ما دلالات مصطلح "المجتمعات المحافظة" في السياق العربي

المحافظة عربيا: شرف ظاهري يبقي العار مخفيا بأي ثمن.
السبت 2021/09/25
مقدار كل لون يحدد النوع الفعلي لثقافة المجتمع

لطالما أثار مصطلح "المجتمعات المحافظة" جدلا كبيرا ويبحث علماء الاجتماع عن المقصود بتلك التسمية وكيف صنفت مجتمعات نفسها محافظة وما هي المعايير التي اعتمدتها لتصنيف نفسها. وعند الحديث عن المجتمعات المحافظة فهذا يعني الحديث عن مفهوم واسع ذي أطر متعددة يتبعها التزام بالأخلاقيات والسلوك السوي والعمل وفق منظومة منهجية وضعها المجتمع. وتعني المحافظة عربيا ألا يلحق العار بالمجموعة وبأي ثمن كان.

تحدث الأديب السوري الراحل كاظم الداغستاني عن قصة زوج عربي أمسك بزوجته في فراش الزوجية مع رجل آخر.

قام بسحب مسدس ووجهه نحو الثنائي بينما كان يخاطب الرجل قائلا “يمكنني قتلك برصاصة واحدة، لكنني سأدعك تذهب إذا أقسمت أن تحافظ على سرية العلاقة التي كانت بينك وبين زوجتي. إذا تحدثت عن ذلك، فسوف أقتلك”. أقسم الرجل تلك اليمين وغادر الزوج وطلق زوجته دون إفشاء السبب. لم يكن معنيا بفقدان زوجته أو عقابها بل بسمعته. إن الخزي العلني وليس طبيعة الفعل نفسه أو مشاعر الفرد هو الذي حدد فعله بوصفه ينتمي لمجتمع محافظ.

تتحدث قصة أخرى عن شيخ كان نائما تحت النخلة عندما رآه شخص فقير للغاية وسرق عباءته الباهظة الثمن. في الصباح غضب الشيخ فطارد أتباعه اللص وقدموه للمحاكمة. عندما سئل عن تفسير، قال المتهم “نعم، لقد سرقت هذه العباءة. رأيت رجلا نائما تحت شجرة، لذلك أقمت معه علاقة جنسية أثناء نومه ثم أخذت العباءة”. أجاب الشيخ على الفور “هذه ليست عباءتي”، وأطلق سراح السارق على الفور.

تملي المجتمعات العربية ما هو مقبول وما هو غير مقبول. وإذا تصرف شخص ما ضد المجتمع، فهذا يعني أنه يتصرف بشكل مخز، ولكن ليس بالضرورة بشكل خاطئ في نظر الله.

علماء الاجتماع يؤكدون أن ثنائيات الخوف والقوة، العار والشرف، الذنب والبراءة، تمثل لبنات بناء أي مجتمع

يستخدم رجال هذا التبرير مثلا عندما يعيشون في ما يعتبرونه أمة غربية “غير أخلاقية”. يمكنهم المشاركة في شرب الكحول والمغامرات الجنسية، لأن المجتمع الذي يعيشون فيه لا يعرّف هذا بأنه مخز. قد يكون هناك شيء مخجل في الداخل، لكن عندما يكون في ظروف مختلفة، قد يتصرف العربي بشكل مختلف. حتى أن هناك مثلا يقول “حيثما لا تعرف، افعل ما تشاء”.

ثنائية العار والشرف

أدرك علماء الاجتماع أن هناك ثلاثة مفاهيم اجتماعية موجودة منذ أقدم العصور مثلت نظرة المجتمعات لنفسها وللعالم من حولها تتمثل أساسا في ثنائيات هي الخوف والقوة، العار والشرف، الذنب والبراءة. هذه المفاهيم، في جوهرها، لبنات بناء أي مجتمع. لكل مجتمع طرقه الخاصة في التعامل مع هذه القضايا. ولكل من هذه القضايا أهمية مختلفة، اعتمادا على التركيب الثقافي لذلك المجتمع. إنها مشابهة للألوان الثلاثة الأساسية التي يمزجها الفنان لصنع كل ألوان الكون. يمكن مزج الألوان الأساسية الثلاثة لتكوين 64 مليون لون آخر. بالطريقة نفسها توجد اللبنات الأساسية الثلاث في جميع الثقافات ووجهات النظر العالمية، ولكن مقدار كل منها موجود، يحدد النوع الفعلي لثقافة المجتمع التي تظهر.

