ما حقيقة العثور على لوحات لبيكاسو أثناء حفر بئر في مدريسة

لوحات بيكاسو الجزائرية.. بحث عن مجد مفقود أم كنز منهوب.
الأحد 2021/04/18
أعمال بيكاسو يحتفي بها العالم وتفرط فيها الجزائر

بين مزاعم الأديب والروائي واسيني الأعرج ونفي وزارة الثقافة والفنون الجزائرية، تدخل لوحات بيكاسو في الجزائر سياق جدل متجدد حول حقيقتها من فبركتها، خاصة بعد الرواية التي أدلى بها الأديب والباحث محمد بن ديدة، التي قوضت وجودها أصلا ودحضت فرضية الاختفاء التي أطلقتها نخب جزائرية وناشطون على شبكات التواصل الاجتماعي.

الجزائر - أكد الأديب والباحث محمد بن ديدة أن ما أشاعه الروائي والأديب واسيني الأعرج حول ضياع عدد من اللوحات الفنية للرسام العالمي بيكاسو، كان قد أنجزها في الجزائر سنوات الاستعمار الفرنسي وأسماها “نساء الجزائر”، عار عن الصحة، وأن ما استند إليه الرجل هو روايات يكتنفها لبس كبير.

وتتحدث مصادر في الجزائر عن أن الرسام المذكور أنجز 15 لوحة خلال إقامته في الجزائر خلال منتصف القرن الماضي، وقد تم العثور على سبع منها في ضاحية مدريسة بمحافظة تيارت في غرب البلاد، تحمل توقيع الرجل وتعود للعام 1944.

ويعكف بن ديدة على وضع آخر اللمسات على كتاب له بعنوان “أنا، وأشباح بيكاسو.. بلدة مدريسة، ذكريات مهشـمة”، يعالج فيه قضية لوحات بيكاسو المزعومة، ويكشف عما أسماه بـ”أسرار” يكشف عنها لأول مرة حول دور بعض الأفراد في إثارة بالون لا أساس له من الصحة.

أنا وأشباح بيكاسو

واسيني الأعرج: اختفاء لوحات بيكاسو موضوع شديد الخطورة وتهريب لجزء مهم من تاريخ الجزائر لذا أدعو إلى فتح تحقيق

ذكر بن ديدة في تصريحات إعلامية أن “تصريحات واسيني الأعرج أشعلت وسائط التواصل الاجتماعي، وخلقت قضية من العدم بعنوان ‘بيكاسو – مدريسة‘، عبر جدل فيسبوكي يكاد يتحول اليوم إلى محاكمات وتحقيقات شبه أمنية، يقوم بها مثقفون افتراضيون على طريقة تشبه الكلام عن أيّ منشور إشهاريّ لضحكات معتادة، قد يقولون أيّ شيء، وعن أيّ شيء، دون الرجوع إلى خيط المسألة الأول، والأكثر تعقيدا مما يتخيلون، ذلك الخيط الذي يجعلك مرة تؤمن بوجود هذا ‘البيكاسو‘، في بلدة مدريسة من محافظة تيارت، ومرة ثانية تفكر بأنه قد تنفّس ذات يوم من هواء هذه القرية الريفية الكولونيالية وبقاياها الخاربة في أيامنا هذه”.

وأضاف “وأنا طفل بعمر الثامنة، شغلتني لوحات النادي الريفي الفرنسي بمدريسة، ولأنني ترعرعت على عشقها في وسط لا تفارقه أدوات الرسم واللوحات، وكنت أعرف من يومها الرسام الذي تبنى قصة بيكاسو اليوم بمدريسة، وكل هذا الكبت الطفولي سينفجر في كتابي الموشك على الصدور بعنوان ‘أنا، وأشباح بيكاسو.. بلدة مدريسة، ذكريات مُهشـَّمَة‘، في حقائق عميقة عن هذه القصّة”.

وتابع الباحث “ما إن تقرأ طرحا عن هذا الموضوع، حتى تتساءل من أين أتت المعلومة الأولى التي استند عليها جميع هؤلاء، حتى يخرج بها إعلامي وأديب بارزَان على الساحة الثقافية، على أنهما مفجرا هذه القنبلة الخفية قبل أي عارف بها؟ من نصّب فلانا أو آخر لتبني هذا الموضوع؟ أيّ شرعية وهبها هذا لذاك كي يحاكم الآخر في قضية ليس من السهل الخوض فيها؛ لأن كل مزيَف فيها يقترب من الحقيقة، وكل حقيقة تنكسر حطاما أمام لعنات التشعب المكذوب، كأننا أمام قارئة فنجان تبصر لبيكاسو – مدريسة، وتلعن ضباب الماضي المجهول؟”.

