ما حقيقة التسجيل الصوتي لأردوغان ونجله؟

الثلاثاء 2014/03/04
الفساد يعصف بحكومة أردوغان

بعد أن حاصرت حكومته تهم الفساد، وبعد انتفاضة "تقسيم" التي عبّرت عن غضب شعبي من سياسة حزب العدالة والتنمية، يجيء التسجيل الصوتي الأخير ليضع أردوغان هذه المرة في دائرة الاتهام ويجعله في وضع لا يحسد عليه. والتسجيل المسرب بين رئيس الوزراء ونجله بلال والذي أشار إلى تورطهما في الفساد، تسبب في تعالي الأصوات المطالبة باستقالته.

فقد أصبح رجب طيب أردوغان أول رئيس وزراء تركي يتهم بالسرقة، ما اضطره للدفاع عن نفسه بطريقة بدا عليها الارتباك، وقد أرجع ذلك لمن يعتبره العقل المدبر “للمؤامرة” ضده، الداعية فتح الله كولن.

كما آثرت المعارضة التعبير عن موقفها بالتظاهر، حيث خرج آلاف الأشخاص في شوارع إسطنبول وأنقرة للاحتجاج على “فساد” نظام أردوغان الذي يحكم البلاد منذ 2002.

ويذهب مراقبون إلى أن حزب العدالة والتنمية في حاجة أكيدة لإثبات براءة أردوغان من فضيحة الفساد التي هزّت الرأي العام في تركيا، خاصة وأن البلاد مقدمة على انتخابات يزمع إجراؤها في الـ30 من آذار الجاري، والتي يوليها حزب العدالة والتنمية أهمية قصوى في مسعى للبرهنة على شعبيته.

ونعرض هنا موقفين من المسألة الأول لكمال كيليجدار أوغلو، رئيس حزب الشعب الجمهوري، الذي يؤكد على صحة ومصداقية التسجيلات الصوتية المنسوبة لأردوغان، والثاني لوزير الصناعة التكنولوجية التركي فكري إيشيق، الذي يذهب إلى أن تلك التسجيلات “مفبركة”.

على أردوغان أن يستقيل

ليس لدينا شك في أن الصوت لأردوغان


أكد كمال كيليجدار أوغلو أنه يجب على رئيس الوزراء رجب طيب أردوغان أن يقدم استقالته بعد فضائح الفساد التي طالت حزبه وطالته هو شخصيا. ويؤكد زعيم حزب الشعب الجمهوري، أكبر أحزاب المعارضة التركية، على صحة ومصداقية التسجيلات الصوتية المنسوبة لأردوغان ونجله بلال.

ويرى أن التسجيل هو سلسلة جديدة تضاف إلى سلاسل الفساد التي لحقت بحكومة العدالة والتنمية، قائلا: “يقولون إن تلك التسجيلات “مفبركة” و”ممنتجة”، فلو كانت كذلك بالفعل فلتنشر رئاسة الاتصالات السلكية واللاسلكية بالدولة تسجيلات مكالماته في ذلك التوقيت الظاهر فيما سرب لها من تسجيلات”.

ويشدّد كيليجدار أوغلو على أنه يعيش أسوأ أيام حياته بعد سماعه لتلك التسجيلات التي تؤكد ضلوع رئيس الوزراء وعائلته في عمليات الفساد. ويرى كيليجدار أوغلو، أنه تم عرض التسجيل الصوتي على خبراء مختلفين، فأكّدوا على أنه يعود إلى رئيس الوزراء دون شكّ.

وأبدى كيليجدار أوغلو حزنه وأسفه الشديدين، ليس على أردوغان وإنما على أولاده الذين تورطوا بسبب أبيهم في قضايا الفساد والرشاوى، على حد قوله.

ويقول كيليجدار “إن أردوغان أشرك أولاده في عمليات الفساد التي يمارسها”، مشيرا إلى أنه اتصل بنجله وطالبه بسرعة إخفاء الأموال من منزله خشية أن تطاله حملة الاعتقالات بسبب الفساد، مشيرا إلى أنه كرر اتصاله به في أكثر من مرة وطلب منه إيجاد مكان لإخفاء تلك الأموال، على حد تعبيره.

ويذهب كيليجدار أوغلو إلى أن هذه هي المرة الأولى التي تنهب حكومة أموال الدولة بهذا الشكل، موضحا أن من يجلس على عرش رئاسة الوزراء، قد وظّف نفسه لنهب أموال الدولة. ودعا كمال كيليجدار أوغلو، في وقت سابق إلى ضرورة التحقيق بشكل جيّد في جميع ملفات الفساد التي تم الإعلان عنها منذ السابع عشر من كانون الأول. وأن أية مبالغ مالية يتم التحصل عليها في عمليات فساد، يجب أن تُرد إلى الشعب لأن للجميع حق فيها.

