ما جدوى قائمة الأزهر لضبط الفتوى في ظل استمرار خطابه القديم

الكثرة والتضارب والشذوذ، نعوت تنطبق على فوضى الفتاوى في مصر، مما جعلها تحدث إرباكات اجتماعية وفقهية وخلافات بين المؤسسات الدينية، وتفتح الأبواب مشرعة للتطرف. ومن هنا جاءت الحاجة ملحة إلى تنظيمها وضبط قوائم في الأسماء المسموح لها بالفتوى على المنابر الإعلامية، لكن هذا الأمر تسبب في خلافات جوهرية بين مؤسسات دينية وبين الأزهر الذي لم يطور من استراتيجية خطابه واكتفى ببعض الشكليات.
الأربعاء 2017/11/22
خطاب الأزهر يحتاج إلى ترميم

القاهرة- ظلت مسألة فوضى الفتاوى عملية مستعصية على الحل من قبل المؤسسات الدينية في مصر، على الرغم من المحاولات العديدة التي خاضتها من أجل السيطرة عليها من خلال تدشين إدارات للدعوة الإلكترونية وتعدد مراصد الفتوى التابعة لها وبتدشين أكشاك للفتوى في بعض الأماكن العامة.

ولم تؤد جميع التحركات إلى وقف الفتاوى الشاذة التي تثير جدلا واسعا في الشارع المصري، وهو ما أرجعه البعض من المفكرين إلى كون الخطاب المستخدم في تلك الفتاوى لم يتم تحديثه بعد، كما أن شيوخ المؤسسات الدينية المعنيين بمسألة الفتوى لم يتم تأهيلهم بشكل سليم، في ظل غياب الأهداف الرئيسية.

وأصدر المجلس الأعلى لتنظيم الإعلام في مصر، بموافقة مؤسسة الأزهر ودار الإفتاء، قائمة بأسماء الأشخاص المصرح لهم بالظهور في برامج الفتوى الدينية في وسائل الإعلام، وضمت 50 اسما، والقائمة قابلة للزيادة.

الأزهر قيد أصحاب الآراء المعتدلة، والأسماء ذات الحضور الإعلامي، وما حدث يعبر عن حالات غلق المجال الدعوي وليس تنظيمه

جاء على رأس تلك الأسماء مفتي الديار المصرية شوقي علام ووكيل الأزهر عباس شومان، بالإضافة إلى مسؤولين سابقين عن الفتوى، مثل علي جمعة ونصر فريد واصل، بجانب عدد من أساتذة الأزهر من كليات الفقه والشريعة، وقيادات في دار الإفتاء.

الواضح أن القائمة خلت من أسماء لها آراء مخالفة لأسلوب الأزهر الرافض لتغيير التراث الفقهي القديم الذي أنتجه الأئمة الأربعة، وأغفلت الكثير من شيوخه الذين ينتشرون في الفضائيات بغرض الفتوى أو الدعوة، وهو ما أثار تساؤلات حول مدى ثقة الأزهر في تلك الأسماء التي تصدرت الخطاب الإعلامي الديني خلال السنوات الماضية.

كما أن تلك القائمة صدرت من دون توقيع وزارة الأوقاف التي تنامى دورها مؤخرا، ولديها إدارة خاصة بالفتوى، وهو ما أثار جدلا حول مدى التنسيق بين المؤسسات الدينية الرسمية وتأكيد وجود خلافات عميقة بينها في مسألة أحقية تجديد الخطاب الديني الذي أصبح متيبسا.

ويبدو أن ابتعاد الأوقاف دفع وزيرها محمد مختار جمعة إلى عقد لقاء مع مكرم محمد أحمد رئيس المجلس الأعلى للإعلام، في اليوم التالي لإعلان القائمة الأولى، وسلمه قائمتين استرشاديتين، ضمنيا 136 شخصا قال إنهم مرشحون للبرامج العامة والإفتاء.

