ما تحدثه القبلة لا تحدثه القنبلة

استطاع الشاعر السوري عماد الدين موسى في مجموعته الشعرية الموسومة بـ"كسماء أخيرة"، الصادرة، عن دار "فضاءات للنشر والتوزيع"، بعمّان، أن يوظف عناصر الطبيعة الحيّة بشكل منطقي وأقرب إلى الواقع الملموس لتكون مكوّنات الطبيعة أداته للتعبير عمّا يعتمل في داخله من مشاعر على اختلافها.
الخميس 2015/07/16
من لم يحلم كما لم يولد، يحيا أبدا في عتمة قبر مجهول

من خلال عناوين قصائد “كسماء أخيرة”، للشاعر عمادالدين موسى يتبيَّن لنا اندماج ذات الشاعر مع الطبيعة الحيّة “الوردة- الفراشة- الصباح- السماء…” لتتحول إلى وسيلة جديّة وأساسية في نقل ما يشعر به. والملاحظ في هذه المجموعة الشعرية، وعلى غير العادة لا نقرأ إهداء للديوان، وعلى الأرجح كانت رغبة الشاعر جعل ديوانه الأول والذي هو باكورة أعماله الشعرية هدية عامة.

وقد جاء فهرس عناوين القصائد على هذه الشاكلة: بينما الأزهار تتساقط- الغابة التي لا تحتمل- أثر- موسيقى- الوردة صباحا- كمن يصطاد السماء- لا بد من مرآة- كيفما شاءت السنونوات- حياتي التي في قفَّة- من أجل تغريدة- وإذ ترنو العصافير إلى غصن بعيد- مرافئ أخرى أيضا- ريح مالحة- أغنية السماء الهائلة- ستُّ مسوّدات- صباحا كهتاف- ماذا أقول ليدكِ في الوداع- الطائر هذا الصباح- نشوة- أنشودة- كسماء أخيرة.

الواقعي والمتخيل

بالنظر في عناوين المجموعة وتحليلها، نجد أنّها جمعت مابين الواقعي والمتخيل، الكلّي والجزئي، الحياة والموت- لكن طابعها الأساس هو الرومانسية، إذ أنّه استخدم المفردات الدالّة على الجوّاني أكثر مما دلّت على الظاهر، فالباطن محور مونولوجه مع الطبيعة، من خلال تحاوره مع مكوِّناتها الحركية، لكنّ رغبة الشاعر في الخروج بالقصيدة في أبهى حلَّة لها، جعله يُحدث فجوة في ما بين العنوان والمتن، بالرغم من الدِّقة التي اتبعها الشاعر في اختيار العناوين، التي كان معظمها مقتبسا من مفردة أو تركيب ما في النص، ولكنَّها ابتعدت عن المضمون الذي احتمل أكثر من دلالة، مضامين أفرزتها ذات الشاعر المتأرجحة ما بين الواقع المرير المعيش وما بين ما يتوق إليه.

ربّما لم تنجُ قصيدة من النمط المقطعي الذي اتبعه الشاعر عمادالدين موسى، والذي أثار أسلوبه ذاك التساؤل، وهل كان الشعر عبر مراحله عبر التاريخ، قادراً على احتمال الشكل المقطعي، الذي ابتعد كلُّ مقطع فيه عن سابقه وانفصل عن لاحقه في معظم القصائد، إلا إذا كانت القصيدة ذاتها هي التي كانت تقود الشاعر، وتدفعه إلى اتباع هذا النمط، ليتحوَّل في ما بعد إلى ميزة مدهشة تميِّز عمادالدين موسى عن أبناء جيله من الشعراء.

يقول عمادالدين موسى من نص “ستّ مسوّدات”: -5- سنة أخرى سأنتظر/ سنة أخرى سأكتفي بالانتظار وحده/ -6- الأزهار فراشات/ فقدت عادة الطيران/ فعادت إلى سابق عهدها/ عادت إلى الرحيق.

الشاعر يدفع بنا إلى التوغل في الجزئيات المنفصلة لنعيد تركيبها في كل يُفضي بنا إلى تفهم الجزئية الأكبر في الحياة

أمّا ما نجا من النمط المقطعي فقد كانت عدة قصائد، استطاعت أن تكون حامل الديوان، تُعينه على عبور المعنى والاحتمالات، التي صادق عليها من خلال العبارة “الفضفاضة” والمفردة “الشيفرة”، نقرأ من نص “الغابة لا تحتمل الغابة”: “لا تدخلي الغابة عارية/ لا تتوغلي بين الأغصان/ وهي نائمة/ يالناعمة كأنشودة صباحية”.