ووجه أوغلو خلال إحدى تصريحاته، انتقادات شديدة اللهجة إلى حكومة حزب العدالة والتنمية ورئيسها رجب طيب أردوغان بعد انتشار ادعاءات تفيد بأن النيابة العامة في إسطنبول تنصّتت على أكثر من 7 آلاف شخص من السياسيين والبيروقراطيين والصحفيين، خلال الفترة الماضية. قائلا “نعلم يقينا بأن الحكومة تتنصّت علينا، فقد أعلن ذلك رئيس الوزراء صراحة في إحدى مؤتمرات الكتلة البرلمانية لحزبه. فهؤلاء لم يعد بمقدورهم إدارة الدولة كما ينبغي، ولا يحق لهم الجلوس على كرسي السلطة بعد الآن”. كما اتهم زعيم حزب الشعب الجمهوري، رئيس الوزراء، بترويع وسائل الإعلام المحلية حتى تقوم بدور الرقيب على نفسها وتحد من انتقاد الحكومة والسلطات في البلاد.

ويعتبر زعيم حزب الشعب الجمهوري أن الحكومة التركية، فعلت كل ما تستطيع فعله من أجل شراء سكوت رجل الأعمال الإيراني رضا صراف، وذلك حتى لا يفضحها بما يملك من وثائق.

التسجيل الصوتي مفبرك

هناك عملية «فبركة» واضحة

يرى فكري إيشيق أن التسجيل الصوتي المزعوم لمحادثة أردوغان مع نجله بلال “مفبرك”. قائلا “من الواضح أن التسجيل “مفبرك” وسنعرضه على المؤسسة التركية للبحوث العلمية والتكنولوجية إذا اقتضى الأمر”.

ويذهب إلى أن عدة جهات محلية وخارجية قامت بتحليل التسجيل الصوتي لتخلص إلى نتيجة مفادها أن التسجيل غير صحيح وهو عبارة عن عملية مونتاج، وأخضعت شبكة “تي آر تي” التلفزيونية الرسمية التسجيل إلى الدراسة وذلك لإثبات عدم صحته، وقالت الوكالة إن النتائج تطابقت مع تحليل المختبر الجنائي الأميركي.

وقد تم التأكيد على أن الجهات التي قامت بدراسة التسجيل، توصلت إلى أنه عبارة عن مقاطع مقتطعة من أربع أو خمس مكالمات هاتفية أجريت في أوقات متفرقة وفي مواضيع مختلفة، لتخضع لعملية مونتاج، ويتم إكمال الجمل الناقصة بتسجيل أصوات أخرى في استوديوهات خاصة.

ويوضح وزير العلوم والصناعة والتقانة التركية، أن رئاسة الوزراء التركية، لم تطلب من هيئة الأبحاث العلمية والتكنولوجية التركية “توبيتاك” بعد، إجراء فحوص فنّية على التسجيلات الصوتية، المنسوبة إلى رئيس الوزراء رجب طيب أردوغان ونجله بلال.

وأضاف أن التسجيلات الصوتية المنسوبة لأردوغان ونجله تعرضت إلى عملية “فبركة”، وهي مسألة واضحة كعين الشمس، مؤكّدا على أن الأنباء التي أفادت بإقالة عدد من موظفي “توبيتاك”، ورئيس مركز أبحاث مرمرة “مراد أيدن”. وتابع قوله إن “توبيتاك” تعرضت لاختراق من قبل تنظيم “الدولة الموازية”، والحكومة تعمل بجدية للوقوف بوجه كل محاولات تسلل الدولة الموازية داخل مؤسسات الدولة التركية، في إشارة إلى جماعة كولن.

ولفت إيشيق إلى أن خمسة من موظفي “توبيتاك”، المسؤولين عن متابعة قسم الهواتف المشفّرة، منحوا إجازة حتى إشعار آخر، فضلا عن قطع أية صلة لهم بأماكن عملهم، في إطار التحقيقات الجارية لمعرفة الجهة المسؤولة عن تسريب المكالمات الهاتفية، وفبركتها باستخدام برامج مونتاج صوت.

وأشار إيشيق إلى أن التنظيم الموازي، قام بعمليات التنصّت على هاتف أردوغان نفسه، وأن عملية 17 ديسمبر الماضي، كشفت الكثير من الأمور، التي كان هذا التنظيم يقوم بها، خلف سراديب الغرف المغلقة، من قبيل التنصت والفبركة، بغية الابتزاز.

