ما حقيقة وجود مسرح أمازيغي

المسرح الأمازيغي الحديث واقع وحقيقة ولا يتوقف عند حدود اللغة.
الأحد 2021/01/31
المسرح الأمازيغي تطور على مرّ العصور

الأمازيغ شعب عريق بنى حضارته بشكل خاص في شمال أفريقيا، على امتداد البلدان المغاربية. وقد جاور الأمازيغ الكثير من حضارات العالم الأخرى مثل قرطاج وروما والحضارة الفرعونية وحضارات حوض المتوسط، وأثروا فيها كما أثرت فيهم، لكن ربما لطبيعة منطقتهم التي تلاحقت فيها الحروب أنهم لم يتركوا الكثير من إرثهم الثقافي كشواهد مادية، فيما اتجه أغلب موروثهم الثقافي إلى التناقل الشفوي. والبحث في الإرث الفني والثقافي الأمازيغي يعدّ مهمة صعبة اليوم، ولاسيما في ما يتعلق بالمسرح، الذي ليس هناك الكثير من الوثائق أو الشواهد حوله.

يحتفي الناقد المسرحي المغربي محمد لعزيز في كتابه “دراسات في المسرح المغربي الأمازيغي” برافد هام من روافد الثقافة المغربية المتمثل في المسرح الأمازيغي، حيث سعت قراءاته إلى إطلاع الجمهور الفني العربي عامة والمغربي خاصة على جذور المسرح الأمازيغي الفرجوي وبعض نماذجه المعاصرة.

ويؤكد لعزيز في عتبة مؤلفه، الصادر عن المعهد الملكي للثقافة الأمازيغية، أن الحضارة المغربية تميزت بتنوع روافدها الثقافية، وتعدد مشاربها الفكرية والفنية، ولم تكن الأمازيغية باعتبارها منظومة قيم متكاملة، سوى رافد ضمن روافد مغربية متنوعة: كالحسّانية، واليهودية العبرية، والعربية الإسلامية، والصحراوية والأندلسية، فضلا عن الآثار التي خلفها البرتغاليون والإسبان والفرنسيون في العصور القليلة الماضية دون الحديث عن الفينيقيين والرومان والإغريق والوندال وغيرهم من الأقوام الذين تركوا بصماتهم بهذا القدر أو ذاك في الجغرافيا والتاريخ بالمغرب خصوصا والشمال الأفريقي عموما.

محاولة في البحث عن الجذور الأولى للمسرح الأمازيغي في العصور القديمة لفهم تطوراته ومآلاته
محاولة في البحث عن الجذور الأولى للمسرح الأمازيغي في العصور القديمة لفهم تطوراته ومآلاته

خصوصيات فنية ولغوية

يقول الناقد “تميزت الأمازيغية بأصالتها وعمقها التاريخي، الذي يعود إلى قرون طويلة قبل الميلاد، وبشساعتها الجغرافية التي تمتد من غرب مصر وليبيا إلى بلاد بوركينا فاسو جنوب الصحراء، وغربا إلى جزر الكناري، وهي اليوم ملك لكل المغاربيين حيث ينتشر الإنسان الأمازيغي، وفي كل أقطاره”.

ولأن الكتاب يشتغل على المسرح الأمازيغي كما هو وارد في عنوانه، باعتباره فصيلا من فصائل المسرح المغربي، فإن لعزيز يؤكد أن النعت “الأمازيغي” يتجاوز قصر الحديث عن “اللغة الأمازيغية” في هذا المسرح فقط، من أجل تبين خصائصها، أو الاهتمام بالإنسان الأمازيغي الناطق بهذه اللغة بما هو فاعل في هذه الثقافة، وأساس نشأتها وتكونها، ولكن لأن ذلك النعت يحيل إلى تاريخ عريق، وتقاليد وحضارة ضاربة جذورها في جغرافيا وتاريخ الوطن، ليتحدد المعنى الذي يقصد إليه والمتساوق مع الطرح الانثروبولوجي بكونه “المنظومة العامة والمستقلة التي تتعلق بهوية حضارية ثقافية متكاملة الأبعاد”.

