ما تطلبه السلطة من المفكر

الاثنين 2017/06/19

ما الذي تطلبه السلطة من المفكر؟ ما الذي تطلبه بالضبط؟ في مجتمعاتنا الإسلامية تطلب السلطة من المفكر ثلاث وظائف لا تدخل في الأصل ضمن وظائفه، وإنما هي ضمن وظائف الخبراء أحياناً أو الفقهاء أحياناً أخرى، فماذا تطلب منه بالذات؟ ثلاث مسائل:

أوّلاً، تطلب السلطة من المفكر أن يبرر قراراتها: طبعاً نتفهّم حاجة السلطة إلى موظفين أو متطوعين يمتلكون مواهب تؤهلهم لتبرير أي قرار كيفما كان، طالما أن معظم قرارات السلطة قد يصعب تبريرها، أو قد يصعب عرض مبرراتها الحقيقية أمام مسامع الناس، بصرف النظر عن نجاعتها. وإن كان تبرير القرار يندرج ضمن القدرات الذهنية للمفكر إلاّ أنه ليس ضمن وظائفه باعتباره الشخص الذي يُنتج الأفكار. وفعلاّ ثمة خبراء مشهورون متخصصون في تبرير القرارات كيفما كان نوعها، وبوسعهم أن يملؤوا شاشات التلفزة كلما تلقوا الدعوة لأجل ذلك الغرض. لكن علينا أن نضيف بأن العقل الفقهي أيضاً يمتلك القدرة على التبرير، وأحيانا يتفوق بفارق كبير في الدرجة طالما تندرج ثقافة التبرير ضمن مهاراته الأصلية. ولرّبما لهذا السبب تحتاج السلطات في معظم المجتمعات المستبدة إلى الحفاظ على احتياطي واسع من الشيوخ والسلفيين قصد استدعائهم والاستعانة بخدماتهم كلما ساءت الأحوال، أو في اللحظات الحرجة.

ثانياً، تطلب السلطة من المفكر أن يشرح بعض المفاهيم التي قد تثيرها بين الفينة والأخرى: بكل تأكيد لا تنتج السلطة المفاهيم، وليس من مهامها إنتاج المفاهيم، لكنها تتصرف في بعض الأحيان كما لو أنها تنتج بعض المفاهيم أو تعيد إنتاجها، ثم تتوقع من المفكر أن يشرحها للناس شرحا مستفيضاً. أما إذا كان المفهوم دينيا أو له قرابة مع الحقل الديني فهي تطلب التفسير والترويج من الفقهاء أيضا، فضلا عن الخبراء.

ثالثا، تطلب السلطة من المفكر أن يطمئنها: من طبيعة السلطة أنها تفضل خطاب الطمأنينة على خطاب الإزعاج، تفضل خطاب “كل شيء على ما يرام” على خطاب “دوام الحال من المحال”. لذلك، تركن معظم السلطات في العالم الإسلامي إلى قدرة بعض الخبراء والفقهاء على طمأنتها. لهذا السبب لسنا نسمع من الخطاب السائد حول معضلة الإرهاب مثلا سوى مسكنات ومهدئات توحي بأن “الوضع تحت السيطرة”. طبعا لسنا ننكر بأن جرعات قليلة من “وهم” الاستقرار وبلا إفراط، قد تكون عاملا إضافيا لاستقرار المؤسسات، طالما أن الشعور بالاستقرار يساعد على الاستقرار. لكن جرعات “الوهم” إذا فاقت المقدار المقبول قد تنقلب إلى خطر على الاستقرار، وقد تكون الجرعة الزائدة جرعة قاتلة. لكن ماذا تطلب السلطة من المفكر في الديمقراطيات الغربية الحديثة؟

تطلب السلطة من المفكر في المجتمعات الغربية شيئا محوريا: ترشيد النقاش العمومي. كيف؟ يحدث داخل المنعطفات الحادة، أو أثناء الصدمات الاجتماعية، أو في اللحظات العصيبة، أن يتم فتح النقاش العمومي لتداول الأفكار وتنمية روح المواطنة والحس النقدي، لأجل ذلك يتم استدعاء الفلاسفة والمفكرين بادئ الأمر قصد افتتاح النقاش العمومي على قنوات التلفزة، وعبر مختلف وسائل الإعلام الأساسية. ليس المنتظر من المفكرين أن يخبروا الناس بـ“الحقيقة الغائبة”، ذلك أن الحقيقة السياسية لا تكتشف ولا تعطى وإنما تُبنى بنحو تشاركي وتوافقي في إطار دينامية النقاش العمومي، لكن المقصود أن يتمكّن أكبر قدر من المواطنين من المتابعة والمشاهدة والاسترشاد بنقاش المفكرين، حتى يستلهموا الأسلوب العقلاني في تدبير الحوار المدني والنقاش العمومي، بمعزل عن كل الانفعالات السلبية والغرائز البدائية بمعنى، مقصود القول أن تقول السلطة للمواطنين: حاولوا أن تناقشوا كما يناقش المفكرون.

أما عندنا وفي غياب نقاش عمومي فإن السلطة تطلب من المفكر أن يكون خبيراً أو فقيهاً. ثمة سوء تفاهم جذري بين المفكر والسلطة: مجال اشتغال المفكر هو الأفكار، وترشيد النقاش العمومي والتثقيف الشعبي وإنتاج الأفكار. لكن مجال السلطة هو الانضباط. والانضباط معناه الحرص على عدم حدوث أيّ شيء. رجل السلطة عندنا قد يكون خريج أرقى المدارس الغربية، لكنه لا يزال يحمل ثقافة قدامية ومزاجاً تقليديا ولو في مستوى اللاوعي، يهمه ألا يحدث أي شيء، وهو لأجل ذلك يعول على التقنية والحواس. بلا شك قد ترى الحواس الوقائع لكنها لا ترى الأفكار. بل من سوء الحظ أن رجل السلطة عندنا ميال إلى تبخيس الأفكار، وهو بذلك يجهل أو يتجاهل بأن الحدث قبل أن يحدث فقد كان فكرة بادئ الأمر.

قد تدخل إلى المسجد لأداء صلاة الجمعة فترى رجل السلطة واقفاً في الصفوف الأمامية للصلاة، ينصت بإمعان إلى خطبة مفعمة بثقافة الكراهية وتكفير الأقليات ولعن النساء، مشفوعة بأدعية الويل والثبور، لكنه رغم ذلك يصر على استصغار أثر الأفكار على الواقع، بل لا يرى للأفكار أي أثر يُذكر، وهو بذلك لا يدرك بأن الأفكار قد تكون قنابل موقوتة تنفجر ولو بعد حين. وهذا بالذات ما يدركه المفكر أو بالأحرى تلك وظيفته.

السلطة في مجتمعاتنا تطلب من المفكر ما لا يُطلب منه، تطلب منه ألا يفكر. وهذا محال في كل الأحوال.

كاتب مغربي

9