ما رأي شهرزاد إن كان شهريار هو الراوي؟

“شهريار يصعدُ الزقّورة” عنوان مراوغ قد يحسبه القارئ عتبة تفضي به إلى فضاء رواية، لكنه في حقيقته عنوان كتاب نقدي يجول بقارئه في عوالم روائيين رجال كما ترى ذلك المرأة الناقدة من ناحية.
الثلاثاء 2018/03/13
شهريار تحت مجهر شهرزاد

ترفد الكاتبة السورية نجاح إبراهيم عنوان كتابها الجديد “شهريار يصعدُ الزقّورة” بعنوان فرعي يفسّره “قراءة في السرد الروائي الشهرياري”، ولم تكن المخاتلة في العنوان فحسب بل فيما يحيل إليه، فشهريار يستدعي شهرزاد وحكاياتها، لكنه هنا لا يسمع لها بل نراه مشغولا بارتقاء الزقّورة، وهي درج صاعد إلى السماء طلبا للوصول إلى الأعالي، يعود تاريخيا إلى عصور السومريين والبابليين والآشوريين. فكأن شهرزاد التي جربت مشقة الحكي لألف ليلة وليلة، تتبادل الأدوار مع شهريار، فتمتطي مقصورتها بينما هو يتابع سعيه لارتقاء درجات الزقّورة/ صهوة السرد.

صانع سيرة الصحراء

تحاول إبراهيم “تسليط الضوء على سرد شهريار، من وجهة نظر شهرزاد التي مارست السّرد ذات زمن وما تزال، فهذه التي ستقول رأيا فيما سرد”. وقد آثرت الكاتبة أن تقدم رحلة بحثها عن شهريار السارد بحسب الترتيب الأبجدي لأسماء الروائيين أصحاب الأفكار المغايرة، فكان أولهم إبراهيم الكوني بروايته “من أنت أيها الملاك؟” التي يمتزج فيها الواقعي بالأسطوري والميتافيزيقي، وهي تصف الكوني بأنه صانع سيرة الصحراء، فكل أعماله عنها، مشيدة بمفرداتها، ناهلا من أساطيرها.

لا تحاكم الناقدة النصوص جنسيا مثلما قد يتبادر للذهن للوهلة الأولى، بل هي تدرس النصوص الروائية مشكّلة علامات التشابه والتخالف بين كتابها

تبدأ رواية “من أنت أيها الملاك؟” باستماتة بطلها “مسّي” الذي يعني اسمه (مولاي) في لغة الأمازيغ، في تسجيل ابنه الذي اختار له اسم يوجرتن ويعني “البطل الأكبر” في لغة الأسلاف وعُرفهم، أراد أن يسجله في الدوائر الحكومية في المدينة، بيد أنّها لم تعترف بهذا الاسم لأنه ليس من الأسماء المنزلة لديها، ولأنّ “أسماء الأسلاف وصايا في عنق الأخلاف” فلا يمكنه أن يستبدل الاسم بآخر إذ يصبح بمثابة الردة التي يحاسب عليها المرتد، فسلك مسّي كلّ الطـرق دون فـائدة لدرجة أنـه سلب منـه اسمه أيضا، فصار عليه أن يستعيد الاسمين معا، ما جعله في محاولة حثيثة للإعلان عن وجودهما.

قادت المحاولة البطل إلى “الباي” ليعقد معه صفقة، أن يكون دليلا له في شركة استكشاف النفط في الصحراء، مقابل أن يحرّر له ابنه يوجرتن من المعتقل، كما وعده باسترداد اسميهما معا، وفي الصحراء وبعد الوصول إلى النفط يكتشف الأب أن الباي خدع يوجرتن فدله على الحجر المقدس، لذا يعمّ البلاء وتحل اللعنة حين يهرب يوجرتن من مسّي، وينتسب إلى عصابة مسلحة تقرّر نسف مكتب السجل المدني انتقاما من مسؤوليه لعدم اعترافهم بالمهاجرين من الصحراء.

