ما تبقى من الإعلام المصري.. في الطريق إلى كوريا الشمالية

إلغاء المواقع الإلكترونية محو تام لذاكرة تراكمية تضم محتوى ما نشرته العشرات من الصحف والمجلات في السنوات الماضية.
الأربعاء 2019/10/16
عقدة نفسية بين السلطة السياسية ووسائل الإعلام

في يونيو 2019 جرى اختراق، من قراصنة قيل إنهم أتراك، للموقع الإلكتروني لصحيفة الأهرام، وبثوا تقريرا منح الرئيس الإخواني الراحل محمد مرسي لقب “الشهيد”، فتقرر إلغاء الموقع، ومعه المواقع الإلكترونية لصحف حكومية يطلق عليها “القومية”، وما هي بقومية، ولكنها دستوريا مؤسسات وطنية مملوكة للشعب، وتديرها هيئات مستقلة غير حكومية، محكومة بالمادة رقم 211 من دستور 2014 “المجلس الأعلى للإعلام هيئة مستقلة”.

وبنص المادة 212 فإن “الهيئة الوطنية للصحافة هيئة مستقلة”. استقلال الإعلام يوحي بما للقضاء من هيبة بنص الدستور في المادة رقم 184 على أن “السلطة القضائية مستقلة”.

استقلال كارتوني ينهار لسبب ساذج يؤكد الخوف من أشباح وألقاب مثل “الشهيد”، ولا أظن أحدا في مصر مشغولا بالتصنيف الغيبي لمرسي وحسن البنا وسيد قطب، وفي ساحة أخرى سيكون فصل الخطاب. وبدلا من البحث عن إجراءات فنية وقائية، لحماية المواقع المصرية من الاختراق، فإنهم لجأوا إلى الحل العقابي الأسهل، وتخلصوا من هذا الصداع. تماما كالشروع في تجفيف مياه النيل، بحجة العجز عن التعامل القانوني الحاسم مع أفراد ومصانع تلوث مياه النهر بمخلفاتها البشرية والصناعية. ويوجد مثل مصري، وقح قليلا ولكنه شديد الدلالة أيضا، عن أحمق أراد أن يعاقب زوجته فقطع عضوه.

عمدت سلطة فوق صحافية إلى “الإلغاء” لا “الحجب”، وكان الإجراء الأخير مصير العشرات من المواقع الإخبارية العربية والأجنبية، لمنع المصريين من متابعتها إلا بالتحايل الذكي الرافض لفكرة الوصاية على العقول. وتظل المواقع المحجوبة متاحة خارج حدود أسوار تحيط 1.01 مليون كيلومتر مربع هي مساحة مصر، منقوصا من هذه المساحة الجغرافية جزيرتا تيران وصنافير المصريتان.

 تشييد الأسوار عنوان مرحلة الاستحكامات المسلحة، نسبة إلى الخرسانة المسلحة لا إلى الأسلحة القاتلة، حول هيئات وكيانات، وجانب من شاطئ البحر المتوسط في الإسكندرية لحرمان الناس من الاستمتاع بالبحر، وحول وزارة الأوقاف بالقاهرة لتحصينها من أي اجتهاد فقهي يهدد الاستقرار، وبالطبع حول سجون تتناسل لاستيعاب ضحايا تضخّهم المصفحات، ولا يعرفون لماذا اعتقلوا أو متى يقدمون إلى المحاكمة.

“الحجب” لا يحول دون انتشار المواقع الإعلامية الأجنبية خارج مصر، ورسائلها تستهدف المصريين وغيرهم ممن شحنهم، ضد مصر، الحمق السياسي والتردي الإعلامي. وأما “الإلغاء” فهو محو يحرم المصريين والعرب والأجانب على السواء من وصول “صوت” مصر الهزيل مهنيا. لاحظت في المغرب في سبتمبر الماضي، خلو قائمة المشاهدة في الفندق من أي فضائية مصرية، وما يصل إلى المغاربة، وربما إلى غيرهم، عن مصر هو ما تقرره قناة الجزيرة. وإذا بثت مادة إعلامية مصرية فلا تكون إلا مقطع فيديو من هزليات أحمد موسى، بإذاعته عام 2015 لعبة حربية من عام 2010 باعتبارها قصفا روسيا بارعا لمواقع داعش، وتجاوزات غير مهنية لعمرو أديب، بإجرائه تحقيقا قضائيا يجبر ضيوفا، من الأردن والسودان، على الاعتراف بجريمة لا يعرفون عنها شيئا.