لا أحد منا يعيش في نفس الثقافة بالضبط. تختلف الثقافة من مدينة إلى أخرى ومن عائلة إلى أخرى وأحيانا من فرد إلى آخر. كلنا مختلفون. نحن مصنوعون من أقمشة مختلفة وتتكون من التجارب المختلفة التي تأتي في حياتنا على أساس يومي لكن المجتمعات العربية تعمل بشكل كامل تقريبا ضمن نموذج رئيسي واحد. وتقول الباحثة العربية في علم النفس العربي سنية حمادي إن “المجتمع العربي مجتمع قائم على العار”. وتابعت “هناك ثلاثة أسس للمجتمع العربي، العار والشرف والانتقام”. وتؤكد “في المجتمعات العربية من فعل عملا مخزيا عليه أن يخفيه، لأن الكشف عن عار هو ارتكاب عار آخر”. هناك مثل عربي يقول “العار المستتر يغفر الثلثين منه”.

ورغم أنه قبل بضع سنوات، كان العرب يكرهون التحدث عن ثقافتهم. فقد تغير هذا اليوم، الآن هناك علماء نفس عرب ووسائل إعلام عربية يتحدثون علانية عن ثقافتهم.

عقلية المجموعة

المجتمع العربي يتخلله نظام العلاقات المتنافسة

لطالما عاش العرب دائما في مجموعات ويميلون إلى فعل كل شيء بعقلية جماعية. الأسرة الممتدة الأكبر تشكل مجموعة واحدة، وتجمع كل الأقارب الذين يشكلون القبيلة.

يحدد العرب علاقاتهم مع الآخرين من حيث القريب والبعيد. أولئك الذين تربطك بهم قرابة بالدم قريبون، وأولئك من قبائل أخرى بعيدون. يمكن جلب الناس إلى علاقة وثيقة من خلال الزواج أو التبني.

ومن أعلى إلى أسفل، يتخلل المجتمع العربي نظام العلاقات المتنافسة. هذا لأنه في نظام القيم العربي، تُعطى القيمة والمكانة الكبيرة للقدرة على السيطرة على الآخرين. ينتهز منافسو مجموعة معينة بسرعة أي “عار” لتدمير تأثير المجموعة الأخرى. إذا هاجمت إحدى القبائل شرف قبيلة أخرى، فستستجيب القبيلة بأكملها من أجل حماية مكانة الشرف.

يخشى العرب العزلة لأن فردا أو مجموعة صغيرة لا يستطيعون العمل بفعالية إلا عندما يتم تحديدهم مع مجموعة أو هيئة كبيرة يمكن أن توفر الحماية لهم. يمكن أن يُعزى هذا الخوف من العزلة إلى الخوف الذي كان يشعر به البدو من العزلة وتركهم كأفراد أو مجموعات صغيرة لتدافع عن نفسها في بيئة صحراوية قاسية ومعادية. من خلال التمسك ببعضهم البعض، يمكن للأفراد أن يوفروا الحماية لبعضهم البعض. وهكذا أصبحت العلاقات والوحدات الأسرية ذات أهمية قصوى في معرفة من يمكنك الوثوق به، ومن سيقف إلى جانبك إذا هاجمتك قوة خارجية.

وفي المجتمعات العربية يؤدي الفشل في الانصياع لأوامر المجموعة إلى العار. غالبا ما يصعب على الغربيين فهم هذا الأمر فالمجتمعات العربية تقدر الامتثال. معنى الإسلام هو التوافق مع نقطة الخضوع. الهدف الأساسي للصلاة الجماعية والصوم الجماعي في شهر رمضان هو فرض التوافق على الجميع. هناك مثل عربي يؤكد أن “الابتكار أصل كل شر”. إذا فشل المرء في الامتثال، يتم انتقاده في البداية، وإذا رفض الامتثال يصمه المجتمع بالعار.. هذا العار قد يورث لأجيال.

وفي حالة الشرقيين الآخرين الذين لديهم ثقافات مماثلة لثنائية العار/الشرف، غالبا ما يركز الفشل على الفرد وليس على المجموعة، على سبيل المثال، قد يضع رجل أعمال ياباني حدا لحياته عندما يواجه خجلا هائلا. وفي المجتمعات العربية سيلقي رجل أعمال يواجه عار اللوم على غيره ويرد عليه بعنف.

في المجتمعات العربية يؤدي الفشل في الانصياع لأوامر المجموعة إلى العار. غالبا ما يصعب على الغربيين فهم هذا الأمر فالمجتمعات العربية تقدر الامتثال

نتيجة لذلك، من السهل جدا الإساءة لعربي عن غير قصد. لدى العرب قواعد سلوك مفصلة للغاية، ويمكن أن يؤدي انتهاكها إلى الإساءة. إذ يمكن أن يحدث العار أيضا عندما لا يتم التعامل مع العربي كحالة خاصة. إنه يتوقع أن تكون أي قاعدة مصممة لتناسب ما يناسبه. إنه يتوقع أن يكون هو المفضل، ويجب على أصدقائه أن يؤكدوا له باستمرار أنه يحظى بالأهمية أكثر من الآخرين.