ويبدو أن حقيقة لوحات بيكاسو في الجزائر المثيرة للجدل تتجه إلى سجال شخصي بين داعمي وجودها وبين من ينفونه، وفي ظل غياب قنوات ومنابر نقاش فكري وأكاديمي، تظل الحقيقة مغيبة عن المتابعين والشغوفين بمعرفة تفاصيل هذه القضية.

ويظهر أن الفرضية التي يرافع عليها بن ديدة، قد وجدت في النفي المقتضب لوزارة الثقافة والفنون سندا قويا لها، أمام إصرار قطاع من النخب الجزائرية والافتراضية على تعرض لوحات بيكاسو المنجزة في الجزائر إلى السطو، خاصة وأن بعضها عثر عليها معروضة للبيع بالملايين من الدولارات.

ولوضع حد للجدل المتصاعد حول القضية، ذكرت وزارة الثقافة والفنون، في بيان لها، أنه تم “تداول بعض وسائل الإعلام ومواقع التواصل الاجتماعي في الآونة الأخيرة خبرا مغلوطا حول اختفاء سبع لوحات زيتية للرسام الإسباني الشهير بابلو بيكاسو خلال سنة 2009، كان قد تم العثور عليها من قِبل أحد المواطنين أثناء قيامه بحفر بئر في بلدة مدريسة على بعد 60 كلم جنوب محافظة تيارت”.

لوحات غير أصلية

بيكاسو يثير جدلا جزائريا
بيكاسو يثير جدلا جزائريا

أشارت وزارة الثّقافة والفنون في بيانها إلى أنها فور تلقيها معلومة العثور على لوحات لبيكاسو خلال سنة 2009، نقلت هذه اللوحات إلى متحف الفنون الجميلة بالعاصمة للتّأكد من هوية صاحبها، وعلى ضوء الخبرة المنجزة من قِبل المختصّين باستعمال التّقنيات الحديثة التي مست فحص الإمضاءات وخطوط الكتابة ونوعية الألوان الزيتية والتقنيات المستعملة والدقة في الرسم، تبين أن هذه اللوحات هي نسخ غير أصلية ولم تصدر إطلاقا عن بيكاسو.

لكن أستاذ العلوم السياسية والعلاقات الدولية زهير بوعمامة كان له رأي آخر لما ذكر أن “البيان لا يكفي ما دام جاء متأخرا عن تاريخ وقائع الحادثة من جهة، وباعتباره يفتقر للإثباتات والدلائل التي تؤكد حقيقة اختفاء لوحات بيكاسو من جهة أخرى”.

وأضاف “الجزائريون أصبحوا يصدقون كل ما يقال عن ملفات الفساد التي كانت تدار في عهد النظام السابق، والتي أثبتت التحقيقات أنهم لم يتركوا قطاعا إلا وأفسدوه بما فيه قطاع الثقافة، وعلى وزارة الثقافة إن كانت لديها نية خالصة لكشف الحقيقة كاملة للجزائريين حول اختفاء لوحات بيكاسو، أن تستدعي الخبراء والمختصين، سواء أكانوا محليين أو دوليين للبت في الحقيقة”.

وشدد المتحدث على أن “مكتشف اللوحات، جزئية مهمة في كل ما حدث للتأكد من طبيعة اللوحات التي تسلمتها مديرية الثقافة لمحافظة تيارت، لأن مسؤولي البلاد يستطيعون فعل أي شيء، باعتبار أن قيمة اللوحة الواحدة تتعدى الـ100 مليون دولار”.

وأكد على “ضرورة الكشف عن الحقائق كاملة حول اللوحات، إذا كانت لبيكاسو فهذا كنز للثقافة والتاريخ بالجزائر، وإن كان غير ذلك فسيتم على الأقل إنهاء الجدل بشكل موثوق”.