إذا كانت العناوين هي بوَّابة يدخل منها القرَّاء إلى العالم الشعري للشاعر وقراءة كلماته، فإنَّ عمادالدين موسى بالرغم من قدرته الفائقة في انتقاء الكلمات الشفيفة، لتكون عنوانا لكلِّ قصيدة حتى تدلَّ على المضمون، إلا أنَّ عناوينه لم تخدم مضامينه، التي استطاع التعبير عنها بمفردات بسيطة ولكن على نمط السهل الممتنع، لأنَّه استطاع إشراك مفردات واقعية وأخرى جوَّانية في ذات النص، وهذا يُحسب له من جانب القدرة على التحكم بمغاليق النص ومكوناته، نجد ذلك في أكثر من نص، نص “لا بد من مرآة” التي استطاع فيها إحداث فرق واضح في التميُّز: “لا تصدِّق أبدا/ ما تحدثه القبلة/ لا تحدثه القنبلة”.

الرصاصة والنسيان

في قصيدة “ريح مالحة” نموذجا، بدا العنوان مثيرا بالرغم من التباين بينه وبين المضمون، يبدأ القصيدة بكلمة النسيان: “النسيان شجيرة لا تنمو/ إلا في الظلّ/ النسيان طائر أصفر/ لا جناح له”.

ثم تتوالى الكلمات المفتاحية للعبارات “الرصاصة- الريح” حتى يصل إلى المقطع الأخير والذي يبدأه بكلمة الريح: “ريح هبَّت/ ريح قوية/ ريح متأخرة/ ريح مالحة”.

القصيدة هي ذاتها التي تقود الشاعر

ربّما لو أنَّه عنون القصيدة بإحدى كلمتي “الرصاصة والنسيان” لما كان للقصيدة ما كان لها بعنونتها “ريح مالحة” والتي أحدثت إثارة دافعة لدى المتلقِّي، على أنَّ كلمتي “نسيان والرصاصة” تمَّ استهلاكها شعرا ونثرا.

ولكنه في نصوص أخرى استطاع القبض على العنوان، مثال ذلك نص “حياتي في قفَّة” التي أحدثت نوعا من الترغيب في قراءتها، كما أنَّ العنوان دلَّ تماما على المضمون المترابط المعنى.

لنصل أخيرا إلى نص “كسماء أخيرة”، عنوان الديوان والذي يخاطب فيه “الطائر- الحطَّاب- أناه العليا- الآخر”، ثمَّ ينهي القصيدة بصيغة الطَّلب، في هذا النص يحاول إيجاد رابط فلسفي ضمن إيقاع شعري بين كائنات الحياة من البشر، وقد وفِّق في ذلك أحسن توفيق، فالشاعر هنا يدفع بنا إلى التوغل في الجزئيات المنفصلة، لنعيد تركيبها في كلٍّ يُفضي بنا إلى تفهُّم الجزئية الأكبر في الحياة وفي نواميسها: “انظرْ كما ينظر العاشق/ وتحسّسْ أثر الندبة/ الوحيدة في قلبك/ من لم يحلم، كما لم يولد/ يحيا أبدا/ في عتمة قبر مجهول”.

ثم يأتي التساؤل عن ماهية اشتراك عدة قصائد بكلمة واحدة “الوردة صباحا- صباحا كهتاف- الطائر هذا الصباح” و”كمن يصطاد السماء- أغنية السماء الهائلة – كسماء أخيرة”.

ولكي نحلَّ هذا الإشكال في العناوين، علينا بالعودة إلى قراءة القصائد التي تقاطعت في كلمة في العنوان، لنجد أن القصائد تختلف في مضامينها، ولكن بالرغم من ذلك كان الأجدر بالشاعر اللجوء إلى التنويع في العناوين، لأنّ العنوان المثير يجذب القارئ، وما يُحسب للشاعر في ذلك، أنّه لم يهتم بالتنميق والبهرجة في العناوين على حساب المتن، ليبق لنا أن نقول: إنَّ الشاعر السوري عمادالدين موسى قد أغنى مكتبة الشعر بديوان شعري شفيف، حملته إلينا عناوين غير إشكالية، وغاية في الرطوبة التي تنعش الروح.

14