ما حاجتنا إلى التفكير "بـ ومع" الفارابي اليوم

الباحث التونسي سعيد الجابلي يؤكد أن الفرابي ظلّ محتفظا بأصالته وترك نظاما فلسفيّا قائما بذاته رغم اقتباسه من الشريعة الإسلاميّة والفلاسفة الإغريق.
الثلاثاء 2019/12/03
المعلم الثاني

ضمن فضاء إبستيمي مداره الأساس تاريخ الفلسفة العربية والإسلامية خلال العصر الوسيط ممثلا في فكر الفيلسوف العربي الفارابي الذي يشكّل قامة من قامات الفلسفة عبر تاريخها قديما وحديثا وحتى معاصرا، يأتي هذا الكتاب “الفارابي متعدّدا: نحو فلسفة عربية مركبة” للباحث التونسي سعيد الجابلي، والذي يمثل في الأصل سلسلة من المقالات والدراسات قام المؤلف بنشرها على مراحل متعاقبة في مجلات تونسية وعربية محكمة.

يطرح الباحث مجموعة من التساؤلات الجوهرية: ماهي تجليات التعدّد وسياقاته فارابيّا؟ أنّى لهذا التعدّد الذي يسم المتن الفلسفي ما حاجتنا إلى التفكير “بـ ومع” الفارابي اليوم؟ أَتُعزى تلك العودة إلى النسق الفلسفي الفارابي إلى هوس معرفي خالص، أم فرضتها أزماتنا الأنطولوجيّة الرّاهنة فكرا وممارسة، والاستجابة لرغبتنا الجامحة في فعل التحرّر منها؟

ويسعى للإجابة عنها، مؤكدا أنه لا يدّعي فتحا مبينا في دراسة الفلسفة الفارابيّة، كما لا يأمن أيضا عثرات البداية وأن المدار الأساسي لعمله هو “تقصّي الطابع المركّب للفلسفة العربيّة من خلال الأنموذج الفارابي.

وتبيّن الباحث إثر ذلك الخاصيّة الموسوعيّة التي وسمت النسق الفلسفي لدى المعلم الثاني، ولاسيّما من جهة تعدّد الموضوعات والمباحث التي طرقها فيلسوفنا بالدّرس والتحليل، وما اتصل بها من ترابط منطقي لافت يستحيل معه الفصل بين مسألة وأخرى”.

على الفيلسوف ألا يكون سجين الكهف المعرفي للأوائل الذين تفلسفوا، بل عليه أن يؤدي المهمة المنوطة بعهدته ويعمل على تأصيل المدينة الفاضلة، وذلك بإصلاح نفسه أولا ثم إصلاح غيره 

يرى الجابلي أن الفارابي أخلص إلى أساطين الفلسفة والحكمة اليونانية مثل أفلاطون وأرسطو، والأفلاطونيّة المحدثة، وآثر تعظيمهم في الفلسفة والسياسة على الخصوص، لكنه لم يقلدهم تقليدا أعمى؛ بل جعل إيثار الحق  أحقّ وأولى من إيثار الأوائل.

وفي هذا مصداق لقوله إنّ الفيلسوف الكامل هو “الذي حصلت له الفضائل النظريّة أوّلا، ثمّ العمليّة ببصيرة يقينيّة”؛ لأنّ القصد إلى الأعمال يكون بالعلم، ولأنّ إتمام العلم يكون بالعمل؛ لذا، يتعيّن على الفيلسوف ألّا يكون سجين الكهف المعرفي للأوائل الذين تفلسفوا، بل عليه أن يؤدّي المهمّة المنوطة بعهدته ويعمل على تأصيل المدينة الفاضلة، وذلك بإصلاح نفسه أوّلا، ثمّ إصلاح غيره ممّن في منزله أو مدينته أو أمّته.

ويضيف أنّ النظر في مفاعيل فلسفة الفارابي من هذه الزاوية التاريخيّة، وإن كان يُجلي مكانته الأساسيّة بين فلاسفة الإسلام، فمن شأنه، إذا ما تمّ الاقتصار عليه، أن يوقع في ضرب من الاختزال، وأن يمنع من التنبّه إلى طرافة الأسئلة التي طرحها المعلم الثاني في اتصالها العضوي بأبعاد النّظر الفلسفي في الإنسان.

ناهيك أنّ الفلسفة الفارابيّة، في مقاصدها الكبرى، هي فلسفة “إنسيّة؛ أي نسق يجعل الإنسان محور التّفكير، ويسخّر الأشياء لسعادة الإنسان”، وهي بذلك “إنسيّة أخلاقيّة”، الأمر الذي أكسب فلسفته صفة الراهنيّة، التي هي خاصيّة كلّ فلسفة حيّة ما انفكّت في فعل التجدّد عبر حوار الأجيال، واستحال الفارابي إثرها فيلسوفا ذا راهنيّة مثيرة في كلّ مرّة.

