ما دلالة الخربشة على الورق

الخميس 2017/07/13

عندما ينتابنا الملل من خطبة مسهبة أو مكالمة مزعجة من شخص ثقيل الظل أو يطول بنا انتظار موعد، عادة ما نميل إلى الخربشة على أي ورق أمامنا ولو كان جريدة أو فاتورة تسديد ما استهلكناه في مقهى، فنخط أشكالا وخطوطا بصفة آلية دون سابق تخطيط، ثم نتركها في مكانها أو نلقيها في سلة المهملات. فهل تعبّر تلك الحركة عن علاقتنا بالعالم، أم هي مجرد وسيلة لملء الفراغ ودرء السأم؟

في كتابه “شعرية الفضاء”، يفسر غاستون باشلار تلك الحركة العفوية بكونها ميكانيزمًا لاإراديًّا، لحظة حيرة يجد فيها خيالنا مجالا للتعبير خارج الأطر، فنعود إلى طفولتنا حين كنا نرسم عفويا ونحن نحلم والقلم بأيدينا، لنغطي الكون بصورنا المعيشة. أما جيل دولوز، فيرى في تلك الخطوط محاولة الإنسان للبقاء حتى بعد موته، وإدراج نفسه في خلود يناهض التردّي البطيء للزمن المعيش، ويضيف في “كتاب الألفباء” أن الفن، أيا ما تكن قيمته، هو عملية قول وتحرير لقوة حياة، والخربشة، شأنها شأن أي فن، هي سعي لتحرير الحياة من السجون التي بنيناها.

كذلك هيغل في “الإستطيقا” فهو ينفي أن تكون تلك الحركة مجانية، لأن الإنسان عندما يخربش على ورقة، إنما يضفي على المادة روحانية ينطبع عليها فكره، ويحقق تلك الغاية بتحويل الأشياء الخارجية، التي يسمها بميسم باطنه، فيجد فيها عندئذ حزمَه نفسَه. وبذلك تغدو الخربشة لدى الإنسان وسيلة لإزالة شراسة غرابته من العالم الخارجي وجعله أليفا لديه.

غير أن أفلاطون يذهب مذهبا آخر، لأن الخطّ، أيا ما يكن وضوحه، من الكتابة إلى الرسم مرورا بالخطوط المنعرجة، لن يتوصل أبدا إلى التعبير عن جوهر الأشياء الحق الذي تروم الدلالة عليه. والسبب في رأيه أن “الكتابة قبر”، صورة ميتة عن حقيقة عليا، حية وخالدة. والذي يكتب أو يرسم أو يخط إنما هو أشبه بـ “من يحاول كتابة ما يعرف على الماء”. وفي رأيه أن الخربشة هي مثال العلامة التي لا تقول شيئا، ولا تحيل على أي شيء، لأنها لا شيء.

وأيا ما تكن دلالة الخربشة وجدواها، فهي لحظة سهوم قد تكون أحيانا سببا في شهرة صاحبها، كما حصل لسان إكزوبيري، فقد تولّدت قصة “الأمير الصغير” ورسومها إثر خربشة عفوية خطها على شراشف ورق في مطعم كان يجلس فيه رفقة ناشره الأميركي، وما كاد يرسم صورة صبي غريب حتى قال له الناشر: ما رأيك لو تكتب قصةً للأطفال يكون بطلها هذا الصبيّ؟

كاتب تونسي

15