ما حقيقة خطة الجماعة الإسلامية لاحتلال مقعد الإخوان في مصر

الضربات الموجعة التي تلقاها تنظيم الإخوان المسلمين في مصر، جعلته يفكر في العودة إلى الحراك السياسي بطرق وأساليب وتكتيكات ملتوية، على اعتبار أنّ اعتزال العمل السياسي شكل من أشكال الخيانة وفق عقيدته التنظيمية، ولعل ظهور الجماعة الإسلامية في مصر، بخطاب يظهر اللين والوسطية يصب في هذا الإطار، ومهما اختلفت القراءات فإنّ كل تلوينات الإسلام السياسي قد فقدت رصيدها وبريقها، كما أنّ أجهزة الدولة في مصر تراقب عن كثب مدى ارتباطات هذه الجماعات بأجندات خارجية.
الجمعة 2016/10/07
رايات جماعة الإخوان متداخلة ومتكاتفة مع رايات جهادية أخرى

القاهرة - وسط حالة التردي والتفسخ والضعف، التي يعاني منها تنظيم الإخوان المسلمين في مصر، بعد تعرضه لحزمة من الضربات المتلاحقة، تزايد الحديث عن تقدم قوى أخرى منتمية لتيار الإسلام السياسي إلى المشهد، طامحة وربما متلهفة لخلافة الجماعة، وشغل مكانها في الساحة السياسية.

على رأس هذه القوى الجماعة الإسلامية التي غيرت جانبا كبيرا من قناعاتها، وبدا البعض من قادتها أكثر مرونة من غيرهم.

لكن البعض من المراقبين شككوا في قدرتها على النجاح، نظرا لفقدانها تعاطف الجماهير المصرية، واتهامها بأنها تسعى إلى تنفيذ أجندات خفية لأطراف خارجية، وربما تكون تلعب لحساب الإخوان من وراء ستار، لإعادة الجماعة مرة أخرى إلى الحياة السياسية، من الأبواب الخلفية.

في ظل أزمة جماعة الإخوان، تسعى الجماعة الإسلامية لملء الفراغ في الساحة، وجاء مقال كتبه جمال سمك عضو الهيئة العليا لحزب البناء والتنمية، الذراع السياسية للجماعة الإسلامية، ليعزز خطوات أخرى جرت في السياق نفسه.

مقال سمك، وهو الأمين العام المساعد للحزب، نشره أخيرا على موقع الحزب وصفحته الرسمية، وأكد فيه أن الجماعة تعد نفسها لصدارة مشهد الإسلام السياسي المصري، مستغلة غياب الإخوان، وانشغالهم بأزمتهم الداخلية، وصراعهم مع الدولة، وتعثر حزب النور، كممثل للتيار السلفي، وفقدان بريقه داخل الحالة الإسلامية.

وقال متابعون لحركات الإسلام السياسي في مصر لـ”العرب” إن المقال يتجاوز النظر إليه كبالون اختبار، ويرقى إلى ما يشبه خطة عمل، أو “مانيفستو”، لعودة الجماعة إلى المشهد السياسي، حيث شدد على أن اعتزال العمل السياسي خيانة، ملمحاً إلى أن الجماعة الإسلامية تعرضت لابتزاز من جانب قوى أخرى، رغبت في دفع الجماعة إلى العنف من جديد “حتى لا يُسحب البساط من تحت أقدام هذه القوى”.

وعرض سمك لما يمكن اعتباره “سمات يتفردبها حزبه عن باقي تنويعات الطيف الإسلامي، بما يؤهله ليس فقط للعودة، وإنما للصدارة (أيضا)”.

مراجعات الإخوان في الستينات، لا تختلف عن مراجعات الجماعة الإسلامية الآن، وهي فشلت في اختبارات الواقع

وحظي المقال-الخطة بتفاعل واسع من أعضاء الجماعة الإسلامية، بعد أن قدم هذه الجماعة كفصيل معتدل وسطي يرفض العنف، وحاول محو الصورة الرائجة عنها بأنها ظهير الإخوان، وشريكة في أحداث العنف التي جرت الفترة الماضية، زاعما أن قياداتها قدموا النصح للإخوان مراراً، وعرض عدة مواقف لحزبه استدل بها على سعيه لإحداث التوافق بين التيار المدني والتيار الإسلامي.

لم يغفل سمك عرض ما يراه مميزات لحزبه، سواء من ناحية وفرة عدد النساء والأقباط المنضمين إليه، أو من ناحية التلميحات التي تتعلق بتصحيح الأوضاع والممارسات، ليدلل على أن الحزب مؤهل للعمل لصالح المجتمع بجانب جميع التيارات “سواء العلمانية منها، أو المسيحية، أو اليسارية، أو الإسلامية”.

