ما جدوى المال: أقدم سؤال طرحته البشرية منذ اكتشاف الملكية

"الأغنياء الذين يعتقدون أن الفقراء سعداء، ليسوا أكثر غباء من الفقراء الذين يعتقدون أن الأغنياء سعداء"، لا تحتاج هذه الملاحظة إلى مقولات مأثورة حتى تثبت دقتها، ولا تكلّف نفسها عناء البحث المطوّل في الحكم والأمثال الشعبية التي يعجّ بها موضوع “الفقر والغنى” في كل الثقافات منذ ظهور الملكيّة الخاصة وما فعلته من فرز طبقي، أنتج بدوره منظومات فكرية وعقائدية وسياسية متشعبة.
الثلاثاء 2016/12/13
المال والسعادة والصحة أضداد لا تجتمع إلاّ في قصص الشعوب وأساطير الفقراء

الغني والفقير يحاولان أن يجدا أرضية أخلاقية يلتقي فيها الاثنان، ويمكن لهما من خلالها أن يتحاورا ويتقاربا، لكن الرؤية وزاوية النظر والمصلحة المشتركة لكلا الطرفين ليست واحدة، فما يعتبره الفقير واجبا على الغني يحسبه الغني حقا شرعيا مكتسبا لا دخل للفقير فيه، ومن هنا نشأت النزاعات والضغائن، وتعمقت الهوة بين الفقير والغني، وصار الطرفان يشتركان في شيء اسمه القسوة التي عبّر عنها أحد الكتّاب بتساؤله: لماذا كان قياصرة روما وعامة الشعب يحبون رؤية العبيد وهم يقطعون بعضهم بعضا؟ لماذا لم يمنح الفقر الفقراء بعض الرحمة؟، علي قدر علمي فإن مزاج الأباطرة يختلف تماما عن مزاج العامة، فلماذا اتفق المزاجان على شيء واحد، وهو القسوة؟

في كتابه “طبائع الاستبداد” قال عبدالرحمن الكواكبي “الاستبداد لو كان رجلا وأراد أن يحتسب وينتسب لقال: أنا الشرُّ، وأبي الظلم، وأمّي الإساءة، وأخي الغدر، وأختي المسْكَنة، وعمي الضُّرّ، وخالي الذُّلّ، وابني الفقر، وبنتي البطالة، وعشيرتي الجهالة، ووطني الخراب، أما ديني وشرفي فالمال المال المال”.

المال الذي قال عنه فيليكس مارتن في كتابه “المال” “إنه كالماء بالنسبة إلى الأسماك، إنه أساسي في حياتنا إلى درجة أن فهمه يحتاج إلى جهد كبير”، ويعتقد مارتن أن المفهوم الخاطئ عن طبيعة المال – وهو المفهوم الذي يَعتبِر المال مجرد سلعة تستخدم لتنفيذ التعاملات ويمكن معاملتها بالتالي مثل أي سلعة أخرى في السوق – يقع في قلب إهمال صناع السياسة وأسلوبهم الرديء في التعامل مع الأزمات المالية.

المال ليس مجرّد وسيلة لتعويض المقايضة بالنقود كما يعتقد الأغرار في علوم الاقتصاد، والتي كانت قائمة على ما يسد الرمق في المعيشة، وهي التي نجدها في ملحمتي هوميروس “الإلياذة والأوديسة” وتقوم التعاملات من خلال غنائم الحرب وتبادل الهدايا، أو المشاركة في طعام القرابين.

طرق تجميل الفقر الذي يراه أصحابه انعتاقا من كل ملكية وتفاعلا مع قيم الحرية وانتصارا للبؤساء، نجدها في مقطع لنص كتبه شاعر معاصر على لسان الفقراء

وتحدثت مصادر عن جزيرة “ياب” في المحيط الهادي، والتي تتألف عملتها من ”الفاي”، وهي عجلات حجرية ضخمة يصل قطر الواحدة منها إلى 12 قدما. هذه الأحجار لا تتحرك أبدا من أجل تسهيل التعاملات، وهي في هذا تشبه كثيرا الحسابات المصرفية الإلكترونية الحديثة، وإنما تعتبر تمثيلا رمزيا للقيمة، ويمكن أن يتغير مالكها دون أن يجري تبادلها بين الناس، حتى أن رواية تقول إن إحدى الأحجار ضاعت في البحر دون أن يهدد ذلك ـ ولو للحظة ـ ثروة المالك.

