ما حك جلدك..

الكل يعرف أن أنظمة من نوع نظام الملالي لا تسقط بعقوبات، بل ولا تسقط حتى ولو انهار الاقتصاد برمته. القمع موجود. والتبرير السماوي موجود. ومطايا القناعات موجودون، ويمكنهم سحق أي تمرد بأكثر مما سحق بشار الأسد شعبه.
الثلاثاء 2019/05/21
تواطؤ في الخفاء، وعداء في العلن

أمضى سيمور هيرش، الصحافي الاستقصائي الأميركي الشهير، القسط الأكبر من الثلاثين عاما الماضية وهو يروج لفكرة أن الولايات المتحدة سوف تقوم بتوجيه ضربة عسكرية لإيران. وغالبا ما كانت مقالاته تملأ بعض صحفنا بالخطوط العريضة. لم أصدقه ولا حتى ليوم واحد.

ما كتبه في ذلك كثير جدا. وهو دائما ما كان يستند في معلوماته على مسؤولين في المخابرات المركزية، يكشفون له أسرارا، ومسؤولين في الإدارة الأميركية يثردون له الخطط. وابتداء من جيمي كارتر، مرت سبع إدارات مختلفة والضربة المزعومة لم تقع. ما وقع هو العكس دائما. إيران هي التي كان توجه ضربات للمصالح وللقوات الأميركية. ومنذ تفجير مقر المارينز في بيروت عام 1983، والذي سقط فيه 241 جنديا أميركيا، فإن الولايات المتحدة لم تقتل ذبابة في إيران. حتى أنها لم تندفع إلى اعتبار إيران دولة راعية للإرهاب إلا كغطاء مهلهل لمفاوضات سرية لم تنقطع أبدا.

الغزل من جانب واشنطن كان هو سيد الموقف دائما. وهو ما انتهى باتفاق نووي أقر من الناحية الواقعية بأن إيران تستطيع أن تحافظ على برنامج نووي، وأن تطور مشروعا في هذا الاتجاه. والكل يعرف أن تخصيب 10 بالمئة من اليورانيوم، لا يختلف من حيث الخبرات عن تخصيب 95 بالمئة. المعرفة هي الأساس. أما التقنيات فيمكن توفيرها.

لم يكن ذلك هو الجائزة الأهم. فإيران إنما تمددت في العراق تحت مظلة الاحتلال الأميركي. وأقامت نظاما تابعا لها، بإشراف ورعاية مباشرة من جانب الإدارات الأميركية ومسؤولي المخابرات الذين ظلوا يقولون لسيمور هيرش إنهم يخططون لضرب إيران.

ميليشيات إيران في العراق إنما كانت تُموّل مباشرة من بول بريمر. عشرات المليارات من أموال “النفط مقابل الغذاء” التي كانت تجمعها الأمم المتحدة خلال سنوات الحصار ضد العراق، ذهبت حصرا لبناء تلك الميليشيات، ولإقامة نظام سياسي قائم، برمته، على الفساد وعلى الولاء لإيران.

الاتفاق الأمني بين الولايات المتحدة وجمهورية آية الله في العراق، اقتسم المصالح والامتيازات، وحدد قاعدتي اللعبة: تواطؤ في الخفاء، وعداء في العلن.

وتدبرت الميليشيات التابعة لإيران كل متطلبات الهيمنة، ومئات الآلاف من جرائم القتل وأعمال التنكيل الجماعي، والتهجير والتزوير، تحت إشراف القوات الأميركية. بل إن هذه الأخيرة كانت تحارب مع تلك الميليشيات على الجبهتين معا: معارك التنكيل التي هدمت مدنا بأسرها وحولت مواطنيها إلى سبايا. وتعذيب من وقع أسيرا، واغتصاب النساء والرجال، لا فرق! في سجون مثل أبوغريب، وفي العراء، على حد سواء.

وعندما اندلعت الأزمة في سوريا، فقد كان من الواضح تماما أن تمدد إيران هناك تم هو الآخر بغض نظر، إن لم نقل بغطاء أميركي مباشر. فالقوات الإيرانية، كانت تمر عبر العراق، ولم تهطل على سوريا من كوكب المريخ. ولو لم يكن الأمر قد حظي بترخيص من واشنطن، لكان من الجدير بأزمة أن تندلع منذ بدايات التدخل الإيراني، وليس الآن.

ولئن حرك الرئيس دونالد ترامب قطعا بحرية إلى الخليج العربي، فقد أرسل أرقام التلفونات أيضا. وعندما قامت إيران بالاعتداء على السفن الأربع في الفجيرة وبعض خطوط النفط في السعودية، فقد خيم الصمت على واشنطن لأيام، وكأن الإدارة ومسؤولي المخابرات نيام.

لماذا تفعل واشنطن ذلك؟ ما هو السر؟

السر معلن، من الأساس. وجود تهديد إيراني، يحقق للولايات المتحدة الكثير من المصالح والأهداف. وكلما اتسع الخطر الذي تمثله إيران على المنطقة، كلما كان ذلك أفضل.

ولئن كان الإرهاب نوعا من ناتج عرضي، تلقائي، للتوسع الإيراني، فإنه هو نفسه كان مفيدا أيضا.

مبيعات الأسلحة جزء بسيط من القصة. التحكم بمسارات التدهور أكثر نفعا من تلك المبيعات. ووهن الإرادات، بانتظار “غودو” الذي يجيء ولا يجيء، أكثر وأكثر نفعا.

نعم، هناك عقوبات اقتصادية فاعلة إلى حد ما، إلا أنها مفيدة هي الأخرى، للإبقاء على التوتر قائما، ولصناعة قصص وتهديدات تمر من تحت أنف “الإدارات” و”مسؤولي المخابرات”، الذين لا يزالون يثردون الخطط في صحن من يرغب بأن يشتري الأوهام.

الكل يعرف على أي حال أن أنظمة من نوع نظام الملالي لا تسقط بعقوبات، بل ولا تسقط حتى ولو انهار الاقتصاد برمته. القمع موجود. والتبرير السماوي موجود. ومطايا القناعات موجودون، ويمكنهم سحق أي تمرد بأكثر مما سحق بشار الأسد شعبه. ومن الأساس، فالميليشيات الإيرانية في سوريا، إنما كانت تلقن الإيرانيين درسا، قبل السوريين.

هناك شيئان جيدان في تلك الأوهام. هو أن ننخدع لها، دون أن ننخدع بها. وأن تدفعنا للقبول بعبقرية القول: ما حك جلدك مثل ظفرك.

نحن من يجب أن يعمل على إسقاط نظام إيران. وخذ بالاعتبار، فعندما حاولنا ذلك، كانت واشنطن تبيع أسلحة لطهران.

9