ما تبقى من البنيوية

العامل المهم الذي يجعل من جينيه عنصرا بارزا ضمن المجموعة البنيوية، هو تفانيه في دراسة الأدب وتكريس مسيرته المهنية لمحاولة أو كيفية فهم ما يسميه الكتابة الأدبية.
الجمعة 2018/07/06
جيرار جينيه كرس مسيرته المهنية لفهم الكتابة الأدبية

ربّما لم يسمع الكثيرون بجيرار جينيه من قبل، لكنّه معروف جدّا في أوساط المثقفين الفرنسيين، فقد كان جينيه عضوا في الحلقة الماسية التي جذبت الكثير من الأضواء الساطعة في العقود الأخيرة، مثل رولاند بارت الذي أسهم في جعل البنيوية -المرتبطة تقليديا بالأنثروبولوجيا واللسانيات- ذات مغزى لدراسة الأدب والروايات.

ويفترض جيرار جينيه مواقف البنيوية من المعرفة المسبّقة للمبادئ التقليدية للدراسات الأدبية، وفي الاهتمام المستمر الذي منحه للخطابة، لكن باستعادة الأدلة التقليدية بواسطة مراجعة مفاهيمها، ومن هنا تم توثيق كتبه الثلاثة الأولى التي تعد إثراء لنظرية النقد إذا ما قورنت بالطروحات الأكثر راديكالية للآخرين، بعد أن اهتم بإصلاح حدود النقد الأدبي والتركيز على توجيه البنيوية استنادا إلى التوصيف الذي طرحه ليفي شتراوس، وتتمحور هذه الفكرة حول النظر للنقد الأدبي باعتباره “نشاطا بنيويا” سيوفر أسلوبه مزايا مهمة مقارنة بالمفاهيم السابقة للأدب.

ولعل العامل المهم الذي يجعل من جينيه عنصرا بارزا ضمن المجموعة البنيوية، هو تفانيه في دراسة الأدب وتكريس مسيرته المهنية لمحاولة أو كيفية فهم ما يسميه الكتابة الأدبية، وما هي آثارها وكيف تختلف عن أشكال الكتابة الأخرى، ومن أبرز تطبيقاته على هذا الصعيد كتابه الشهير “خطاب الحكاية” الذي يتناول فيه مفهوم الحكاية ودلالاتها وتوظيفها، بالإضافة إلى تطبيقاته في دراسته الضخمة عن مارسيل وكتابه “ذكرى الأشياء الماضية”.

إن هذه المقاربات ستمكّن جينيه لاحقا من تقديم أكثر التحليلات السرديَّة قيمة للمنهج البنيوي، ويستند جينيه في هذا النموذج إلى تمييز ثلاثة مرتكزات رئيسية في عملية الاتصال السردية؛ وهي التاريخ، أي المعنى أو المحتوى -بغض النظر عن طبيعته الدرامية-، والقصة -بيان الدلالة في شكل الخطاب وبالتالي النص السردي-، وأخيرا السرد كمنتج أو مجسد للقانون السردي أو تداخل الواقعي والخيالي.

ولعل الشيء المهم في طريقته، كما يفسرها، هو “تجاوز الانقسام بين التاريخ والخطاب”، وقد عرّف السلوكيات السرديَّة على أنّها “العلاقات المترابطة بين التاريخ والرواية، ذلك الترابط الذي لا يوجد إلا في سحر القصة، إذ من دونها لن تكون هناك حكايات”.

يستخدم جيرار جينيه هذه الفئات الثلاث، التي سبق وأن اقترحها تودوروف، لتحليل الخطاب السردي، بواسطة تصور القصة كشكل لفظي بالمعنى النحوي للمصطلح، كما لو كان فعلا في توسع مستمر على صعيد: الوقت (العلاقات بين القصة والتاريخ)، والوسيلة (تشير إلى أشكال ودرجات السرد)، وأخيرا الصوت (الطريقة التي تروى بها).

يركز جينيه في طروحاته، إضافة إلى مسألة كيفية عمل الكتابة الأدبية وما يميزها عن الأشكال الأخرى للكتابة غير الأدبية، على كيفية تحقيق الأثر في الكتابة، وهو نهج يتماشى مع إلهام ليفي شتراوس الأنثروبولوجي الأصلي للبنيوية. ويميل في تحليلاته إلى تقسيم النص إلى طبقات ويحقق في الطرق التي تتفاعل بها الأجزاء المختلفة من النص الأدبي ويكرس اهتماما كبيرا لتحديد هذه الأجزاء وتحليلها بواسطة ما يسميه المثال السردي، أي عمل سرد القصة نفسها، وبالتالي مراعاة بُعدها الأدائي.

تضاءل نجم جينيه في السنوات الأخيرة بعد ابتعاده عن الطروحات البحتة نحو المزيد من المشاكل ذات الدوافع السياسية في النظرية الأدبية، وجرى تجميع أعماله المهمة في مجلدات عدة تحت عنوان “أرقام الخطاب الأدبي”، وقد ترجمت إلى الكثير من اللغات.

14