وضمت قائمة الأوقاف غالبية الأسماء التي تشغل مناصب دينية عليا بالدولة المصرية ولم يتم الاستعانة بها في القائمة الأولى، وجاء على رأسها وزير الأوقاف، وأسامة الأزهري عضو المجلس الاستشاري التخصصي للرئيس المصري، وأحمد عمر هاشم رئيس جامعة الأزهر الأسبق، وأسامة العبد، رئيس اللجنة الدينية بالبرلمان، وعدد من أعضاء اللجنة الدينية في مجلس النواب، إلى جانب أساتذة وقيادات وأعضاء بهيئة كبار العلماء الذين أغفلتهم قائمة الأزهر.

قالت مصادر خاصة لـ”العرب” إن قائمتي وزارة الأوقاف جاءتا ردا على القائمة الأولى للأزهر، وتستهدفان تخفيف حدة الانتقادات التي صدرت من قبل الأزهر لعدم الاستعانة بهم، بعد أن ظهر وجود خلافات علنية متصاعدة داخل مؤسسة الأزهر ذاتها، وبين الأزهر ومؤسسات دينية أخرى على رأسها الأوقاف.

ولم يتوقف الأمر عند هذا الحد، فبعد اعتراض عدد كبير من الفضائيات القريبة من الحكومة المصرية لعدم اختيار شيوخها في القائمتين الأولى والثانية، اضطر عباس شومان وكيل الأزهر إلى التأكيد على أن الفترة المقبلة قد تشهد وجود قوائم أخرى لمفتين يوافقون على تقديم فتاوى عبر وسائل الإعلام، ويمكن للراغبين التواصل مع الأزهر للتنسيق في هذا الشأن.

ما يبرهن على ضبابية الرؤية بشأن ضبط الفتاوى، أن القرارات الأخيرة جاءت قبل أيام من مناقشة البرلمان المصري قانونا جديدا لتنظيم الفتوى، وقصرها على المتخصصين المؤهلين علميا ودينيا، ومنع غير الحاصلين على رخصة في الإفتاء من مؤسسة الأزهر أو دار الإفتاء من الحديث في الأمور الدينية أو الرد على استفسارات المواطنين حول المسائل الفقهية.

الأزهر يتجاهل تطور وسائل الاتصال

وأكد عبدالغني هندي، عضو المجلس الأعلى للشؤون الإسلامية، أن الأزهر قام بتقييد المطلق بدلا من أن يتعامل بشكل مباشر مع الفتاوى الشاذة، وتم ذلك من دون أن تكون هناك معايير واضحة لاختيار هذه الأسماء، ولن تنهي القرارات فتاوى السلفية التي تصدر من خلال المواقع الإلكترونية ويتم تداولها بشكل أكبر عبر وسائل الإعلام.

وأضاف في تصريحات لـ”العرب”، “إذا كان الهدف التعامل مع الفتاوى المتطرفة فإن الذي حدث أن الأزهر قيد أصحاب الآراء المعتدلة، وقيد أسماء لديها حضور إعلامي من الممكن أن يساعد الأزهر في توجهاته، وما حدث يعبر عن أحد حالات غلق المجال الدعوي وليس تنظيمه”.

واستبعدت القوائم التي تم إرسالها عددا من الأسماء الإعلامية، على رأسها مبروك عطية الأستاذ بجامعة الأزهر، وخالد الجندي عضو المجلس الأعلى للشؤون الإسلامية، وسعد الدين الهلالي أستاذ الفقه المقارن بجامعة الأزهر، وأحمد كريمة أستاذ الشريعة الإسلامية، وسعاد صالح أستاذة الفقه المقارن بجامعة الأزهر، ورمضان عبدالمعز أحد علماء الأزهر والذي يقدم برنامجا متخصصا في الفتوى.