على هذه الطريقة أيضا يقارب كتاب “شهريار يصعدُ الزقّورة” تسع روايات لمبدعين من سوريا، في تسع دراسات منفصلة لكن تبيّن عن قواسم مشتركة تركتها شهرزاد الناقدة لفطنة القارئ، فرواية “حارس الماعز” لإبراهيم الخليل، تبيّن عن كاتب يحاصره الماضي، فأغلب كتاباته تتناول ذلك الماضي، وتحيله إلى عالم له رائحة تشبه رائحة بئر مهجورة، مختلطة بعبق الخرافة، فهل هذه لعنة تتلبس الكاتب أم حنين مفتقد لزمن جميل مضى، أم تنصّل مما هو آت؟

وفي “الماءُ والدّم” لمفيد عيسى تعود الرواية إلى لحظة انفصال سوريا عن مصر، فتفتح بوابة الذاكرة على أحداث عاصفة، وفي رواية أيمن الحسن “أبعد من نهار” يعود الكاتب إلى الماضي ليرصد تحوّلا كبيرا أو بالأحرى تحوّلين كبيرين في حياة مجموعة من البشر أو مجتمع ما.

كتاب نقدي يتناول تجارب أهم الروائيين العرب
كتاب نقدي يتناول تجارب أهم الروائيين العرب

والتحولان هما: احتلال القنيطرة من قبل العدو، ونزوح أهلها عنها إلى حارة فقيرة التصقت بالعاصمة دمشق تدعى الزفتية. والتحول الثاني هو العودة إلى القنيطرة بعد تحريرها.

وترى الكاتبة أن الأبطال هنا يهربون من حاضر قاس مفعم بالخوف، صورته روايات “أحلام منكسرة” لعيسى درويش، و“قلاع ضامرة” لعبدالرحمن حلاق، وقد نجد في الرواية رصدا لهزائم الرّوح كما فعل عدنان فرزات في “جمرُ النكايات”، وأيوب الحجلي في “أبوابُ الرّوح السبعة”، كذلك في رواية “شمسُ الدّين” لمحمد جاسم الحميدي، الذي يقول نصه “لا شيء يعود إلى الوراء، والزّمن عظمٌ نخر لم يكتس لحما، ولن ينهض من رقدة”، لكنه يعود بنا إلى ماضي هؤلاء الذين اختارهم وانتقاهم ليصنع منهم أسطورته بعد أن نهضوا من أجداثهم.

أصابع لوليتا

ترى الكاتبة أن واسيني الأعرج يصنع نصوصه من تغاصن الشخصيات والأجناس الأدبية، فهو يتّكئ على شخصيات واقعية ينتشلها من التاريخ الجزائري، شخصيات هامة لها وقع بين فئات الشعب، ثم يخلق شخصيات أخرى توازيها في الثقافة، وربما المكانة، وقادرة على الحوار معها. فالحامل الأساسي في نصوصه كلها هو المثقف، الشخصية التي يعتمدها محورا لروايته. وشخصية المثقف هذه التي ينتقيها، كثيرا ما تكون الكاتب ذاته، يعطيها الكثير من آرائه وأفكاره؛ حتى سيرته الذاتية.

وفي روايته “أصابع لوليتا” ثمّة كاتب يدعى يونس مارينا وهو يساري، يكتب مقالات تكشف فضائح جرت بعد الاستقلال، ويتخذ موقفا رافضا للحركة الانقلابية التي أطاحت بحكم الرئيس أحمد بن بلة. فهي شخصية مثقلة بالوعي، متسربلة بالتحرّر، بيد أنّ قدرها كان الهروب إثر ملاحقة الفئة الطاغية.

استطاع يونس مارينا أن يهرب إلى أوروبا، وتحوّل في المنفى إلى روائي كبير، فروايته “عرش الشيطان” جعلته على رأس قائمة المطلوبين من قبل المتشددين. ولم تكن الشخصيات التي تناولتها الرواية أقل شأنا من بطلها يونس مارينا، لقد زرع حولها شخصيات مثقفة تحمل مع البطل الكثير من هموم الوطن لتمضي الأحداث إلى النهاية محققة هدفا معيّنا.

أما عن تغاصن الأجناس عند واسيني الأعرج فترى نجاح إبراهيم أن رواية “أصابع لوليتا” تقدّم نصّا إبداعيا مفتوحا يجعله كاتبه خليطـا من كلّ الفنون والأجنـاس الأدبية، فهو يضعك بنصوصه أمام الأدب ورأيه فيه.

14