ما زال باستطاعة الشعراء إنقاذ العالم

الأربعاء 2014/10/29
شيموس هيني: أيّا كان ما ستقوله لا تقل أيّ شيء

جمَعت عملاق الشعر الأيرلندي شيموس هيني بجامعة إيموري الأميركية علاقة امتدت لمدة ثلاثين عاما، توّجها حين قرر إيداع أرشيف مراسلاته في الجامعة عام 2003، فزيّنت وثائقه مكتبتها لتصير واحدة من أشهر المجموعات عن الأدب الأيرلندي في أميركا الشمالية. تحتفي الجامعة في هذا الشهر بحياة الشاعر ومسيرته الأدبية في احتفال ضخم بمركز شوارتس للفنون الأدائية، ويتزامن الاحتفال مع أكبر معرض يقام عن هيني منذ وفاته، ويحمل عنوان “شيموس هيني: موسيقى الحدث”.

يقام المعرض في مكتبة روبرت دابليو وودراف ويتواصل حتى الخامس والعشرين من نوفمبر القادم، ويحوي صورا ولوحات ومسودات شعرية ونسخا نادرة، بل ومكتب هيني نفسه إبان الثمانينات.


تمجيد المعجزات


نسج هيني خلال خمسين عاما من حياته المديدة (1939–2013) جذوره الريفية نسجا مفعما بالحنين واستعان بالواقعية الحديثة للتأمل في أزمة موطنه السياسية. ومثلما يفخر الأيرلنديون بنثر جيمز جويس وبمسرح صامويل بيكيت، أغرى هيني النقاد باعتباره أهم شاعر أيرلندي على الإطلاق، بل وأهم من ويليام بتلر ييتس.

فاز هيني بجائزة تي إس إليوت، ونال جائزة نوبل للأدب “لِمَا خطّه من أعمال تتحلى بجمال غنائي وعمق أخلاقي، تمجّد المعجزات اليومية والحياة المنصرمة”. تمتع بتقدير وأيّما تقدير بين الأوساط الأكاديمية، إذ عمل زميلا فخريا بكلية ترينتي والجمعية الملكية للآداب وأستاذا في الشعر بجامعة أكسفورد ومحاضرا في جامعة هارفارد، كما حاز عام 2012 على “أستاذية شيموس هيني” في الكتابة الأيرلندية من جامعة دبلن.

كتب هيني عن الأحجار والجداول والمزارع فاستحالت الطبيعة موقعا لمعضلات أخلاقية استوعبها المفكرون الملحدون والكاثوليك المؤمنون على حدّ سواء. لم يعجزه مطلقا الحديث إلى العامة، ولكن ذيوع قصائده لا ينبغي أن يحجب ما تتألق به من انفتاح رقيق على الطبيعة ولحظات كاشفة لأسرار الروح.

فاز هيني بجائزة تي إس إليوت، ونال جائزة نوبل للأدب “لِمَا خطّه من أعمال تتحلى بجمال غنائي وعمق أخلاقي، تمجّد المعجزات اليومية والحياة المنصرمة”

كان قد استحضر شعوره عندما اكتشف الشعر لأول مرة، “إنها قوة اللغة الكهربائية، سلَبتْ لُبّي”. تأثر في مستهل مسيرته بالشاعر البريطاني جيرارد مانلي هوبكنز، واستدعى ديوانه الأول “موت عالِم طبيعة”(1966) مشاهد طفولته وروائحها مستمتعا بصور متلهفة رسم فيها مقتلعي البطاطس ومزيلي الخُثّ من المستنقعات.

جاهر هيني في محاضرته “إصلاح الشعر” (1995) بأن المرء «يكتشف في المساحة الواقعة بين المزرعة والملعب ما أسميه “تَخْم الكتابة”، حدا يفصل بين الحالات الفعلية لحيواتنا اليومية والصور الخيالية لتلك الحالات في الأدب».

ضرَب مثالا نادرا بين نظرائه من الشعراء، فقد أثنى النقاد كل الثناء على شعره فيما تصدرت دواوينه قوائم أفضل الكتب مبيعا. لعل السر يكمن في سهولة أبياته، بينما تضمر ولا شك إشارات إلى أساطير يونانية وسَلْتية، ممّا شابها في الغالب الغموض.

وعند وفاة هيني نعاه السياسيون بقدر ما نعاه الشعراء، إذ نوّه الرئيس الأيرلندي مايكل دي هيجنز “بإسهام هيني الهائل في الأدب والضمير والإنسانية”. كان هيني قد أخذ بأسباب حياة ثقافية تقاذفتها أمواج السياسة والطائفية، وقضى طفولته في أيرلندا الشمالية حيث تجاور البروتستانت والكاثوليك وقتذاك بشيء من الحذر.

غادر أيرلندا الشمالية في أوج الاقتتال عام 1972، وقد رحبت إحدى جرائد بلفاست البروتستانتية برحيله واصفة إياه “بالداعية البابوي”. انتهى به المقام في دبلن ليتصدر خبر انتقاله إلى جمهورية أيرلندا عناوين الصحف. وقد مكَّنته تلك الغربة المحدودة من إسباغ إحساس جديد بالألم والشجن على هوية الأيرلنديين.

