"ما رآه سامي يعقوب" عندما استيقظ أفسد حياته كلها

كتاب "ما رآه سامي يعقوب" يحوي بين دفتيه ما يشبه ذكريات رجل غير مكتمل الوعي في ظل ضبابية المشهد في سنوات الاضطراب التي عاشتها مصر منذ بداية العقد الحالي.
السبت 2019/09/21
من الرؤية إلى التلاشي (لوحة للفنانة ريما سلمون)

وحدها الرواية قادرة على بناء عوالم وشخصيات وأحداث وأزمنة وأماكن من خلال مشهد واحد مهما بدا بسيطا، تدخل من خلاله وتفتحه إلى عالم سردي مكتمل. وهذا من نقاط قوة الرواية التي لا تتوقف عن ابتكار بنياتها من داخلها وخارجها، كما نرى في رواية “ما رآه سامي يعقوب” لعزت القمحاوي.

القاهرة- أيمن سعد مسلم- في روايته “ما رآه سامي يعقوب”، يأخذ الروائي المصري عزت القمحاوي القارئ في رحلة يتداخل فيها الماضي مع الحاضر عبر خيوط حكاية غرامية ووقائع تبلغ ذروتها في ميدان التحرير خلال ثورة يناير، وبطل مسالم يعيش الحياة كأنها عرض فني قابل للتكرار، ثم يفيق على مقتل أبيه وأخيه، وينكسر في أثناء تحقيق أمني لم يستخدم فيه المحققون أي شكل من العنف.

 

يستخدم الكاتب طريقة السرد الدائري التي أتاحت له تقديم نحو سبعين عاما من تاريخ أسرة وتاريخ مصر في نوفيلا (رواية قصيرة) ينتقل بالقارئ فيها من مشاعر الحب والرغبة إلى صحراء التشرنق والخوف.

بين ماض وحاضر

يبتدئ السرد من نقطة واحدة في الزمن الحاضر. بطل الرواية سامي يعقوب ينتظر اتصالا من حبيبته كي يتسلل إلى شقتها حيث اتفقا على أن يرى بيتها للمرة الأولى في عيد ميلاده. ينشغل بتصوير قطين متحابين في فناء يضم عدة مبان، سيعرف القارئ لاحقا أنه منشأة محظور تصويرها.

من مركز دائرة الحكي في الزمن المضارع ينطلق القمحاوي في مسارات للسرد بين الماضي القريب، حيث عاش مع حبيبته ليلة أمس وسط فرحة الجماهير بنصر في كرة القدم حققه المنتخب الوطني، وبين ماض بعيد نتعرف فيه على طفولة سامي يعقوب، وخلفية عائلته السياسية؛ فالجد كان وزيرا قبل ثورة يوليو 1952 واتُهم ظلما في قضية فساد. والأب عاش حياته مناضلا مخلصا لقضية رد شرف أبيه وإلزام السلطات بتمكينه من إقامة عيد ميلاده في ميدان التحرير.

رحلة يتداخل فيها الماضي مع الحاضر
رحلة يتداخل فيها الماضي مع الحاضر

أما الأم فطبيبة ألمانية جاءت في إطار منحة طبية وتعرفت بالأب وتزوجته إعجابا بوفائه لوالده، لكنها لم تحتمل هوسه بالقضية وقررت العودة إلى ألمانيا. وبتخيير الطفلين ذهب معها أخوه يوسف واختار سامي البقاء مع والده.

سامي طفل يتعامل مع كل حدث وكأنه سيحدث مرة أخرى. في شخصيته لمسة سحرية وسلام داخلي. لم يستيقظ ويبدأ في التفريق بين الحياة والعرض الفني إلا بصدمتي موت أبيه في المعتقل ومقتل شقيقه في ميدان التحرير.

تجري الأحداث في حيّين يطلان على مجرى النيل بالقاهرة هما جاردن سيتي، حي الأرستقراطية القديمة الذي ينتشر فيه الهدهد والوروار، وامبابة، الحي الشعبي العشوائي الذي “لا تغامر العصافير بدخوله”.