وأضاف “مع ذلك يظل المقصود بالمسرح الأمازيغي هنا هو ذاك المسرح الذي يتخذ من اللغة الأمازيغية وسيلة لتحرير خطابه، باعتبارها لغة وفكرا كما هو متداول في اللسانيات المعرفية، متجاوزا في ذلك إشكالات أخرى من قبيل وجود مسرح ينسب إلى الأمازيغ مكتوب بلغات أخرى كاليونانية أو اللاتينية، وليعاد أيضا طرح سؤال هوية هذا المسرح: هل هو المسرح الناطق والمكتوب بالأمازيغية؟ أم المسرح الذي مارسه وكتبه الأمازيغ بلغات البلدان والإمبراطوريات التي استوطنت بلادهم وتحكمت في رقابهم؟ تتجاوز هذه الأسئلة وغيرها مسألة التشكيك في طبيعة وخصوصية هذا المسرح، علما أن ذلك التشكيك لم يعد واردا حتى في المسرح الأمازيغي القديم كما يبين الكتاب في مباحثه الأولى”.

محمد لعزيز: أبحث عن حقيقة وجود فن مسرحي قائم الذات عند الإنسان الأمازيغي الذي استوطن وعاش في غرب شمال أفريقيا
محمد لعزيز: أبحث عن حقيقة وجود فن مسرحي قائم الذات عند الإنسان الأمازيغي الذي استوطن وعاش في غرب شمال أفريقيا

ويؤكد لعزيز أنه في ما يخص المسرح الأمازيغي الحديث، فلم يعد الجدل قائما حول منجزه الحاضر، لأنه أضحى واقعا حقيقيا، وأصبحت له مكانته الهامة في نسيج المسرح المغربي، وأثبتت بعض أعماله قيمتها في المشهد الثقافي المغربي.

وصحيح أنها بداية الطريق، كما يقول، غير أن خارطته ما فتئت تتوسع في المدن المغربية، بل وعلى طول شمال أفريقيا حيث يتواجد الأمازيغ، مسرح له كتّابه ومخرجوه وفنانوه وتقنيوه وجمهوره، إنه مسرح يترسخ ويمتد جغرافيا وتاريخيا وفنيا وجماليا، من ثمة كان الهم الأساس في الكتاب هو محاولة الإجابة عن الأسئلة التالية: ما هي خصوصيات هذا المسرح؟ وما مواصفاته؟ وما طبيعة تصوراته التي ينطلق منها وتلك التي يستهدفها؟

الكتاب في صميمه وفقا للعزيز محاولة في البحث عن الجذور الأولى للمسرح الأمازيغي في العصور القديمة، حين كان الأمازيغ جيرانا لحضارات عريقة كالحضارات الفرعونية والإغريقية والفينيقية، والتأثيرات المتبادلة مع كل حضارات البحر الأبيض المتوسط السابقة واللاحقة، وتأثير مسارحها في مسرح الشعب الأمازيغي، والتطورات الكبرى التي شهدها عبر العصور القديمة.

ولئن كان الهدف الأساس من ذلك هو لمّ شتات ما حفظه التاريخ عن هذه الممارسة الفنية والفرجوية من أجل توثيقها أولا، تم دراستها وقراءتها للتعريف بها وتقويم مسارها وإبراز وتشجيع نماذجها المعاصرة ثانيا، فإن المنطلق من وراء كل ذلك هو محاولة رسم معالم هذا المسرح التاريخية وتطوراته وتراكماته، وأيضا رسم المعالم المحددة لخطابه، وإثراء مضامينه وتخصيب أشكاله.