تحتفي جامعة إيموري الأميركية بحياة الشاعر ومسيرته الأدبية

وبعد سنوات مع تفاقم الاضطرابات اتخذت قصائده منعطفا سياسيا فأرجعت صدى هزات قومية مزقت الجزيرة شر تمزيق، وعليه أصبح هيني “حاميا للغة، شَفَراتنا، ماهيتنا كشعب،” حسبما عبّر رئيس الوزراء الأيرلندي إندا كيني. لطالما أحس هيني باللغتين الأنكليزية والأيرلندية تتجاذبانه، وقد اعترف عن طيب خاطر بهذا الانقسام في ديوان “قنديل الزعرور” (1987)، “كان حمْل دلوين أسهل من حمل واحد/ لقد نشأتُ بينهما”.

واستجابة لضغوط متواصلة حثته على الكتابة عن مصالح مواطنيه الكاثوليك ممن أرادوا تحرير أيرلندا الشمالية من الهيمنة البريطانية، كثيرا ما تناول شعره العنف الطائفي في مقاطعة ألستر. الواقع أنه لم يَسلم أيضا من الانتقادات لتأرجح موقفه تجاه عنف جمهورية أيرلندا، ولكنه فطن إلى حقيقة طرفي الصراع، ولم يسمح لنفسه قط أن ينقلب بوقا للراديكالية أو تبدر منه حجج لدعم حملات الجيش الجمهوري الأيرلندي.

وهكذا بات هيني شديد الوعي بمأزقه، وهو القومي الأيرلندي يسكن في مقاطعة جنوبية تحت لواء الملَكيّة البريطانية. قيل إنه شوهد ذات مرة في قطار دبلن – بلفاست يبدل بدبلوماسيته المعهودة ويسكي جنوب أيرلندا بآخر من إنتاج شمال أيرلندا حين عبر القطار الحدود! لم يخْل كذلك من استياء من الاضطهاد البريطاني ولم يتوان عن مهاجمته.

وبالرغم من إعجابه بالثقافة البريطانية والأدب الأنكليزي، لم يعرّف نفسه يوما بأنه بريطاني. حينما سعى أحد الناشرين في لندن إلى ضم إحدى قصائده إلى كتاب من المختارات الشعرية البريطانية، ردّ، “لا تندهش إن رفضت، فلتَعلَم أن جواز سفري أخضر. لم نرفع قط الكؤوس في صحة المَلِكَة”.

احتل النزاع في أيرلندا الشمالية مساحة لا يستهان بها في قصائده ساعيا إلى وضعه في سياق تاريخي أرحب. يترع ديوانه القاتم “شمال” (1975) بكآبة عنف اندلع قبل ست سنوات من صدوره، بداية خمسة وعشرين عاما من التفجير والرصاص، الشغب والوحشية، الاعتقال والإضراب عن الطعام.

وفي قصيدة “حقوق الجنازة” يروي هيني، “والآن بينما تهل أخبار/ قتل كل جار/ نتوق إلى المراسم/ الإيقاعات المعتادة/ الخطوات المتزنة/ للموكب الجنائزي، وهو يتمعّج بحذاء/ كل بيت معتم”. وفي “مرسوم الوحدة” -قصيدة اعتبرها هيني سياسية وجنسية في آن واحد- أخذ خريطة بريطانيا وأيرلندا وحوّلها إلى صورة زوجين يرقدان معا على الفراش، أيرلندا محاطة ببريطانيا -الذَكر- وخاضعة لها.

بهجة الكتابة

لطالما أحس هيني باللغتين الأنكليزية والأيرلندية تتجاذبانه، وقد اعترف عن طيب خاطر بهذا الانقسام في ديوان “قنديل الزعرور"

اعتقد هيني أن أهم شيء هو الكتابة لمجرد بهجة الكتابة، ناصحا الكتاب بتعزيز الشهوة للعمل، “تتخيل مأواها كيديك ليلا، تحلم بالشمس في كُلْفة ثدي. إنك الآن صائم، مصاب بدوار، خطِر. انطلق من هنا. ولا تبالغ في الجِد”.

صارح القراء بأن آخر دواوينه “السلسلة البشرية” (2010) الفائز بجائزة فوروارد ينطوي على بوح يفوق كل ما سبقه، لذا خالجه دوما التردّد عند الحديث عنه. كتبه بعد إصابته بسكتة دماغية مستلهما من مرضه قصيدة “معجزة”. تذكَّر كيف حملوه حملا إلى غرفة النوم فمدح شخصيات إنجيلية حمَلوا مشلولا إلى يسوع ليعالجه، “أكتافهم فاقدة الحس، الوجع والاحديداب يتشابكان/ في ظهورهم، مقابض النقالة/ زلقة بالعرق، دون توان”.

وفي حوار لجريدة “ذا تايمز” حمل إلينا هيني البشرى، “ما زال باستطاعة الشعراء إنقاذ العالَم”، ولا عجب، فتأثير هيني على الحياة الشعرية الإنسانية لا سبيل إلى مضاهاته. هو المترجم والمذيع وكاتب النثر يُعَد شعره من أعظم إنجازاته وأروعها، لمداه وحرفيته الفريدة: قصائد غرامية تارة وملحمية تارة، قصائد تُكَرم تربة يكدح فيها الأيرلنديون، قصائد عن الذاكرة وضبابية التاريخ، قصائد عما أسماه “الانتقام القَبَلي الحميم”، مرَاثٍ موجَّهة إلى أصدقاء فارقوا الحياة إبان الاضطرابات، حِكَم عثرت على المغزى رغم ابتذال المألوف. رنَت قصيدته “النبش” إلى أبيه وهو يقتلع البطاطس وجدّه وهو يقتلع العشب.

15