ينتقل الكاتب بين استخدام الرمز خاصة عند تناول السياسة التي تخيم بظلال كثيفة على الرواية وبين التعبير المباشر بلغة واضحة عندما يتحدث عن موضوعات غرائزية كلقائه المزمع مع حبيبته والتلصص على قطين خلال لحظات حميمية تحت شجرة داخل فناء المبنى الجميل الغامض.

قطّان تحت الشجرة

العنوان “ما رآه سامي يعقوب” يشي بأن ما يحويه الكتاب بين دفتيه يشبه مجموعة من الأحلام أو ذكريات رجل غير مكتمل الوعي في ظل ضبابية المشهد في سنوات الاضطراب التي عاشتها مصر منذ بداية العقد الحالي.

ومن موقع القطين تحت الشجرة ومن نقطة المراقبة التي اتخذها لنفسه في مشهد يبدو عبثيا، يملك الكاتب القدرة على بناء رواية شديدة الحبكة قوية البناء والفكرة. يعطي لعدسة هاتفه مجالا للرؤية في زوايا مشهد عناق القطين بينما تتجه ذاكرته عبر زوايا حياته وحيوات كثيرين، ومنهم حبيبته فريدة الأرملة التي تعيش في امبابة والتي تعرّف عليها عندما كانت بحاجة إلى المساعدة في استخلاص وثائق زوجها الراحل.

يظل يوسف، أخو سامي، في معظم الرواية مجرد “ظل أخ”، تقف العلاقة بينهما عند حد تطمين كل منهما للآخر بأنه على ما يرام. لكن عندما تتسارع وتيرة الأحداث في القاهرة يهرع يوسف عائدا ليطمئن على أخيه ويحاول إقناعه بالسفر معه بينما يجد سامي في الأمر فرصة لإغواء شقيقه بالبقاء في مصر.

وعندما يسمع سامي بأحداث ميدان التحرير في خضم ثورة يناير يهرول إلى الميدان ويجري وراءه يوسف. يفترقان.. ليكتشف سامي في الصباح مقتل يوسف برصاصة قناص.

قبل اندلاع الثورة بثلاث سنوات كان الأب قد مات بعد أن حصل على حكم بتبرئة ساحة الجد وتكليف الداخلية بحماية احتفالية لرد شرف الوزير السابق تقام في ميدان التحرير.

الكاتب يستخدم طريقة السرد الدائري التي أتاحت له تقديم نحو سبعين عاما من تاريخ أسرة وتاريخ مصر في نوفيلا

لكن الأب الذي أفنى عمره وسط غلالة من دخان الماضي والسعي بين أروقة المحاكم لم يتمكن من الاحتفال. جاء “زوار أشداء” واصطحبوه في رحلة لم يعد منها إلا جثة في ثلاجة.

وعلى النقيض من القطط التي ترمز في الرواية إلى اللؤم والشراسة، تعلو شجرة البونسيانا الصابرة في دلالة عكسية، تتحمل في طفولتها آلام التقليم، وفي ريعانها بلطة القاطعين.

ومع تواتر الأحداث يجد سامي نفسه وقد فقد رغباته بقوتها وجنوحها. يجعل هاتفه في وضع الصمت حتى لا يسمع رنة الهاتف التي ينتظرها من فريدة. أصبح مجرد “دودة تنسج شرنقة حول نفسها ولا تعود صالحة لشيء”.

ويترك الكاتب قارئه حائرا في البحث عن إجابات لأسئلة عديدة. لماذا مات الأب بهذه الطريقة؟ وهل كان ينبغي أن يموت يوسف برصاصة في الرأس وهو الذي قال “لقد جئنا إلى هنا من أجل أن نعيش”؟ ولماذا لا يستطيع الإنسان أن يعيش مع من يحب؟ هل الحياة لا يمكن أن تستجيب لأمنيات كل هذا العدد الهائل من البشر؟

تقع الرواية في 140 صفحة من القطع المتوسط وكاتبها حاصل على جائزة نجيب محفوظ للإبداع عام 2012 ووصلت روايته “يكفي أننا معا” إلى القائمة القصيرة لجائزة الشيخ زايد عام 2017.

14