ما بين اليسار والليبرالية: موقف ملتبس من الأمبريالية

الجمعة 2013/10/25
سباق الليبرالية مع الإمبرايالية حرب لا تنتهي

للثورة السورية فضائل جمة، لأنها حركة تغيير عامة وانقلاب جذري يطال بنى المجتمع، الوعي، السلطة، ولكن تبقى الفضائل الفكرية للثورة هي الأبرز والأهم على هذا الصعيد، لأنها أسقطت الكثير من الأفكار الجاهزة، النمطية لتيارات فكرية وسياسية بعينها وأعادت النظر في أطروحات بعض المثقفين الذين هيمنوا على المشهد الفكري بكثير من التعالي النخبوي.

أهم تيارين اصطدما بواقع الثورة وأصابتهما حالة من الارتباك، هما: يسار الأحزاب الشيوعية التقليدية وبعض القوى الليبرالية. ولا يمكن تحديد مكامن الارتباك إلا بعد تفكيك خطابهما وتموضعهما ضمن السياق الذي سبق اندلاع الثورة السورية.

البداية سوف تكون مع يسار الأحزاب الشيوعية التقليدية العقائدية التي تماهت بنيتها التنظيمية وعقيدتها وخطابها مع المركز السوفيتي السابق وأصبحت جناحا تابعا لما اصطلح على تسميته بالأنظمة التقدمية، التي استلمت السلطة عبر انقلابات عسكرية وليس عبر ثورات اجتماعية معادية للاستعمار، وأجرت عددا من الإصلاحات كالإصلاح الزراعي والتأميم، ومع سنوات حكمها الطويلة تحولت، البورجوازية الصغيرة التي شكلت هذه الأنظمة، إلى كولونيالية اغتنت من الشكل البيروقراطي للسلطة، وراكمت ثروات طائلة، وهذا التحول فرض عليها أن تقطع مع الفئات والشرائح التي مثلتها وعبرت عنها.

وهذا التحول أيضا لم يمنعها من حل المسألة الوطنية وحسب وإنما عملت جاهدة على الفصل بين الوطني الاجتماعي والديمقراطي. وبالتالي فقد تمسك اليسار الممانع بالبعد الوطني وتغاضى عن الجوهر الكولونيالي والخيار الرأسمالي لهذه النظم.

لم يسأل هذا اليسار نفسه يوما، كيف يمكن لبورجوازية ريعية اوليغارشيا مالية، تابعة وتعمل لحساب الخارج، وتحتكر الثروة والسلطة، أن تكون داعما حقيقيا لحركات التحرر مع افقارها للقاعدة الشعبية المعنية بالمسألة الوطنية، بفعل سياسات الليبرالية الاقتصادية والانفتاح التي كانت تعبّر عن التبعية للمراكز الامبريالية، ودون أن يرافق هذه الليبرالية أي لبرلة سياسية وإنما استمرت بسياسة الإفقار وكم الأفواه.

عندما حلت اللحظة التاريخية وانتفض الشعب ضد القمع والفقر، تبيّن أن اندلاع الثورة لم يرعب النظام فقط وإنما أرعب كل بورجوازيات النفط والامبريالية، التي أدركت أن الثورة سوف تزيد وتفاقم من أزماتها وتناقضاتها، بحال تم إسقاط وكلائها في الداخل، وإذا ما نجحت الثورة في تحقيق أهدافها فهذا يعني قطع التبعية والتحرر الكامل من الوصاية الخارجية.

وكان صعبا على يسار انتهازي دوغمائي أن يلتقط التحولات والمعطيات التي أفرزها واقع الثورة بفعل تكلسه وعطالته التاريخية التي أوقفت نموه الفكري والعقلي عند مرحلة تاريخية محددة، وبقي أسير تناقض أحادي، وهو التناقض الرئيسي الذي يتمثل في معاداة الامبريالية، دون أن يقرنها بمعاداة النظام الذي وجد في الإيديولوجيا الممانعة شعارا يوظفه خير توظيف لقمع نقيضه وخصمه الحقيقي، وهو الشعوب.