نفهم مما تقدّم أن الحديث عن تاريخ المال يشبه الحديث عن “بداية تاريخ البشرية”، لكن الاختلاف في تقييم المال ظل مستمرا ولن ينتهي هذا الموضوع الذي أخذ أبعادا درامية رسمت التاريخ الفني والحضاري للبشرية.

الغايات التي تجعلنا نعيد طرح هذا السؤال القديم المتجدد، هي كثيرة في العالم العربي على وجه الخصوص، ولعل أهمها ما تمثله هذه المنطقة الجغرافية من أهمية وأسبقية وحساسية في ما يخص موضوع المال وتشابكاته في الشؤون الاقتصادية والاجتماعية والسياسية والفقهية والتشريعية، بالإضافة إلى أن العرب يمتلكون أكثر الثقافات التباسا وإشكالية مع المال، ثم إن المنطقة لم تعرف حسما واضحا من ناحية علاقتها مع مسألة الغنى والفقر، إذ لم تشهد نظما رأسمالية بالمفهوم الغربي، ولا نظما اشتراكية وفق النماذج التي سادت في أوروبا الشرقية، وظلت مشدودة إلى منظومات أخلاقية تستمد مرجعيتها وشرعيتها الاجتماعية من الدين.

لأجل ما تقدم من أسباب، ارتأينا أن نعيد السؤال المتجدد، السؤال ذو الإجابات المتغيرة، على فقراء قد يتغيرون، وأغنياء قد يتغيرون بدورهم أيضا.

المال يجلب التعاسة.. وربما أخطر من ذلك

هذه مقتطفات من بحث تضمنته ورشة عمل كنّا قد أقمناها لأطفال وفتيان ما بين 10 و16 سنة منذ بضعة أعوام في العاصمة السورية دمشق، وحملت عنوان “الإبداع لا يفرّق بين غني وفقير”، وتبيّن من خلال عينة تميزت بالتفوق من خلال هذه الورشة أنّ “الفقر والحرمان يمكن لهما أن يكونا مدرستين للجندي الجيد”، كما قال نابليون بونابرت.

كتب ابن أحد متعاطي المخدّرات في ورقته قائلا “أكره المال لأنه ارتبط بتلك ‘السعادة’ التي كان يسببها لأبي، فهو يظل طيلة الوقت شاردا لا يحدثنا في البيت، لمحته يبتسم أحيانا ولكن مع نفسه، وذلك كلما تعاطى من تلك المادة التي تسميها أمي بـ’السم الهاري’، النقود لا تصنع السعادة لأنّ أبي يمنعها عنّا ليبيحها لنفسه، ولأجل سعادته الخاصة التي تجعله يبتسم للهواء ويعبس في وجوهنا”.

وكتب ابن مطرب الملاهي الليليّة الفقرة التالية “المال يصنع السعادة لوالدي, ذلك أنّي رأيته يبتسم لجمهور الحاضرين ويحييهم كلّما انهالت عليه النقود في المربع الليلي, ثمّ يأتي إلى البيت فجرا فيعبس في وجوهنا ووجه أمي، وينام حتى فترة الغروب.. هل أسأل موجّه المدرسة عن هذا السلوك الغريب يا أستاذ؟”.

طريق الفقراء شائكة لكنها جميلة ومبهجة

وكتب فتى آخر أبوه يعمل محاسبا في شركة خاصة “كان أبي يكره النقود لأنّ أصابعه صارت تتحسّس من لمسها قبل اختراع العدّادات الإلكترونية.. ويقول لنا في البيت إنّ سعادته تكمن في التخلّص من عدّ النقود لغيره وعدها لينفقها على أسرته فقط، لذلك أقدم على اختلاس مبلغ، فانكشف أمره ومكث فترة في السجن وهو الآن يعمل حارسا في بناية”.

رجل أعمال خليجي، طلب عدم ذكر اسمه، كتب في مدونته رأيا يبدو غريبا ومثيرا للجدل، لكن فيه منطقا يمكن الاستئناس إليه، رغم أنّ بعضهم رأى فيه “مدحا لفضيلة الفقر”، ويقول ض.س “أحياناً تكون للفقر فوائد جمة لأنه يؤدي إلى ضعف القوة الشرائية عند أفراد المجتمع ومنهم الشباب من الجنسين فيكون في ذلك حماية لهم من آفات المخدرات وفي مقدمتها الهيروين اللعين الذي لا شفاء منه في معظم الأحيان”، ويضيف مدافعا عن وجهة نظره في “تمجيد الفقر”، التهمة التي وجهها له أحد القراء “ولأن عصابات التهريب والتوزيع لا تستهدف سوى المجتمع الذي توجد به قوة شرائية تطمع تلك العصابات في أن يكون لها نصيب منها ولذلك تجدها حريصة على غزو أي مجتمع تكون لدى شبابه قوة شرائية، بينما ينصرف أفراد العصابة عن المجتمع الذي يكون الفقراء يمثلون الغالبية فيه لأنهم يرون أنه لا فائدة من مخاطرتهم ودفعهم لمبالغ طائلة لجلب المخدرات إن لم تكن هناك قوة شرائية يستطيع بها الضحايا شراء تلك الآفات والوقوع تحت تأثيرها والشعور بعدم الاستغناء عن الجرعات تلو الجرعات”.

