاهرة الجنوبية ضمت ميليشيات مناوئة لحكومة الجنوب ومجموعات تابعة للجيش السوداني سابقاً من الذين تم تسريحهم بمجرد إعلان نتيجة الاستفتاء التي كانت لصالح الانفصال. ولكن كيف تم انفصال الجنوب؟ وإذا كان السودانيون من الجانبين يدعمون خيار الوحدة فمن دعم الانفصال؟

صحيح أنّه كان هناك توق كبير إلى السلام والاستقرار تم التعبير عنه بالتوقيع على اتفاقية السلام (نيفاشا) 2005 بين حكومة السودان والحركة الشعبية لتحرير السودان، لتنهي عقوداً من الحرب الأهلية بين شمال وجنوب السودان. ورغم أنّ ذلك الاتفاق لم يضع حلولاً سحرية لكل مسببات الحرب إلا أنّه كان يؤمل فيه، باعتبار أنّه بداية عهد المصالحة الوطنية ليس بين الحكومة السودانية والحركة الشعبية لتحرير السودان فحسب، وإنّما بين الحكومة والمعارضة في التجمع الوطني الديمقراطي الناشطة في الخارج وذلك كبداية في المشاركة السياسية وفقاً لاتفاقية نيفاشا. وبدلاً من أن يكون هذا الاتفاق مرحلة تنهي الحرب في الجنوب وتفتح باب حل النزاع في دارفور، كانت هناك مجموعة من الانفصاليين في الجهتين لعبت عكس إرادة الشعب وخدمت غرض تقسيم السودان حتى تم، مستفيدةً من بعض الثغرات في الاتفاق والضغوط الأميركية التي حرصت على تحقيقه. لا أحد ينكر الحقب التي عاشها الجنوب في كنف الوحدة وهو يعاني التهميش منذ الاستقلال. ومنذ الخمسينات تراكمت مرارات التفرقة العنصرية، وهو ما أظهرته شكاوى النخب السياسية الجنوبية من أنّ مواطنيهم يُعاملون في الشمال كمواطنين درجة ثانية.

الاحتكام للشعب، كان أحد أهم حقوق أهل الجنوب كما كان من حق أهل الشمال إبداء آرائهم وفاء للتعايش التاريخي. أما حق أهل الجنوب في الاستفتاء فهو ملزم وفقاً للشروط التي تم الاتفاق عليها في نيفاشا. فكان الاستفتاء عملية ضرورية حتى يتحدد شكل دولة السودان، هل يكون في ظل الوحدة أم يصير إلى دولتين؛ تغالب الأولى الشكل الجديد لتصارع آمال تحقيق مصير أخرى في دارفور وشرق السودان والنوبة والنيل الأزرق، بينما تغالب الثانية واقع دولة وليدة بتاريخ ملتهب.

وعندما أبرز بعض الوحدويين من النخب الشمالية بعد اتفاقية نيفاشا مسألة احترام خيارات الجنوبيين في الوحدة أو الانفصال، كان ذلك على أساس أن يتمتع الجنوبيون بحياة كريمة في إطار الدولة الموحدة أو المنفصلة لو تم ذلك بإرادتهم، ولكن كل ذلك كان محض تمنّ. فآخر ما طفا على الأخبار هو إشارة عمر البشير في خطابه بجوبا مؤخراً، لتذكير أوباما بالوعد الذى قطعه على نفسه برفع العقوبات الاقتصادية عن السودان، وذلك في سياق تعاونه من أجل تسهيل الانفصال. واقعياً كان لا بد من احترام نتائج الاستفتاء مهما كانت، ولكن عندما نعلم بأنّ ذلك كان وفق صفقة سياسية تجيء نتائجها عكس تطلعات الشعب إلى الوحدة، فإنّه يعني الوصول إلى مرحلة خطيرة تهدد مكونات السودان وبنائه الوجداني الذي احتمل الكثير من أجل ترسيخ الوحدة.

هناك معطيات دولية خدمت خيار الانفصال وعملت من أجله حتى تحقق، وليست النخبة الجنوبية وحدها هي التي رأت أنّ الشراكة في الحكم هي بداية الطريق لتحقيق مرحلة الدولة حتى لو لم يكن ذلك يعبّر عن طموح الأغلبية. هذه النظرة الضيقة هي التي انتهت بالجنوب إلى دولة مرهَقة أضناها طموح التخلص من الاضطهاد، كما أضناها سلوك الصراع مع الشمال مما أورث الدولة نهجاً سياسياً ما زال يحركه الوقود الذي أجّج الحرب الأهلية أكثر من نصف قرن.

ذلك النهج أعاق مسألة التخلص من حالة الحركة المسلحة المتمردة، كما صعّب على نخبتها بعد أن تحقق الاستقلال المنشود أن تطفأ الغبن السياسي والعرقي القديم. وعندما تتظاهر مجموعة من مواطني الجنوب منادية بإعادة السودان موحدا فإنّ ذلك لا يغفل تاريخ الصراع، ولا يريح العقل الباطن المثقل بالضيم العرقي، بقدر ما يغفل حقيقة أن الوحدة هي قضية إحساس بوجود داخل إطار الدولة وليس قضية حدود سياسية.


كاتبة سودانية

9