ويبدي بن ديدة اهتماما مركزا على العنصر صفر في القضية، في إشارة إلى المصدر الأول المكتشف للوحات المزعومة، ويوجه أصابع الاتهام إلى ناصر مسعودي، بفبركة السيناريو من أجل التسلق إلى عالم النجومية، ويدرج اسم الرسام الراحل من أبناء البلدة مجيد حاج أعراب على أنه هو الرسام الحقيقي للوحات المذكورة، وأن مسعودي هو من قام بالسطو عليها وتزوير توقيع بيكاسو عليها.

وكان الأديب والروائي واسيني الأعرج قد كتب في منشور له على حسابه الخاص بعنوان “من سرق لوحات بيكاسو في مدريسة؟” أن “شبهة كبيرة تحيط بمصير سبع لوحات عُثر عليها في بلدية مديرسة من محافظة تيارت، وأن كل اللوحات تحمل توقيع الفنان العالمي بابلو بيكاسو، ومؤرخة في 1944، وهي الفترة الموافقة لزيارته لهذه المنطقة التي عمرها معمرو الضواحي الفقراء والإسبان، ووفد إليها بيكاسو للأمن والاستراحة، بدعوة من محبيه هناك، إذ على ما يبدو، كان من بين سكانها، الكثير من القادمين من ملقة الإسبانية، مسقط رأسه”.

Thumbnail

كتب الأعرج “عثر شاب على اللوحات السبع بالصدفة في خريف 2009 حينما كان بصدد حفر بئر، وقام الشاب مباشرة بإبلاغ مديرية الثقافة بما عثر عليه، وكان يعرف جيدا قيمة ما وجده، وبعد أن تمّ تسجيل اللوحات واعتبارها ملكية وطنية للدولة، تم تحويلها باتجاه متحف الفنون الجميلة بالجزائر العاصمة، حيث يتوفر هذا الأخير على مخبر للتحاليل الفنية لتحديد تاريخ اللوحات ومصدرها”.

 وحسب الاحتمالات الأولية، يبلغ سعر اللوحة الواحدة ما لا يقل عن 100 مليون دولار، وأن بعض لوحات بيكاسو تخطت هذا السعر، على غرار لوحته الشهيرة “نساء الجزائر” التي بلغت 140 مليون دولار. لكن منذ تاريخ سبتمبر 2009، تاريخ العثور على اللوحات، لف الصمت الكلي هذا الموضوع إلى اليوم.

وتابع الكاتب الجزائري “حسب بعض المصادر المقربة من متحف الفنون الجميلة، فقد تم سنة 2015 إرسال إحدى اللوحات إلى فرنسا ومؤسسة بيكاسو للتأكد من نسبها للرسام، لكن لا نعرف شيئا عن ذلك، ولا مآل هذه اللوحات، هل سرقت؟ بيعت؟ نهبت؟ من أدار الملف في وزارة الثقافة يومها؟ لم تعد القضية فردية ولكنها قضية دولة وإذا حدث أن سرقت ستكون ذلك واحدة من أكبر جرائم نهب التراث المادي واللامادي المنظم، وهو ما ألحّ عليه مواطنو مدريسة من خلال لجنة الدفاع عن التراث المادي وغير المادي للمنطقة”.

ودعا الأعرج في منشوره الجهات المختصة إلى التحقيق في هذه القضية، لأنها ليست الوحيدة من نوعها، في ظل وجود سوابق مشابهة.

مضيفا “ننتظر من الوزيرة وأجهزة الدولة الكبرى بما فيها الأمنية، البحث والتحقق في موضوع شديد الخطورة: تهريب جزء مهم من تاريخ البلاد كما حدث مع التمثال النصفي لماسنيسا، والتمثال النصفي لسيرفانتس الذي كان على رأس مرتكز في مغارة سيرفانتس، وهو النسخة الثانية والوحيدة والنادرة من تمثال مدريد، دون الحديث عن المجوهرات والنقود الثمينة التي تعود إلى العهد الروماني القديم.. مدريسة تنتظر، ونحن أيضا، لتفتح وزارة الثقافة ملف لوحات بيكاسو”.

علاقة كبيرة

 في تبرير لفرضيته شدد الأعرج على علاقة بيكاسو مع الجزائر ووصفها بـ”الكبيرة”، فقد أقام بها في العديد من المرات، وزارها للاستراحة أو للعمل، أو حتى هاربا من الغيستابو ومن شرطة فيشي العميلة، بعد لوحة “غيرنيكا” (1937) التي تسببت له لاحقا في مطاردات كثيرة.