سعيد (54 سنة من تونس) يرى أن الفقر ابتلاء من الله، فإذا صبر الفقير واحتسب كان الفقر له نعمة عظيمة من الله. فمن فوائد الفقر، في نظر سعيد، “أن الفقير أقل حسابا يوم القيامة من الغني، ولهذا فإن الفقراء يدخلون الجنة قبل الأغنياء”، سألنا سعيد إن كان يحفظ آية قرآنية أو حديثا صحيحا حول هذا فتردد ثم قال إنه متأكد من أن كل الفقراء سيدخلون الجنة لأنهم “يتحملون ظلم الأغنياء”.

الغريب أن الكثير من العرب الميسورين يمتدحون الفقر عند غيرهم ولا يحبونه لأنفسهم، مثل خ.س الذي يقول إن الفقير ينعَمُ بصحّة جيدة لن تُنغّصها أمراض الميسورين.

ثم يضيف وقد خلط المزح بالجد أن الأغنياءُ يعانون من الحسد واللصوصية والاحتيال، بينما لا يحتاج الفقير إلى إحكام قفل باب داره، كما أن الفقيرُ يعيشُ ليومه فلا مستقبلَ يقضّ مضجعه.

طرق تجميل الفقر الذي يراه أصحابه انعتاقا من كل ملكية وتفاعلا مع قيم الحرية وانتصارا للبؤساء، نجدها في مقطع لنص كتبه شاعر معاصر على لسان الفقراء “نحن الذين لا تطرق أبوابهم إلاّ الفواتير والدائنون، نحن الذين لا تقبّلهم إلاّ أمواس الحلاقة في الصباح، نحن الذين تبرأت منهم حكوماتهم عند اللزوم وخواصرهم عند الرقص، نحن الذين قلنا للزمن: كن.. فلم يكن”.

تجمع ثقافات كثيرة عبر التاريخ البشري، على أنّ المال والحكمة والسعادة والصحة، أضداد لا يمكن لها أن تتلاقى، ولا تجتمع إلاّ في قصص الشعوب وأساطير الفقراء، لذلك نجد أن من يعوزه المال كانت تنقذه الحكمة والنباهة والمروءة، وكذلك الجمال والطيبة في القصص الموجهة للفتيات. وقد اكتفى فقراء كثيرون في العالم العربي بتجميل صورتهم، قانعين بوضعهم حينا، وحاقدين على الميسورين حينا آخر، ومطالبين حكوماتهم أحيانا أخرى دون أن يتسلحوا بطاقة إيجابية تنقذهم من أوضاعهم.

المال قد لا يحقق السعادة المرجوة، ولا المطلقة بالتأكيد، لكنه يخفف حتما من الحزن، ويواسي من متاعب الحياة، ويجعل صروف الدهر ونوائبه أقل قسوة

المال يصنع السعادة.. وربما أجمل من ذلك

سقط الرجل الغني في حفرة عميقة مليئة بالماء الآسن, فهب الجائع إليه وأنقذه بأن مد يده القوية وانتشله, وعندما خرج الرجل الغني من الحفرة قال للجائع بصوت شاكر “شايف فوائد الخبز, يقوي الحيل”، فأجابه الرجل الجائع “شايف فوائد الفقر, يقوي المروءة والأخلاق”.

ذكر عبدالله (رجل أعمال) هذه الطرفة، وذيلها بشيء من التهكّم بشطر بيت مفاده أن “للفقر ملذات لا يعلمها الأغنياء”، وهكذا يصبح مدح الفقر نوعا من المواساة يرددها الأثرياء على مسامع الفقراء وهم يربتون على أكتافهم، لكنّ المؤكد أنّ الذي يعيش أزمة عاطفية، يتأمل المطر وهو يركب سيارة فخمة، ويتماهى مع موسيقى تبعث شجنا رومانسيا، ليس كذاك الذي يعيش نفس الحالة وهو يمتطي وسيلة نقل شعبي أو يسير مترجلا تحت المطر وبين الحفر، بل إنه لا يتسنى له ـ أصلا ـ أن يعيش “نعمة أشواك الحب”، فهو محروم، من هذا “الوخز العاطفي” الممتع، والذي يعيشه العشاق الرومانسيون في منازلهم المرفهة بين الخدم وبرفقة كاتمي أسرارهم من “محترفي الصداقة”.