هذا “الإلغاء” المستمر، إلى الآن، لمواقع الصحف المصرية يجعل من مصر كوكبا خفيا على أبنائها المهاجرين، فيكونون صيدا جاهزا لإعلام مغرض محجوب في الداخل عن المصريين، وهم معرضون عن صحف ورقية تملى عليها القضايا والصور والعناوين تبعا لقاعدة “لا اجتهاد مع النص”. وبنظرة سريعة على عناوين الصفحات الأولى، على الأرصفة عند باعة الصحف، لا يملك المواطن إلا أن يستخف بالوحي الهابط على رؤساء التحرير، ولا يستطيعون معه إلا “الالتزام” بحرفية النص. ولن يصدق أحد نصّا دستوريا يؤكد مسؤولية المجلس الأعلى للإعلام عن “ضمان وحماية حرية الصحافة والإعلام… والحفاظ على استقلالها وحيادها وتعدديتها وتنوعها”، حيث لا حرية، ولا استقلال، ولا حياد، ولا تعددية، ولا تنوع.

 بين البعض من جهاز الشرطة والشعب ثأر يرجع إلى جمعة الغضب، 28 يناير 2011، ولا يفسر السلوك الانتقامي الخشن، خارج نطاق القانون، إلا في ضوء صعود إرادة الجماهير، واعتراف مسؤول في مكالمة مسربة بأن “الشعب ركب”. وبالمثل فإن بين السلطة السياسية ووسائل الإعلام عقدة نفسية، فلولا وسائل الإعلام التقليدية والإلكترونية لطال عمر نظام حسني مبارك. وما نجح الشعب في استخدامه في المرة الأولى، سينجح في تكراره. ويتسلح الشعب الآن بنص دستوري على استقلال الإعلام وهيئاته.

إلغاء المواقع الإلكترونية محو تام لذاكرة تراكمية تضم محتوى ما نشرته العشرات من الصحف والمجلات في السنوات الماضية. وهو أيضا إجراء يفتقد الحس السياسي، بعزل الشأن المصري عمن يرغبون في متابعته خارج البلاد بعين مصرية. ومواصلة هذا التعنت تكريس لصورة ذهنية عن مصر كأنها في طريقها إلى نموذج كوريا الجنوبية بأمرين: تعلية الأسوار، والتآكل الذاتي. وإن تمكنت كوريا من تجاوز الخطر الثاني، وأرغمت الولايات المتحدة على الحوار لا استمرار التلويح بالتهديد.

في 5 فبراير 2011، قبل خلع مبارك ببضعة أيام، كان فتى يتجول في أرجاء ميدان التحرير، حاملا لافتة كارتونية، مكتوبة بخط غير متقن “نصف ثورة يساوي هلاك أمة”. تفاءلت بنجاح الثورة؛ فهذا شاب يتمتع بذكاء فطري، ولو كان مثقفا لكتب المثل الصيني “أنصاف الثورات أكفان الشعوب”، ولكنه بلغ الحقيقة بنفسه، وعبر عنها وفقا لمستوى وعيه.

ما بلغناه الآن ثمرة “نصف ثورة”. وهذا الفشل يمنح الاستبداد فرصا لتقوية حصونه، وتأجيل تكرار تجربة ثورية ستكون كاملة. ومثل هذا الفتى يشحنون الآن نفسيا، بالتعرض لتفتيش هواتفهم، وخوفهم من الاعتقال العشوائي، وترقبهم لوشايات وأكاذيب لن يتحرى عن صحتها محقق. ومن يرى نموذج كوريا الشمالية في نهاية الطريق فلا نضمن متى، ولا كيف، تكون طبيعة انفجاره؟

18