عوائق البحث

مسرح له رؤى خاصة
مسرح له رؤى خاصة

يقول الناقد إن “التعرف على المسرح الأمازيغي يستند في عمقه إلى مبدأ البحث عن جذوره التاريخية المرتبطة بالوجود الأمازيغي العريق، وبالهوية المتأصلة في أنماط فرجات الإنسان الأمازيغي المعبرة عن أعماقه وعن حقيقته، اعتقادا مني أن الفرجات والفن عموما أسمى تعابير الإنسان عن الحياة بدقائق أمورها، وامتداداتها وقيمها الراصدة للتجربة الإنسانية؛ على هذا الأساس راحت أبحث عن حقيقة وجود مسرح أمازيغي عند الإنسان الأمازيغي الذي استوطن وعاش بغرب شمال أفريقيا”.

ويعترف لعزيز أن عوائق شتى حالت دون الضبط الكامل لموضوع اشتغاله، على رأس تلك العوائق غياب النصوص المكتوبة عبر سيرورتها الزمانية، والآثار التي خلفتها الحضارات المتعاقبة في ما كان يعرف بـ”موريطانيا الطنجية”.

 وهذا الأمر مسّ اشتغال كل الباحثين المغاربة حين غابت الوثيقة، والمخطوط والمكتوب والآثار المتبقية عنه، والأكيد أن ذلك لا ينبغي أن يثني الأجيال اللاحقة من المؤرخين واللسانيين والفلاسفة والمنقبين والاستغرابيين والباحثين المغاربة عن النبش في التراث الأمازيغي عامة، والبحث عنه في المكتبات الأوروبية، والنبش في الحفريات والآثار الدفينة في التربة المغربية، والتنقيب عن النقائش والمعطيات التاريخية والأثرية، وعن كل ما يشكل المرحلة التأسيسية للمسرح المغربي القديم.

المسرح الأمازيغي هو إما الذي كان باللغة الأمازيغية وإما الذي كتبه الأمازيغ بلغات أخرى كاليونانية أو اللاتينية

ويوضح أن الباحثين المغاربة اليوم هم في بداية هذه الطريق، التي ينبري لها جيل من الأكاديميين الشباب الذين راحت أعمالهم تسد النقص في المعلومات المصدرية، بالبحث في كل المجالات ومنها المجال الثقافي والفني عموما والمسرحي خصوصا.

ويرى أن العثور على شذرات متفرقة، ومعلومات قليلة ومتناثرة للتراث الأمازيغي الموغل في القدم لا ينتقص من قيمة الثقافة والفن الأمازيغيين المتوارثين والمتداولين بين المغاربة اليوم، ذلك أن هناك العديد من الحضارات خلفت للإنسانية تراثا أدبيا ضخما وقيما غير مكتوب، وغير مدون يدخل في ما يعرف بالأدب الشفاهي، وهو لا يقل قيمة عن نظيره المكتوب والمدون، دون أن نتحدث عن فن العمارة الموروث باعتباره هو الآخر لغة راسخة وشامخة لا تزال شاهدة على عراقة الحضارة الأمازيغية في شمال أفريقيا.

في الشق الأول من الكتاب حاول لعزيز الاتكاء على التاريخ لمحاولة تلمّس تلك الشذرات للمغاربة الأمازيغ، فوصل إلى حقيقة أولية مفادها أن الأمازيغ في شمال أفريقيا لم يحفظ التاريخ كل أنشطتهم الفنية بموجب موقع بلادهم الذي كان عرضة لحروب لا تنتهي إلا لكي تبدأ، ومع ذلك فهناك كتابات كثيرة أجنبية إغريقية ولاتينية دونت بعض حلقاته التاريخية، علما أن الأمازيغ كتبوا بعدة لغات متوسطية كـ”البونية (القرطاجية) والإغريقية واللاتينية”.

 لقد كانت هناك كتابات بالأمازيغية في الخزانات العلمية للملوك المحليين وفي خزانات قرطاج، يبحث عنها المغاربيون اليوم في المكتبات الأوروبية، ومنها الإيطالية على الخصوص “الفاتيكان”، بينما يبحث آخرون في النقائش الأركيولوجية والآثار المغربية نفسها بما يسعف في تحقيق الوصول إلى حقائق تاريخية لهذا المسرح، والتي قد يكون الأجانب الأوروبيون في القرون الأخيرة سببا في طمس معالمها بموجب اهتمامهم بالجوانب العسكرية والسياسية وتدوين انتصاراتهم، فتناسوا الجوانب الأخرى، ومنها ما نحن بصدده “المسرح”، لذا وجب على الباحثين المغاربة إعادة قراءة تاريخنا خدمة للثقافة المغربية بكل تجلياتها.