الفلسفة الفارابيّة هي فلسفة "إنسيّة"
الفلسفة الفارابيّة هي فلسفة "إنسيّة"

ويشير الجابلي إلى أنّ قراءة آثار الفارابي محفوفة بكثير من المزالق، والطريق إلى مقاصده تستلزم اعتماد التأنّي، وتجنّب  التسرّع في الحكم؛ إذ أن ما يسترعي انتباه الباحث، هو معالجة الفارابي للموضوع الواحد في عدّة مواضع مختلفة، ممّا يوحي للوهلة الأولى بالتشتّت.

غير أنّ المتفحّص يُلفي أنّ الفكرة لدى الفارابي لا تعطى دفعة واحدة، ولا تتجلّى كاملة، إلا بعد رصدها في سياقات عدّة. فهناك مسائل مُحكمات هنّ أمّ نسقه الفلسفي برمّته، وأخرى متشابهات بين مؤلفاته، وهو لأمر أملته الضرورة المنهجيّة، أو طبيعة التدرّج الإشكالي في مستوى التعاطي مع القضايا المثارة، لا يخاطب من خلالها الفارابي جمهور القرّاء والباحثين إلا رمزا.

ويشير الجابلي إلى أنّ الفلسفة مع الفارابي مثلت عصرها خير تمثيل، فحملت همومه، وطرحت أهمّ إشكالياته، وعبّرت بصدق وتماسك نادرين عن مشاغل أهله. ولأمر كهذا، استحالت الفلسفة إلى الملاذ الذي استجمع من خلاله المعلم الثاني كلّ قواه وخبراته، تأصيلا لنظامه الفلسفي برمته وتشييدا لنسقه الفلسفي، الذي يستقي منابعه الأساسيّة من روافد عدّة: عربيّة إسلاميّة وإغريقيّة.

وعلى الرغم من اقتباسه جانبا من أفكاره عن الشريعة الإسلاميّة من ناحية وعن الفلاسفة الإغريق من ناحية أخرى، ظلّ محتفظا بأصالته، وترك نظاما فلسفيّا قائما بذاته.

وبقي هذا النّظام، باستثناء بعض التعديلات الفرعيّة والشكلانيّة، النظام الذي سيهتدي بهديه رهط من المتفلسفة العرب من بعده في المشرق والمغرب.

كان الفارابي من المدافعين القلائل عن الفلسفة في عصر موسوم باستشراء الخلافات والصّراعات العرقيّة والأيديولوجيّة، دفاعا مأثورا ومشهودا له بنقاوته وصفاء عبارته ودقة براهينه وتجنّب المناهج الدفاعيّة واللاعقلانيّة التي وسمت التيارات الفكريّة في عصره.

 وقد سرّعت هذه التيارات بالانقسامات، وأجّجت نار الخلافات بين الفرق والطوائف؛ تلك الخلافات التي مثلت، في حقيقة الأمر، باكورة التفلسف وإرهاصاته الأولى، على نحو ما عبّر عنه الفارابي ذاته، في تعريفه للصنائع وتمييزها بعضها عن بعض، حيث تكون البداية بالطرق الخطبيّة، وتتطوّر صعودا في بناء الفكر إلى الطرق البرهانيّة اليقينيّة للفلسفة.

الفارابي كان من المدافعين القلائل عن الفلسفة في عصر موسوم باستشراء الخلافات والصّراعات العرقيّة والأيديولوجيّة

ويتابع أن الفارابي باطلاعه الموسوعي ومنهجيّته الصارمة وحنكته السياسيّة، وفّق في إفادة أهل زمانه وتوجيههم نحو أفضل الطرق التي تحصّنهم من مخاطر الجدل العقيم، ناهيك عن أنّه شدّد على الجانب الميثودولوجي بلا هوادة، ليس من حيث بناء النظريّات الفلسفيّة وانتقاء أصولها ومصادرها فحسب؛ بل أيضا من حيث طرحها وعرضها على الآخرين. وهذا ما جعله يأمن شرّ المتسرّعين في أحكامهم وتشنيعهم المتهافت للفلاسفة المتحررين من التبعيّة الدوغمائيّة “للسّلف الصالح” بأخطر التهم ونعتهم بالزنادقة والكفار.

ويبدو أنّ الفارابي بتدينه العقلاني، كان مسلما ورعا متحصنا في الآن نفسه بمرونة أسلوبه وسلاسة تعامله مع القضايا الشائكة في عصره كقضيّة العلاقة بين المقدّس والدّنيوي، وإضافة إلى قدرته العجيبة على المرونة في طرح آرائه، فإنّه يتقن رصف الحجج بتماسك منطقي في منتهى الرّصانة والانسجام.

ويؤكد الجبلي أنّ الإنجاز الذي حققه الفارابي، إذا ما قيس بمقاييس عصره يُعدُّ سابقا لأوانه. وهو إنجاز يؤكّد منزلة راقية لا تقلّ أهميّة عن منزلة المفكرين المحدثين. وهو، أيضا، ما جعله جديرا بالعديد من الدّراسات والبحوث النظريّة والملتقيات التي يصعب إحصاؤها، بل إنّ كثيرا من الباحثين قد اختُصّ في دراسة أفكار الفارابي وفلسفته.

12