ما بين كالدر وموندريان

الاثنين 2014/06/23

من غير تخطيط مسبق وجدت نفسي وجها لوجه أمام منحوتات ألكسندر كالدر المعروضة كما هي العادة في الهواء الطلق. لقد اقترحت عليّ زوجتي أن نجلس قليلا في الحديقة الخلفية للمتحف الوطني في أمستردام. كنا في طريقنا إلى متحف ستيدلك، غير أن ما رأيناه في تلك الحديقة كان أهم بكثير مما كنا ننوي رؤيته في ذلك المتحف. فجأة كنا أمام منحوتات تمثل مرحلة مهمة من مراحل ذلك النحات الأميركي الذي قرر أن يُدخل الهواء عنصرا رئيسيا في البناء النحتي.

أمام منحوتاته التجريدية المصنوعة من رقائق المعادن تذكرت أن كالدر حين حضر إلى باريس كان يمني النفس بلقاء بيت موندرريان، معبوده في الشغف بالمربعات. وحين حظي بلقاء ذلك الرسام الهولندي المعروف بصرامته عرض عليه أن يصنع من أشكاله منحوتات تتحرك أجزاؤها بتأثير من الهواء. وهنا لم يكن أمام الرسام المنضبط سوى أن يطرد ذلك النحات المشاغب من مرسمه.

هولندا اليوم تستعيد كالدر، كما لو أنها تعتذر منه. لم يقدر موندريان موهبة كالدر يومها فطرده. غير أن كالدر ظل وفيا لموندريان. العرض الحالي يذكر بموندريان بقدر ما يضع منحوتات كالدر نصب أعيننا. هي حيلة متحفية يُراد من خلالها استعادة الإثارة الجمالية.

لقد ذهب الرجلان إلى التاريخ غير أن الجمال الذي صنعاه لا يزال حيا. شيء منهما سيظل قادرا على اللعب بمشاعرنا الغامضة. كان موندريان يودّ لو أن العالم يظل صامتا في حين كان كالدر يرغب في أن لا يتوقف العالم عن هذيانه.

في حديقة المتحف الوطني بأمستردام كنت محاطا بعالمين، خُلقا لكي يكونا متناقضين غير أنهما من خلال الجمال ذهبا إلى هدف واحد: الفن باعتباره خلاصا. أمام منحوتات كالدر لا يحتاج المرء إلى الكلام، لقد ترك الرجل للهواء حرية أن يقول الكلمات التي لن نحتاج إلى قولها؛ يهبنا كالدر معاني نشعر أننا قد فقدناها، معاني ستكون حياتنا ناقصة من غيرها.

16