وقد خصص لعزيز شقا ثانيا من هذا الكتاب لدراسة ذلك التراث الشعبي الزاخر والممتد في الزمن وتعدد مظاهره الفرجوية والاحتفالية الموروثة، والمشكلة من التقاليد والعادات الأمازيغية متباينة الأصول الجغرافية والدينية، والمعبرة عن واقع الإنسان الأمازيغي في ارتباطه بالظواهر الطبيعية، وبالأرض وبالأوضاع الاجتماعية والسياسية التي عاشها ويعيشها، والتي تباينت الرؤى حول عجزها عن التحول إلى مسرح، وغير ذلك من القضايا التي تطرحها تلك الفرجات والاحتفالات الشعبية.

مسرح معاصر

الأمازيغية منظومة قيم متكاملة
الأمازيغية منظومة قيم متكاملة

بالإضافة إلى ذلك، خصص لعزيز جزءا آخر من الكتاب للمنعطف المسرحي المغربي الأمازيغي مع قراءة بعض نماذجه المعاصرة من قبيل مسرحية “بيريكولا” لفرقة تفسوين للمسرح الأمازيغي بالحسيمة، ومسرحية “التعرّي قطعة قطعة” لفرقة الريف بالحسيمة، ومسرحية “أمناي” لفرقة محترف آفاق الجنوب الدرامية بأغادير.

 ووفقا له “هي نماذج لأعمال ما فتئت ترسخ المسرح الأمازيغي في المشهد المسرحي المغربي سواء بفرض ذاتها كأعمال جديرة بأن تشارك في المهرجان الوطني الذي يقام كل سنة بعدما كان مغيبا في دورات كثيرة سابقة، بل وفوز بعض الممثلين الأمازيغ بجوائز في هذا المهرجان. كل ذلك شكل مدعاة للالتفات للمسرح الأمازيغي الذي بدأ يشكل انعطافة هامة في المسرح المغربي بدأت بعض نماذجه تزاحم فنيا وإبداعيا باقي النماذج العربية والحسانية”.

ويلفت لعزيز أنه لم يتناول غير بعض الأعمال باعتبارها نماذج لمسار جديد للمسرح الأمازيغي، حيث لم يكن من هدف وراء كل ذلك سوى تجاوز ضعف عمليتي التوثيق والتأريخ للتجربة المسرحية المغربية الأمازيغية الحديثة، والخوف من تعطيل الدينامية التي انطلقت بها تلك التجربة، وبالتالي الرغبة القوية في مواكبة هذه التجربة بقدر المستطاع ودعوة القراء المغاربة إلى الإسهام القوي والفعال في مواكبة المسرح الأمازيغي الحديث.

ومن مواد الكتاب نجد العناوين التالية: نظرة عن المسرح المغربي القديم ويقصد به الكاتب المرحلة البدائية للممارسات الفرجوية، ثم المسرح الأمازيغي على العهد الروماني، والأشكال الفرجوية الأمازيغية: مسرح مغربي شعبي قرأنا من خلاله تلك النماذج التي يدعوها النقد المغربي بالأشكال ما قبل المسرحية، ومقال خاص حول البدايات الأولى للمسرح الأمازيغي بالمغرب، وأخيرا قراءة نقدية لثلاثة أعمال من المسرح الأمازيغي الحديث منها: قراءة في مسرحية “بيريكولا” للمخرج أمين ناسور، وقراءة في مسرحية “التعرّي قطعة قطعة” للمخرج يوسف العرقوبي، وقراءة في مسرحية “أمناي” للمخرج آيت سي عدي من مدينة أغادير جنوب المغرب.

أعمال أمازيغية فرضت نفسها
أعمال أمازيغية فرضت نفسها 

 

13