قد لا يحقق المال السعادة المرجوّة، ولا المطلقة بالتأكيد، لكنه يخفف ويواسي من تعب الحياة، ويجعل صروف الدهر ونوائبه أقل قسوة.

السعادة لا تشترى بالمال، هذا صحيح، ولكن الصحيح أيضا أن المال قادر على شراء “حزن أقل”، إذ توصلت دراسة حديثة أجريت في جامعة بريتيش كولومبيا الكندية إلى أن الدخل المالي المرتفع لا يرتبط بازدياد مقدار السعادة التي يشعر بها الشخص، ولكنه يرتبط بشعوره بحزن أقل.

وفحص الباحثون بيانات 12 ألفا تم تسجيل معلومات دخولهم وما قالوا إنهم يشعرون به، ولاحظوا أن الذين كانت مداخيلهم أعلى لم يشعروا بزيادة في السعادة اليومية، ولكنهم سجلوا مقدارا أقل من الحزن يوميا. ونشرت نتائج الدراسة في مجلة علم النفس الاجتماعي وعلم الشخصية.

وخلص الباحثون في الجامعة الكندية المذكورة، إلى أن المال قد يكون أداة فعالة أكثر للحد من الحزن بشكل أفضل من الحصول على السعادة وتعزيزها.

وأحد الأسباب التي اقترحت لتفسير ذلك، هو أن المال يساعدك على التعامل مع الظروف السلبية والفجائع التي قد تصيب الإنسان على حين مفاجئ، وهي الفجائع التي لا تفرّق بين فقير وغني، لكنها تجعل الأخير أكثر قدرة على تحملها والانتصار عليها، فكم من فقير عصفت به أحداث وفجائع استطاع الغني التصدي لها، وقس على ذلك عند الأفراد كما عند الدول، ولعل خير دليل هو ما نشهده ونشاهده من كوارث طبيعية استطاعت الدول الغنية تذليلها بينما عجزت الدول الفقيرة عن التعامل والتكيف معها.

السماء قد تمطر سعادة في حالة وجود المال

الأمراض والأوبئة والكوارث، ليست “عنصرية”، تفتك بالفقير من الأفراد والدول، وتتجنب الغني، لكن من يملك المال، يملك القدرة على الصمود والتصدي لجميع المحن، بل ويمتلك المناعة الكافية كي ينأى بنفسه عن هذه الكوارث.

لا يمكن تخيل حياة متوازنة آمنة ومستقرة دون وجود عنصر مهم ألا وهو المال. بالمال نستطيع تغذية جميع جوانب حياتنا؛ الجانب الصحي والجسدي والجانب الفكري والعقلي وحتى الجانب الروحي والعاطفي.

ولا ننسى أن غذاء العاطفة هو الحب الذي غالبا ما يصطدم بجدار الفقر، والسعادة الحقيقية تكمن في الإنفاق على من تحب، وإذا دخل الفقر من الشباك خرج الحب من الباب.

وللمال أهمية كبيرة في حياة الإنسان؛ فلا تستقيم حياته دونه، فكل العقائد والديانات دعت إلى كسب المال مع تحديد وشرعنة وسائل الحصول عليه، وكيفية إنفاقه.

وفي هذا الصدد، يقول مختار هرابي إمام أحد مساجد مدينة تونس، “مع أن الإسلام يحث على أن يُبقي الإنسان من المال ما يكفي حاجته وأهله، فهو في الوقت نفسه، يحث على إنفاق ماله جميعه عندما تنزل بالمسلمين النوازل والخطوب أو تصيب بلادهم سنوات الجدب وانحباس المطر، أو تتعرض ديارهم إلى الغزو والاحتلال، أو غير ذلك من أمور الشدة والنوازل”.

طغيان المال ربما ضرب سياج الأخلاق، ولكن في المقابل فإن غياب المال والفقر، من الممكن أن يصنعا نفس السوء والإسقاط لقوام الأخلاق، وهذا يؤكد أن علاقة الطلب اللاواعي أو الرفض المطلق بين الإنسان والمال تمثل مخاطرة بالكثير من الأخلاق والقيم، ولو دخلت عالم الإحصاء لوجدت التمرد الأخلاقي، وحتى الجريمة بفلسفتها توجد بمعدلات مرتفعة في دوائر الفقر الغائرة.

12