ما حاجتنا للفلاسفة كارهي الثورات والشعراء

مفكرون تونسيون يبحثون دور الفيلسوف في واقع مليء بالطوارئ.
الاثنين 2020/12/14
الفيلسوف ليس بمعزل عما يحدث (لوحة للفنان فؤاد حمدي)

ينظم المركز الثقافي الدولي بالحمامات مجالس دار المتوسط للفكر والفن، محاولا أن تكون هذه المجالس منصة دورية لتعميق التواصل بين جمهور المركز الثقافي وأصحاب الرأي والتصور في مختلف ضروب الإبداع الفكري والفني في تونس. وتسعى هذه المجالس إلى أن تكون أيضا منبرا للفنانين والمفكرين والفلاسفة والأدباء لخلق التفاعل والتواصل مع الراهن اليومي.

يعتبر تنظيم نشاط ثقافي في مثل هذه الظروف نوعا من المغامرة، وهو ما واصلته دار المتوسط للفكر والفن بالمركز بتنظيمها الحلقة الثانية من مجالس دار المتوسط للفكر والفن مساء الجمعة 11 ديسمبر، بحضور باحثين ومفكرين تونسيين لنقاش “قضايا الفلسفة ومهماتها في ثقافتنا”.

وقد خصص المجلس الماضي لمقاربات لعشر سنوات بعد الثورة التونسية بحضور عبدالعزيز لبيب ومحمد الجويلي وحسان الأحمدي وتاج الملك عويشة وغيرهم، حيث راوح بين المشاغل الفكرية والأنثروبولوجية، بينما ركز المجلس الثاني على الفلسفة منطلقا من سؤال جدوى الفلسفة اليوم.

عودة قوية للفلسفة

شهدت جلسة “قضايا الفلسفة ومهماتها في ثقافتنا” مداخلات لكل من أساتذة الفلسفة والباحثين أحمد الملولي ورياض الفاهم والأكاديمي صالح مصباح، وقام بتنشيطها عبر تقديم الضيوف وتمهيد القضايا المطروحة وإثارة الأسئلة إثر كل مداخلة الباحث عبدالعزيز لبيب.

أحمد الملولي: الفلسفة تهتم بالطارئ ما دام هذا الطارئ يمس بصورة الإنسان التي نريد
أحمد الملولي: الفلسفة تهتم بالطارئ ما دام هذا الطارئ يمس بصورة الإنسان التي نريد

وبدأ لبيب الجلسة مبينا أن مهمة الفلسفة اليوم قضية في غاية الأهمية، متسائلا عن منزلة الفيلسوف في مجتمعه ومنزلته تجاه القضايا الراهنة. وتطرق لبيب في افتتاحه للجلسة إلى حظ الفلسفة من مقاربة ما يحدث، ووظيفتها اليوم، بعد أن حدثت الثورة قبل عشر سنوات مثل زلزال خلخل الكيان الجمعي بصرف النظر عن مآلاته.

وشدد على أن مشكلة الفكر موجودة بقوة إن بالغياب أو بالحضور، فالفلسفة تظل إحدى طرق التفكير الراقي، مختتما تمهيده بسؤاله: هل نحن في حاجة إلى الفلسفة لكي نفكر؟ هل هناك صيغ أخرى مرادفة للتفكير؟

أول المداخلات كانت للباحث رياض الفاهم حول قضية “الفلاسفة والثورات”، معتبرا بداية بأنه لا يدري ما هي صورة الفيلسوف، لأن السياسيين ساهموا في تهميشه وتركه جانبا. أما عن علاقة الفلاسفة بالثورة فهي في رأيه “ليست سببية، فليس هناك فيلسوف قام بثورة”.

ويعود الفاهم إلى مفارقة التسمية ثورة، المأخوذة عن كلمة ريفوليسيون وتعني الهرولة أو الجري إلى الخلف، وقد ظهر استعمالها بالمعنى الذي نعرفه اليوم في القرن الـ17 في فرنسا، ليتحول معناها ونجد المعاجم تعرفها على أنها تحول فجئي وعنيف يمس البنية السياسية والاجتماعية.

ويشدد الفاهم على أنه ليست هناك ثورة لا تعيد النظر في السلطة وتوزيعها والثروة وتوزيعها، مبينا أن الثورة هي فعل عواطف ورغبات وليست فعل وعي، وربما لهذا لا يحبذها الفلاسفة، بل هم أحيانا ينكرونها ويرفضونها. فكبار الفلاسفة، كما يبيّن الفاهم، لا يفضلون الثورات، قد يحبونها لكنهم يخافون من مآلاتها، فإيمانويل كانط مثلا ظل ينظر بحذر إلى ما حدث في فرنسا، أما هيغل فلم يقبل ما آلت إليه الثورة الفرنسية، بينما اختلف الأمر مع ماركس، الذي حول وجه الثورة من سياسي إلى اجتماعي، معتبرا أن السياسة وسيلة اجتماعية، وهو ما أنتج توسيعا في تعريف السياسة، حتى أن جيل دولوز اعتبر أن “فقدان الشهية سياسة”.

لكن الفاهم يستنكر انحصار الفلسفة في الحدود المدرسية وداخل أسوار الجامعة، رغم أن تونس بدأت تدريس الفلسفة حتى قبل عدة دول أوروبية.

الفلسفة فعل مقاومة

خصص الباحث أحمد الملولي مداخلته لنقاش “الفلسفة والطوارئ”، حيث بدأها بتعريف الطارئ على أنه ما هو عرضي، وهو الاستثناء في مقابل القاعدة. وينطلق الملولي من تساؤل حول ما شأن الفلسفة بالطارئ؟ حيث علمتنا الفلسفة أنها تهتم بالكلي والثابت، كما اعتدنا على الفلسفة أنها تأتي دائما متأخرة، كما يقول هيغل، لكن هذه صورة غير دقيقة اليوم.

