ما تنتظره المملكة من المحمدين

الثلاثاء 2015/05/05

في موازاة هذه القناعة الشعبية السعودية الكبيرة بشخصيتي وليي العهد الجديدين، تقع أعباء كبيرة على كاهلهما في المرحلة القادمة.
لأول مرة، حسب علمي، يُجمع السعوديون بكافة أطيافهم على تأييد قرارات مصيرية من المنتظر أن تؤثر تأثيرا بالغا في استقرار بلدهم، وتأمين مستقبله السياسي. ولأول مرة، أيضا، ألمحُ هذا الاستبشار في وجوه السعوديين أثناء تناولهم، بالحديث والنقاش الهادئ على غير العادة، تعيين سمو الأمير محمد بن نايف وليا للعهد، وسمو الأمير محمد بن سلمان وليا لـولي العهد، باعتبار أن هذا القرار حسم كل الجدل الدائر قبله، وقطع الطريق على كل مشكك بقدرة بيت الحكم السعودي على الخروج من أزمة الأجيال وتسليم الجيل الثالث، أحفاد المؤسس الملك عبدالعزيز، راية الحكم وقيادة البلد.

ليس خافيا على أحد، داخل المملكة وخارجها، أن من بين ما أقلق السعوديين على بلدهم في العقد الأخير هو سلاسة انتقال الحكم إلى جيل الأحفاد، خاصة أنهم، على المستوى الداخلي، لم تجر مخاطبتهم علنا بما يمكن أن يطمئنهم تجاه هذا الهاجس الوطني. وتُركوا يستقون الأخبار والتحليلات من مصادر أجنبية كانت كريمة جدا في توقعاتها، إلى درجة أن بعضها، في الغالب تحليلات غربية، اعتبر أن الاضطراب الداخلي السعودي حاصل لا محالة جراء الأوقـات العصيبة المتوقعة للنزاع على الحكم.

ما فعله الملك سلمان إذن بتعيين المُحمّديْن في المنصبين المهمين والمصيريين، وتصويت غالبية أعضاء هيئة البيعة في المملكة لتأييد قراره، لم يلغ فقط التكهنات حول نزاع محتمل بين أهل بيت الحكم، بل أراح السعوديين بشكل عام، من منطلق اعتقادهم الجازم بأن ليس هناك تهديدا أكثر خطورة وضراوة من أن يختلف البيت الحاكم على من يقود الدفة وسط هذه الظروف الإقليمية المضطربة، والمهددات التي أصبحت على مرمى حجر من حدود المملكة في الشمال والجنوب.

على صعيد آخر فإن جزءا كبيرا من الترحيب الواضح بهذا القرار الملكي الكبير يعود إلى قناعة شعبية سعودية بشخصية الأميريْن الوليين للعهد.

الأمير محمد بن نايف يرى فيه السعوديون المحارب الشرس الذي جنّبهم شرور الإرهاب بعد تقويضه لعدد من مخططات الجماعات الإرهابية في عمليات استباقية ناجحة جدا، كان آخرها إعلان وزارة الداخلية السعودية، الأسبوع الماضي، عن إحباط عملية انتحارية كانت ستستهدف السفارة الأميركية في الرياض، وإلقاء القبض على 93 متهما بالانتساب إلى خلايا داعش في المملكة.

أما الأمير محمد بن سلمان فقد أوجد لدى الناس قناعة قوية به وبقـدرته القيادية كـوزير للدفاع أثناء حملة “عاصفة الحزم” العسكرية التي أشرف من مركز العمليات على ضربتها الأولى ضد الحوثيين، وأدار اتصالاتها على المستوى السياسي والعسكري مع أعضاء التحالف وباقي دول العالم. إضافة إلى ما عرف به من نجاح في القدرة الشخصية على العمل المتواصل والحسم والتعامل البسيط مع قضايا تخص المواطنين الذين يلجؤون له في تظلماتهم وطلباتهم.

في موازاة هذه القناعة الشعبية السعودية الكبيرة بشخصيتي وليي العهد الجديدين، تقع أعباء كبيرة على كاهلهما في المرحلة القادمة. وتتوزع هذه الأعباء ما بين أعباء سياسية واقتصادية واجتماعية، لا سيما أن المملكة بعد “عاصفة الحزم” أصبحت داخل التأثير المباشر والمعادلة الإقليمية، ضمن توازنات فرضتها العاصفة ونتائجها على المستويين الداخلي والخارجي.