وأكد وزير العلوم والصناعة والتكنولوجيا إلى أن هيئة الأبحاث العلمية والتكنولوجية التركية “توبيتاك” هي المسؤولة عن الهواتف المشفرة المستخدمة من كبار المسؤولين، كما أنها من تتولى عمليات تشفيرها ومفاتيح التشفير والبرمجيات الخاصة بها وإنتاج أجهزتها.

ورأى وزير العلوم والصناعة والتكنولوجيا في تصريحات سابقة أن من يثبت تورّطه في فضيحة الفساد التي تحقق فيها النيابة العامة في إسطنبول حاليا، سيدفع ثمن فعلته غاليا لتجرّئه على مد يديه إلى مال الشعب. لافتا إلى أن المتهم بريء حتى تثبت إدانته، مناشدا الجميع بضرورة التحلي بالصبر وضبط النفس حتى تظهر نتائج التحقيقات التي تتولاها النيابة في هذه القضية الشائكة.

رئيس الوزراء التركي انتهى سياسيا

أنقرة - تعيش تركيا في الآونة الأخيرة حراكا غير مسبوق، سببه ملف الفساد الذي مس هذه المرة هرم السلطة متمثلا في رئيس الوزراء التركي رجب طيب أردوغان.

أردوغان الذي حاول الدفاع عن نفسه من تهم الفساد التي مست عائلته أيضا، لم يكن خطابه مقنعا لفئات واسعة من الشعب التركي وظهر في خطابه الأخير مُرتبكا، وحتى لغته المتحدية التي وجه من خلالها الاتهامات لفتح الله كولن، لم تتوصل إلى إقناع المتابعين لقضايا الفساد التي تهز تركيا منذ الـ17 من ديسمبر الماضي.

ويرى مراقبون أن التسجيل الأخير مثل القطرة التي أفاضت الكأس، وعملت المعارضة على استثمارها خاصة وأن الانتخابات المحلية اقترب موعدها ولابد من توظيف فضائح حزب العدالة والتنمية والسقطة الأخيرة التي وقع فيها أردوغان بعد دعوته ابنه بلال لإخفاء مبلغ 30 مليون يورو، بعيدا عن عيون التفتيش.

ويقول هؤلاء أن هذه الفضيحة تنضاف إلى فضيحة الـ17 من ديسمبر والتي لن تبت فيها التحقيقات إلى حد الآن. وكان متابعون أتراك للمحطات الموالية لحزب العدالة والتنمية، قد فوجئوا بقطع البث المباشر لكلمة كيليجدار أوغلو، عندما بدأ بعرض التسجيل الصوتي الحي، وعادت إلى استئناف النقل المباشر للكلمة بعد الانتهاء من بث التسجيل.

ولكن زعيم حزب الشعب الجمهوري فاجأ هذه المحطات، بأن عاد وقرأ حرفيّا نص المكالمة بشكل مكتوب، فكان أن عادت هذه المحطات إلى قطع البث المباشر مجددا، وذلك ما جعل العديدين يعتقدون في صحة التسجيل الذي يورط أردوغان ونجله ويطرحون السؤال التالي: إذا كانت المحطات على ثقة تامة ببراءة رئيس الوزراء، فلماذا تلجأ إلى قطع البث وحرمان الملايين من التأكد من حقيقة التسجيل؟. وهو ما يعده البعض استخفافا بعقول الأتراك واستغفالا لهم.

ولم تكن الصحافة التركية بعيدة عن الحدث بل عملت على إظهار الحقيقة إلى الشعب التركي من خلال الحجج والتحاليل المبنية على وقائع. وأجمعت العديد من الصحف على أن أردوغان انتهى سياسيا وما عليه إلا مغادرة الحياة السياسية في صمت ودون قلاقل.

فقد أشارت صحيفة “حرييت” في بعض مقالاتها إلى أن كيليجدار أوغلو لم ينشر التسجيل إلا بعدما أكد له المهندسون صحته. ورأت أن أردوغان كان متعبا وضعيفا في كلمته أمام نواب حزبه وأنه انتهى منذ انتفاضة “تقسيم”، وأن تركيا المنقطعة عن المعايير الأوروبية لا يمكن لها الاستمرار في وضعها الحالي. فأردوغان انتهى منذ تلك الانتفاضة والذي لا نعرفه هو فقط متى وكيف سيرحل؟. أما صحيفة “راديكال”، فرأت أن التسجيلات الأخيرة ستغير الكثير في المشهد السياسي التركي.

ويذهب المراقبون إلى القول إن فضيحة أردوغان الأخيرة، هزّت الملايين من الأتراك. ويبدو أن حزب العدالة والتنمية قد أدرك تلك الحقيقة وهو الآن بصدد التسويق لصورة مغايرة محاولا التصدي لجميع التهم التي وجهت لوزراء في الحكومة، وخاصة التهمة الأخيرة التي وجهت إلى رئيس الوزراء.

12