التربية القائمة على العيب

إن الكلمة الأكثر شيوعا في العالم العربي هي “عيب” يتم استخدامها بشكل متكرر في تربية الأطفال وعادة ما يعني “عار عليك” أو “هذا عار!” عادة ما يُلقى الأطفال الذين عصوا أو تصرفوا بطريقة غير محترمة محاضرة تبدأ وتنتهي بكلمة “عيب”.

التعليمات حول العار لا تقتصر على الأقارب فقط. يمكن لأي شخص تقريبا توجيه الأطفال وإخبارهم أن ما يفعلونه مخجل، وعادة ما يستجيب الأطفال بشكل إيجابي وليس سلبيا. فرضت قوة الاستخدام السلبي للعار ردود فعل إيجابية في حياة الناس. يتعلم الأطفال في وقت مبكر جدا أن سلوكهم الشخصي يمثل جزءا من شرف العائلة بأكمله. وبمجرد اكتساب هذا الشعور بالشرف، يبقى مع الشخص طوال الحياة.

وتحت ستار “الشرف”، تنفذ سنويا الآلاف من جرائم القتل بحق المرأة. وربما تتزايد نسب تلك الحالات نتيجة سرعة تداول والكشف عن المعلومات، إلا أن القوانين مازالت جامدة في التعامل مع تلك القضايا وأمثالها خوفا من الاصطدام بمجتمعات محافظة أساسها ثنائية العار والشرف.

وتقول علياء شكري أستاذة علم الاجتماع والعميد الأسبق لكلية البنات جامعة عين شمس بمصر، إن “مشكلة جرائم الشرف المتعلقة بالمرأة وبشكل خاص في المجتمعات الشرقية والعربية تكمن في عمليات التمييز بين الرجل والمرأة، واعتبار الرجل هو المسؤول الأول والأخير في القيام بتلك المهمة”.

وأضافت أن “القوانين ليست هي الحل في مثل تلك القضايا المتوارثة، جرائم الشرف هي قضية

اجتماعية في المقام الأول تتعلق بالثقافة المجتمعية، لذا علينا العمل على تغيير تلك الثقافة أولا، لأن من يطبق القوانين تربوا في ظل تلك الثقافة المجتمعية”.

مستور الحال

في الثقافة العربية يجب تجنب الخزي بأي ثمن
في الثقافة العربية يجب تجنب الخزي بأي ثمن

في المجتمعات العربية عندما تسأل شخصا عربيا “كيف حالك” تحصل كثيرا على الجواب الآتي “مستور الحال” وهذا يعني أن كل شيء على ما يرام، وأنا وعائلتي لا نشعر بالخزي. كل العار مغطى.

هناك أيضا كلمة عربية مستخدمة على نطاق واسع وهي “الحشمة” والتي تعني الخجل والحياء.

في الثقافة العربية، يجب تجنب الخزي بأي ثمن. يجب أن يكون مخفيا. إذا تم الكشف عنه، فلا بد من الانتقام. بأي ثمن، يجب استعادة الشرف.

إن السعي إلى الانتقام في حالات العار يجعل “السلام” قيمة ثانوية في الثقافة العربية التقليدية، عند مقارنته بدرجة المشاعر التي يثيرها الخزي والانتقام. وقد أدى ذلك إلى الانطباع الغربي بأن السلام في السياق العربي هو مجرد غياب مؤقت للصراع.

في المجتمع القبلي العربي، حيث نشأت القيم العربية، كانت الفتنة هي الوضع الطبيعي للأمور لأن الغارات كانت إحدى الدعامتين الرئيسيتين للاقتصاد.

الجانب الآخر من العار هو الشرف، وكل عربي يرغب في أن يكون ويصبح أكثر شرفا. ولطالما اعترف علماء الاجتماع من الثقافات العربية والإسلامية بالعلاقة بين العار.

وفي كثير من الحالات، يعني غياب العار حضور الشرف. الالتزام بالأعراف الاجتماعية هو أقصى ما يمكن للحفاظ على شرف الشخص وبالتالي شرف المجموعة.

إن الخوف من العار بين العرب قوي للغاية لأن التماهي بين الفرد والجماعة أقوى بكثير مما هو عليه في أي مكان آخر من العالم وهو ما يجعل منهم مجتمعات محافظة، لأن العرب يفكرون بعقلية جماعية إذ أن أهمية المجموعة أكبر بكثير من أهمية الفرد. وإذا كان الفرد في وضع الخجل، فإنه يفقد نفوذه وسلطته ومن خلاله ستعاني مجموعته بأكملها بالمثل، ربما إلى حد الدمار.

20