الأمر يتطلب، استجابة لهذا المتغير الإستراتيجي، سياسة خارجية قوية يديرها وزير الخارجية الجديد، عادل الجبير، بعد أن غادر عرّاب الخارجية السعودية الكبير الأمير سعود الفيصل موقعه، واحتفظ بالإشراف على هذه السياسة.

منذ الآن على ما أتصور، ستبدأ السياسة الخارجية السعودية بمعالجة ملفات أغلبها ليس تقليديا. هذه الملفات تتوافق، من ناحية، مع نوع الحضور السعودي المؤثر في الإقليم بعد حملة عاصفة الحزم، وتعيد النظر، من ناحية أخرى، في علاقات المملكة الخارجية مع عدد من الدول بناء على مدى قربها أو بعدها من نهج المملكة الجديد في أخذ زمام المبادرة الوطنية والعربية بيدها متى استدعت الظروف الإقليمية ذلك، لا سيما فيما يختص في وقتنا الحاضر بمقاومة تمدد النفوذ الإيراني وتكسير أذرع إيران في المنطقة.

وهذا سيفرض، من بين شروط نجاحه، بناء سياسات وأنظمة داخلية تتخلص من الكثير من الممارسات التقليدية الموروثة، وتوسيع دائرة المشاركة الشعبية في القرار السياسي وغيره من القرارات من خلال اعتماد نظام الانتخاب لأعضاء مجلس الشورى، بعد أن ثبت بالأدلة القاطعة، خلال أربع وعشرين سنة، أن مجلس الشورى المعيّن ليس سوى جهة حكومية أخرى استشارية، مثلها مثل عدد من الجهات التي وجدت قبل وبعد إنشاء المجلس، وليس لها وظيفة سوى إبداء الرأي وتقديم المقترحات.

على الصعيد الاقتصادي أمام المملكة والأميريْن استحقاقات كبيرة تصب في اتجاهين رئيسيين، أولهما إعطاء الاعتبار لآليات السوق وفق مقاييس علمية دقيقة، وإطلاق مرحلة البنى الاقتصادية الصناعية المستدامة التي تحقق عوائد مجزية وثابتة من الإنفاق. وهذا يعني أن المرحلة السعودية الشابة الجديدة يُنتظر أن تخلّص المملكة من الاقتصاد الريعي المعتمد على استخراج النفط وتصديره واستثمار عوائده في التنمية. وربما نكون، وفق هذا المنظور المتفائل، بصدد التفكير في بناء قاعدة صناعات تحويلية في المملكة تماثل، في حجمها ومنافستها على الصعيد الدولي، قاعدة الصناعات الأساسية التي أنشئت في مدينتي الجبيل وينبع في الثمانينات الميلادية.

البطالة، أيضا، ملف كبير لا بد وأنه سيكون على طاولة المرحلة الجديدة لتمكين الآلاف من الشباب والشابات من الحصول على وظائف، بعد أن طال الانتظار بالكثيرين منهم وأغلبهم من خرّيجي وخرّيجات الجامعات الذين يستكثرون بقاءهم عاطلين عن العمل في بلد يستضيف أكثر من عشرة ملايين وافد لمقابلة احتياجات البناء والتنمية في كل المجالات.

على المستوى الاجتماعي يترقب السعوديون عددا من الخطوات الإيجابية التي تمتّن لحمة المجتمع وترسّخ لمبدأ دولة المواطنة. وقد تردد في اليومين الأخيرين أن هناك قانونا سيصدر لتجريم الطائفية وتجريم كل ما من شأنه تهديد التماسك الوطني، خاصة أن هناك من يتقصّد الفتنة ليقوّض السلم الاجتماعي الذي تنعم به المملكة والذي ثبتت قوته باجتماع كل السعوديين خلف قيادتهم أثناء حملة عاصفة الحزم، الأمر الذي ثمّنته القيادة نفسها على لسان خادم الحرمين الشريفين، الملك سلمان بن عبدالعزيز.

كاتب سعودي

8