وذكر الأعرج أن “بيكاسو من مدينة أندلسية بامتياز، (ملقة في جنوب إسبانيا)، وفيه شيء من عطر الأندلس الآفلة. وقد زار الفنان الجزائر سنة 1944 في رحلة بدأت من العاصمة وانتهت به في إحدى المستعمرات الزراعية التي كان يملكها أحد أصدقائه، في بلدة مدريسة، وهي منطقة أثرية قديمة، تأسست في 1910 وسميت بالوادي الذي يعبرها مدريسة. ونظرا إلى أراضيها الصالحة للزراعة ولتربية الماشية، فقد تشجع الكثير من معمري المدن الفرنسية والإسبانية الفقيرة للاستثمار فيها”.

وأضاف “بيكاسو الهارب من تهديدات النازية والحرب العالمية الثانية، وجد مكانا جميلا عند أصدقائه الإسبان الذين رحبوا به هناك. كما زار الفنان الجزائر سنة 1953، ورسم لوحته الشهيرة ‘نساء الجزائر‘ ردا على لوحة دولاكروا التي ظلت حبيسة الرؤية الاستشراقية الاستعمارية التي جعلت من المجتمع النسوي الجزائري في القصبة والصحراء نساء متاحات لا ينتظرن إلا قدوم المستعمر، استجابة لشرق مصنع كما يقول إدوارد سعيد”.

ولم يغفل الأعرج عن الإشارة إلى لوحة بيكاسو التضامنية مع المناضلة والمجاهدة الجزائرية جميلة بوباشا، التي حكم عليها بالإعدام، وساهم هو في تدويل قضيتها رفقة مثقفين كثيرين منهم سيمون فاي وجيزيل حليمي، لإسقاط حكم الإعدام، وقد نجحوا في ذلك.

حقيقة لوحات بيكاسو في الجزائر المثيرة للجدل تتجه إلى سجال شخصي بين داعمي وجودها وبين من ينفونه

وذهبت لجنة الدفاع عن التراث المادي وغير المادي إلى منطقة مدريسة بمحافظة تيارت بالقول “كل المؤشرات تؤكد أن اللوحات تم العبث بها ونهبها”، ولم يستبعد مصدر من اللجنة فرضية “السطو عليها من طرف العصابة الحاكمة في عهد الرئيس السابق بوتفليقة، وأن ما قامت به من تبديد ونهب للمال العام يجعلها قادرة على فعل أي شيء والعبث بالتراث المادي وغير المادي للبلاد، لذا يجب التحقيق الدقيق في الأمر وكشف المتورطين”.

زعم مكتشف اللوحات ناصر مسعودي أن “اللوحات هي فعلا للرسام بيكاسو، لأن إحدى اللوحات التي بيعت سابقا في مزاد علني بأوروبا بقيمة 160 مليون دولار تم العثور عليها في منطقة مدريسة، كما أن ارتباط تلك اللوحات بمسكن أقام فيه بيكاسو يدعم تأكيد صحتها”.

والشاب الذي تخرج من المدرسة العليا للفنون الجميلة، يؤكد أنه “رأى مجموعة كبيرة من اللوحات، وتبين له لاحقا أن مصدرها كان بيتا لأحد المعمرين في مدريسة، اسمه فرنسوا قوماز، وهو مكان إقامة بيكاسو خلال الفترة الممتدة من سنة 1943 إلى 1944”.

ويروي بشأن ما تعرض له بسبب اللوحات المذكورة، بأن “رواية العثور على اللوحات صدفة في بيتي عند حفر بئر كانت مجرد سيناريو مختلق لإخراج أطراف من القضية كانت الرواية الحقيقية ستورطهم، وكانت الصفقة أن ينقذوني من السجن بتحوير الموضوع الأصلي وتسليم اللوحات السبع لأجد نفسي محبوسا واللوحات مختفية مع آثار عنف، أبرزها سقوط أسناني”.

وتابع “الحقيقة تكمن في توصلهم للوحات من طرف أشخاص من القرية، هم من عثروا عليها بقبو البيت الذي كان يقيم به بيكاسو، وجلبوها له كونه خريج مدرسة الفنون الجميلة، فتعرف على اللوحات وإمضاء الرسام العالمي، ولما توسط لتسليمها لمديرية الثقافة تعرض لاعتداء وكسرت أسنانه، قبل أن يسجن بتهمة التزوير”.

14