وقد سبقت مقال سمك خطوات في المسار نفسه، منها مبادرة عبود الزمر، القيادي بالجماعة، التي دعت إلى التخلي عن مطالب الإخوان، والاعتراف بشرعية النظام الحالي، والاندماج في المشهد، علاوة على تكثيف الندوات والمؤتمرات الجماهيرية في المحافظات، والاحتفالية التي نظمها الحزب بمناسبة ذكرى مرور 20 عاماً على مبادرة الجماعة الإسلامية لإنهاء العنف في مصر، للتأكيد على الاستقرار ومصلحة الدولة والالتزام بمنهج المبادرة.

غير أن البعض من المراقبين بالقاهرة قالوا لـ “العرب” إن ما تفعله الجماعة الإسلامية استباق للأحداث، بعد أن تخوفت من تحركات جماعة الإخوان بالخارج، التي خففت من ارتباطاتها ببقية الفصائل الإسلامية، واتجهت نحو تقوية علاقاتها بالتيارات الأخرى، في إطار مساعيها لتحسين صورتها لدى الغرب.

ووسط الهجوم الإعلامي من الإخوان علي قيادات الجماعة الإسلامية، ومحاولة إلصاق العنف بها، وتحميلها هي وحدها مسؤولية تفشي العنف، كما فعل إبراهيم منير في جلسة استماع مجلس العموم البريطاني الشهيرة، خشيت الجماعة الإسلامية أن يتم تقديمها كبشَ فداء على مذبح عودة الإخوان إلى المشهد، ومن ثم سارعت إلى التحرر من التزاماتها للإخوان، وإعلان تلك المواقف من الداخل.

وكشفت مصادر سياسية لـ “العرب” عن هواجسها حيال تلك التحركات، واصفة إياها بـ”التكتيكية والمفتقرة إلى المصداقية والمنطق، مستدلة على ذلك بأن تراجعات الإخوان السابقة في ستينات القرن الماضي لا تختلف عن مراجعات الجماعة الإسلامية الآن، وهي المراجعات التي فشلت في اختبارات الواقع”.

ما تفعله الجماعة الإسلامية استباق للأحداث، بعد أن تخوفت من تحركات جماعة الإخوان بالخارج، التي خففت من ارتباطاتها ببقية الفصائل الإسلامية في إطار مساعيها لتحسين صورتها لدى الغرب

الحاصل أن الإعلان عن مسار تصحيحي جاء في توقيت ضعفت فيه جماعات الإسلام السياسي برمتها، وبالتالي فإن الهدف هو مجرد امتصاص الضربات، وإعادة ترتيب الأوراق لاستعادة القوة والتموضع، ثم العودة إلى نهج العزلة، والصراع على السلطة من جديد.

وهو ما يعد تكرارا لتصورات وتصرفات الإخوان، ومن خلال ممارسات الجماعة الإسلامية نفسها، عندما استقوت بالإخوان وتركيا وقطر، عقب مبادرتها التي أعلنت خلالها وقف الصدام والمظاهر العدائية ضد الدولة، لذلك لا تختلف العودة الجديدة عن سابقاتها.

الطامحون لخلافة الإخوان في المشهد السياسي المصري يواجهون عوائق وعقبات كثيرة، بحسب خبراء في الشأن الإسلامي، منها فقدان ثقة الشارع المصري في مجمل جماعات الإسلام السياسي، وتدني جماهيريتهم، وزيادة حدة الانقسام داخل تلك الجماعات، وتراوحها بين خطابات مرنة، وأخرى عدائية وتحريضية من الخارج.

والعقبة الأخيرة تتمثل في عما إذا كانت تلك العودة مرتبطة بالشأن الإقليمي، وهل هي فتح لنوافذ خلفية لاستيعاب الإخوان من جديد، بغرض دعم الحالة الإسلامية المتراجعة إقليمياً، خاصة أن الجماعة الإسلامية لم تعلن رسمياً الخروج مما يطلق عليه “تحالف دعم الشرعية” المؤيد للإخوان في مصر، ولا تزال قيادات الجماعة في الخارج تعمل ضمن كيانات ونشاطات يشرف عليها الإخوان، كما أن غالبية أعضاء الجماعة الإسلامية مازالوا على تأييدهم ودعمهم لمواقف جماعة الإخوان، ليس في مصر فقط، بل في مجمل ملفات المنطقة.

وهذا بالتحديد ما يثير مخاوف وتوجسات أجهزة الدولة الرسمية في مصر، بعد تحول الحالة الإسلامية بجماعاتها وفصائلها خلال السنوات الماضية من المحلية والعمل داخل حدود الدولة، إلى كيانات تخدم أجندات ومصالح قوى إقليمية، ما يسهل توظيفها في مشاريع قد تضر بالأمن القومي المصري والعربي.

13