ما داعش

الاثنين 2014/07/21

رعب كبير وغير مسبوق، لكنه الرعب الذي لم يسقط علينا فجأة من السماء؛ جحيم يوشك أن يحرق اليابس والأخضر، فلا يبقي ولا يذر، لكنه الجحيم الذي ساهمنا في صناعته؛ إعصار قد يدمر كل شيء فلا يترك حجرا على حجر، لكنه وَجد عندنا بيئة حاضنة ومناخا ملائما؛ وحش كاسر، خرج من بيئتنا ورهاناتنا وحساباتنا ثم انفلت من عقاله، ليعمل لحسابه الخاص أو بلا حساب.

قبل سنوات عدّة بعث الزّعيم الإسلامي المغربي عبد السلام ياسين برسالة إلى الملك الحسن الثاني تحمل عنوان «الإسلام أو الطوفان»، ولعله كان يقصد «الإسلام السياسي أو الطوفان». الآن اكتملت الصورة: الإسلام السياسي هو منبع الطوفان.

وجود إسلام سياسي حاكم أو شبه حاكم في المغرب وتونس واليمن وليبيا، وقبل ذلك في مصر، لم يوقف طوفان التطرف الديني. لماذا؟ لأن التوظيف الأيديولوجي للإسلام لا يصدّ التوظيف الأيديولوجي للإسلام، بل يفتح باب المزايدة. وحتى في سوريا فإن هيمنة الإخوان على المعارضة لم يوقف تسونامي النصرة ثم داعش التي تكاد تبتلع الثورة.

قبل أيام، كان أنصار الشريعة في تونس قرّروا مبايعة داعش على السمع والطاعة. بوكو حرام في نيجيريا فعلتها، في بعض المناطق السورية بايعت تنظيمات النصرة داعش، عشائر من سوريا والعراق فعلتها. الإحصائيات الرسمية في المغرب تؤكد وجود أكثر من ألفي مغربي ضمن مقاتلي داعش في سوريا والعراق. نفس الرقم بالنسبة إلى التونسيين. إلى أين نحن ذاهبون؟

تبقى الجوانب الأمنية على قدر كبير من الأهمية، لكنها لا تكفي. قلناها مرات إن الخطاب ينتج أفعالا ولو بعد حين، وإن الخطاب الديني الشائع في مدارسنا ومساجدنا وتلفزاتنا مسؤول عن إنتاج العنف والتعصب بصرف النظر عن نواياه، والخطاب الديني الذي يعادي المرأة والأقليات والعقل والحريات، يحمل بذور الإرهاب والتطرف.

داعش لم تسقط علينا من السماء، إنها محصلة كل الذين بشّرونا بالخلافة وجعلوها أصلا من أصول الدين، بل سموها تحديدا بالخلافة على منهاج النبوة، والتي ستعقب في نظرهم مرحلة الملك العضوض، وهي ثمرة كل الخطب التي كانت تقال على مسامع الجميع، وكان الكثيرون يظنون أنها مجرد أضغاث أوهام ستتلاشى وشيكا. الأوهام لم تتلاش في الأخير بل صارت واقعا مرعبا.

داعش ثمرة مرّة لآرائنا ومواقفنا وتصوراتنا، ثمرة مرّة لمسار انحداري طويل، بدءا من الأزارقة والحشاشين وابن حنبل و«شيخ الإسلام» ابن تيمية، مرورا بالمودودي وقطب والقرضاوي، مرورا بالعرعور والعريفي والحوني، مرورا بابن لادن والظواهري والزرقاوي، مرورا بخطب الحقد والكراهية في مساجدنا وإعلامنا وتعليمنا، مرورا بترددنا أمام استحقاقات الحداثة، مرورا بصمتنا وخوفنا وفسادنا وأنانيتنا، مرورا بولائنا وبرائنا ونفاقنا الديني، مرورا بالمزايدة بالدين وباسم الدين على طريقة “الإسلام هو الحل” و”الشعب يريد تطبيق شرع الله”، وانتهاء بدولة الرعب القادم، دولة داعش ومشتقاتها.

داعش ثمرة خطاب الوسطية نفسه، الخطاب منزوع المواقف، الذي يريد الدولة الدينية ويقول ليس الآن، يريد تطبيق الشريعة ويقول ليس الآن، يريد أسلمة العالم ويقول ليس الآن، يريد عودة الخلافة ويقول ليس الآن. والآن تأتي داعش لتقول، ولمَ ليس الآن؟ أليس الإسلام صالح لكل زمان ومكان؟ فهل يُستثنى الآن من ظرف الزمان؟

لم ينبر إلا القليل من الفقهاء والعلماء للرد على داعش. لكن هل من بينهم واحد استطاع أن يرد بمرجعية فقهية واضحة؟ لا أحد. الفخ الذي يقع فيه الكثيرون هو اعتبار الخلافة أصلا من أصول الدين، بمعنى أنّ وجود خليفة واحد لكافة المسلمين ضرورة شرعية. بينما المؤكد تاريخيا أن الخلافة محض اجتهاد للمسلمين، وأن أبا بكر سمي بخليفة رسول الله اجتهادا، ثم احتار المسلمون في تسمية عمر، هل سيسمونه خليفة خليفة رسول الله؟ فاتفق الرأي على تسميته بأمير المؤمنين.

المعضلة أن تراثنا الفقهي الذي تنهل منه تيارات الإسلام السياسي ينتمي إلى العصر الإمبراطوري، في حين أن العالم انتقل منذ زمن إلى عصر الدولة الوطنية. فهل أنتجنا خطابا دينيا يناسب مرحلة الدولة الوطنية، أم أننا لا نزال ندور في فلك مفاهيم البيعة والجماعة والجهاد ودار الحرب ودار الإسلام؟

داعش ثمرة جهلنا وتخلفنا ومفاهيمنا وأوهامنا. داعش هي نحن بلا قناع.


كاتب مغربي

9