هذا كان حال اليسار الممانع الذي لا شك حافظ على ارتباطه بتلك النظم قد ربط مصيره ومصالحه بمصيرها ومصالحها، لكن ماذا عن شأن الليبراليين وتحديدا المنحدرين من مواقع يسارية بعد انهيار الاشتراكية؟

قبل الثورة، ما انفك الليبراليون يطالبون بالديمقراطية، التي تقتصر على البعد السياسي والمختصرة في صندوق الاقتراع، ولطالما اعتبروا الطبقة الوسطى هي الحامل الاجتماعي للتغيير والحرية، إلى أن اندلعت الثورة من الأطراف والهوامش فخيبت آمالهم. ولا يخفى على أحد طابعها الطبقي الاجتماعي، وعفويتها كونها اندلعت خارج إطار أي نظرية وتنظير مسبق، وبعيدة عن الأدلجة ولا قيادة لها.

وفضلا عن إسقاط الليبراليين لمفهوم الامبريالية من القاموس الفكري النظري، وإذا صار ونقدوا الأميركان يتم نقدهم على أنهم يمثلون سلطة عليا ويسقطون مفردة الهيمنة الملازمة لهذه السلطة لأنها تحيلهم إلى الأدبيات اليسارية التي قطعوا معها.

وتابع الليبيراليون بحالة الإنكار حتى لما بعد اندلاع الثورة مع أن كل المعطيات والوقائع وصراع القوى الغربية تشير إلى تجذر هذا المفهوم وتعيينه واقعيا، خاصة مع صعود المنافس الروسي في وجه الأميركي.

وهذا الصراع بين الامبرياليات يعود بنا إلى كراس لينين «الامبريالية أعلى مراحل الرأسمالية»، في هذا الكراس جذر لينين مفهوم الامبريالية وبكثير من الشروحات الهامة والتفصيلية، ولا غضاضة من القول إن الواقع الحالي أكد ما ذهب إليه لينين ونفى فكرة «كاوتسكي» عن الامبريالية الأحادية والعليا.

وتتجلى هذه الهيمنة في مؤسستين تعتبران أداتي حرب، صندوق النقد الدولي ومنظمة التجارة، اللتين تعملان على السيطرة على اقتصاديات البلدان من خلال فرض شروط تحرير الأسواق والخصخصة. وما الأزمة المالية التي عصفت بالنمط الرأسمالي في سنة 2008 إلا تأكيد لما ذهب إليه لينين وروزا لوكسمبورغ حول فيض الرساميل التي لا توظف في الإنتاج وإنما يتم تصديرها إلى الخارج، وتحديدا إلى بيئات غير رأسمالية، الأمر الذي يمنح بالتالي الامبريالية سمتها الطفيلية، والتي أصبحت في الآونة الأخيرة قادرة على أن تخضع الدول التي تتمتع باستقلال سياسي وذلك عن طريق إقراض الحكومات، ويمكن اعتبار ذلك شكلا من أشكال الاستعمار الجديد، وضحيته الأولى هي الشرائح الدنيا والفقيرة.

بعد هذه الجولة والتوصيف لا ضير من القول إن كلا التيارين تجمعهما حالة إنكار تغيبهما عن رؤية الجديد، ولكن حالة الإنكار لم تمنع كلا الطرفين من الانزلاق إلى تبني الخطاب الايديولوجي للامبريالية أي الرؤية الثقافية والاستشراقية، حيث أن اليسار لم ير في الثورة إلا ثورة سلفيين وإرهابيين، والليبراليون نفوا وجود أي علاقة تربط الجهاديين بالغرب، مع أن انتشارهم وتقويتهم هو مطلب غربي، إذ لطالما روج الغرب وعبر إعلامه وبشكل ممنهج لمشاهد الذبح المقززة للجهاديين، وهذا ما دعم وخدم النظام على أنه يواجه تكفيريين.

وتشكل مقولة الحرب على الإرهاب التي ابتدعها الغرب مخرجا للنظام، بالتالي أفقد الدعم والتعاطف الدولي مع الثورة، وكما فسر انفضاض اليسار العالمي عن دعمها. في النهاية، يستخلص أن كلا التيارين، وعلى مستوى التوصيف الشكلي، يجهدان لكي يقدما العناصر على أنها مستقلة متجاورة، لا توجد أي رابطة علائقية تجمع بينها، هنالك حالة نفي عند اليسار للتبعية التي تربط النظام بالغرب، ونفي للعلاقة بين الغرب، النظام، والجهاديين عند الليبراليين.

7