ويرى الباحث أن الفلسفة حاضرة بالضرورة في مختلف تفاصيلنا اليوم، وهي تهتم بالطارئ ما دام هذا الطارئ يمس بصورة الإنسان التي نريد.

رياض الفاهم: السياسيون ساهموا في تهميش الفيلسوف وتركه جانبا
رياض الفاهم: السياسيون ساهموا في تهميش الفيلسوف وتركه جانبا

وعدّد الباحث ثلاث حالات طارئة هي الحروب والثورة والأوبئة، وكلها حالات تعالجها الفلسفة، بداية بالإرهاب الذي أسس لعنف دموي كما خلق قضية أخرى هي تبييض التعذيب، ثم الوباء وما فرضه من إجراءات الحجر الصحي ومنع التواصل والتنقل، إجراءات تنتهك بعض الحقوق، حتى أن الوباء أصبح حالة سياسية بامتياز، وثالث الطوارئ الثورة وهي حالة استثنائية قاربتها الفلسفة، حيث لا يمكن للفلسفة أن تحيا في انقطاع عن السياسي.

ويتساءل الملولي هل سيزول الاستثناء أم سيصبح دائما؟ ففي الحالات الاستثنائية نعيش وضعا ليس داخل القانون وليس خارجه، فالحالة الاستثنائية تهدد الديمقراطية، التي يقال إنها أفضل النظم السياسية. ومن مفارقات الحالة الاستثنائية أيضا تولد الرعب في علاقة الفرد بالآخر، الآخر موبوء إرهابي، وهو ما يؤدي إلى الانعزال والانكفاء. فهذه الحالات هششت وجودنا، فقد كانت الذاتية قائمة على الآخر، ووجودنا لا يستقيم بلا غير، لكنها فكرة هدمتها الحالة الاستثنائية، وخلفت نوعا من التباعد والتصادم مع الآخر.

ويختم الباحث بأن الحالة الاستثنائية ليست قدر البشر، ففي رأيه الإرهاب كما الوباء كما الثورات، هي في حقيقتها صنيعة مخابر، لذا فدور الفلسفة هو نقد وتعرية الواقع وما يحدث، فالفلسفة فعل مقاومة.

الشاعر والفيلسوف

وجّه صالح مصباح، أستاذ الفلسفة بكلية العلوم الإنسانية والاجتماعية بتونس، بحثه إلى قضية “الفيلسوف والمجتمع”، معتبرا أن السؤال الذي انطلقت منه الجلسة “ما جدوى الفلسفة؟”، هو سؤال متكرر يسائل الفلاسفة ويستنطقهم في كل زمن، وهو نوعان، الأول يسعى إلى التخلص من الفلسفة، أما الثاني فيبحث عن المصلحة منها.

ويقول مصباح “الفلسفة ترتبط بفيلسوف، لذا فهي جهد فردي، والتسليم بالفلسفة واعتبارها جنسا ثقافيا أو مستوى معرفيا، يعني تقليم أظافرها وخسارة نصف المعركة”.

وفي رأيه الفلسفة ليست عامة في كل الثقافات، وهنا نفهم الرغبة في استخراج فلسفة من الفلكلور الأفريقي أو الصيني على أنها تضر بالفلسفة.

وذكر مصباح بأنه لو لم يقم قسنطين المسيحي بإغلاق أكاديمية أفلاطون وتفرق الفلاسفة في مختلف أنحاء الأرض، لما انتشرت الفلسفة، فقد خدمها هذا الغلق بشكل مفارق.

وتساءل إن كان الفيلسوف يعبر عن حاجة في المجتمع؟ معتبرا أنه إذا كانت إجابتنا بنعم، فلماذا لم تشهد كل المجتمعات ظهور الفيلسوف؟

ويشدد مصباح على أن المجتمع لديه مشكلة مع الفلسفة لأنه يقوم على اللحمة، مثلا المجتمع العربي يمثل فيه الدين نسيجا فكريا موحدا، ولذا كانت الوضعية الفعلية التاريخية للفيلسوف عند العرب أنه هامشي، لأنه لم يكن يعبر عن حاجيات المجتمع. فالفيلسوف غير ذي صلة مباشرة مع المجتمع، ومشكلته الأولى هي مع الآراء والظنون، بينما الآراء والظنون هي ما تشكل لحمة المجتمع.

ولفت إلى أن هناك من الفلاسفة من انعزلوا، وهناك من ارتبطوا بالسلطة حماية لأنفسهم من المجتمع. وارتباط الفيلسوف بالسلطة في التاريخ الحديث هو محاولة خلق نموذج مجتمعي، فالمجتمع الحديث يقبل الفيلسوف فقط كأيديولوجي، ثم إن الفيلسوف يرزح بين ضغط المجتمع والسلطات.

وقارن مصباح هنا بين الشاعر والفيلسوف؛ فالأول بلغة جميلة يكرس لقيم موجودة، أما الفيلسوف فلديه مشكلة مع الشاعر لأن هذا الأخير قريب للجمهور، أما الفيلسوف فبعيد عنه.

ويبين مصباح أنه يمكن أن تكون الفلسفة ناجعة باعتبارها تربية وتهذيبا، كما أنه ليست هناك  علاقة واحدة بين الفيلسوف والمجتمع لكن هناك صلة بينهما هي صلة تأزم.

14