وبحسب مكرم محمد أحمد فإن المجلس الأعلى للإعلام سوف يستعين بمرصد الإفتاء بالأزهر الشريف لمتابعة تنفيذ القرار، والمرصد الخاص بالمجلس لرصد أي فتوى شاذة، وسيقوم بإحالة الشيخ المخالف إلى مؤسسة الأزهر للتحقيق معه، بينما يحقق المجلس مع الوسيلة الإعلامية والمذيع.

وأوضح أن العقوبات بالنسبة للمنصات الإعلامية تتراوح بداية من “لفت انتباه” إلى استدعاء المخالفين للتحقيق، واتخاذ إجراءات منها وقف البث، أو إجبار الإعلامي على تقديم اعتذار مناسب ووقف بث البرنامج لمدة محددة، وصولا إلى إنذار القناة نفسها بالإغلاق.

وعلى مدار الشهرين الماضيين شهدت الساحة الإعلامية الدينية العديد من الفتاوى الشاذة، كان منها الإفتاء بإجازة مُمارسة الرجل الجنس مع زوجته المتوفاة، وصدرت من الشيخ صبري عبدالرؤو ف، أستاذ الفقه المقارن بجامعة الأزهر، وفتوى أخرى كانت بطلتها أستاذة الفقه المقارن بجامعة الأزهر سعاد صالح والتي أجازت للرجال مُعاشرة البهائم، وأفتت أيضا بأن استخدام المنشطات الجنسية أمر تُبيحه الشريعة الإسلامية.

ويرى شيوخ الأزهر المؤيدون للقرار أن تلك القوائم تساهم في ضبط الأداء الإعلامي الديني، والحد من الفتاوى الشاذة والمتطرفة، وغالبية تلك الفتاوى صدرت من قبل شيوخ بالأزهر، وهو ما أظهر الحاجة إلى تحديد الأسماء التي لها الحق في الفتوى.

ويشير هؤلاء إلى أن القوائم تضيق الخناق على شيوخ التيار السلفي الذين مازالت تستضيفهم بعض الفضائيات للحديث عن فتواهم التي تثير الجدل داخل المجتمع، وأن عددا كبيرا من الفضائيات تلهث وراءهم لجذب أكبر عدد من المشاهدين إلى تلك البرامج، وبالتالي فإن تلك القوائم تعد وسيلة لمنع فوضى الفتاوى.

ورأى عبدالجليل الشرنوبي، الباحث في شؤون الجماعات الإسلامية، أن الأزهر يتعامل مع تقديم فقه الواقع المعاصر والذي أسماه “تجديد الخطاب الديني”، من خلال اتخاذ إجراءات على مستوى الأدوات المستخدمة في ذلك التحديث من دون تحديد استراتيجيات عملها ورؤيتها، ما يؤدي إلى عدم تحقيق خطوات ملموسة.

وأضاف في تصريحات لـ”العرب” أن القضية ليست من يتصدر ولكن بماذا يتصدر، وما هي الرسالة التي يحملها في ظل اكتفاء الأزهر لعقود طويلة بقيامه بدور حارس التراث؟ في حين أنه لم يقم بإنتاج فقه يتناسب مع الواقع مثلما كان الوضع بالنسبة للأئمة الأربعة في عصورهم، ما يثير تساؤلات كثيرة حول كيفية تأهيل حامل هذا الخطاب في ظل الاعتقاد بالأفكار القديمة.

وذكر أن محاولة الأزهر الحالية تأتي في وقت يتسم فيه الإعلام بالفوضى، وأي محاولات لضبطه قد تكون تجاوزت الوقع في ظل ثورة الاتصالات الرقمية، والأمر لا يتعدى كونه محاولة للسيطرة على الوسيلة الإعلامية دون تحديد أهداف هذه السيطرة، لأن غالبية الفتاوى الشاذة صدرت من شيوخ أزهريين، ومن خلال قنوات قريبة من الحكومة.

13