ما سر الأردن؟

الجمعة 2014/09/19

في الأردن، على العكس مما يجري في دول أخرى كثيرة، يحثّ الملك عبدالله الثاني مواطنيه على السير في الإصلاحات إلى النهاية. يندرج ذلك في سياق سياسة متكاملة تستهدف تحصين المملكة الهاشمية. استطاعت الأردن تجاوز ما يسمّى “الربيع العربي” بأقلّ مقدار من الأضرار، بل استفادت من هذا الربيع، كي يكون لديها ربيع خاص بها اسمه “الربيع الأردني”.

ما سرّ الأردن؟ الجواب في غاية البساطة وهو عائد إلى أن الأسرة الحاكمة في الأردن لم تؤمن يوما بالعنف، بصفة كونه وسيلة من أجل الاحتفاظ بالسلطة. هناك شرعية للملك في الأردن، وهذه الشرعية نتيجة طبيعية لوجود علاقة عضوية بين العرش والأردنيين. هناك شعب متصالح مع الملك، وهناك ملك متصالح مع شعبه. هل أفضل من هذه المعادلة لضمان مستقبل أفضل للأردن والأردنيين في الوقت ذاته؟

الأهمّ من ذلك كلّه أن الإصلاح السياسي في الأردن ليس ابن البارحة، وليس وليد ظروف معيّنة فرضت نفسها على الملك. الإصلاح في الأردن نهج سياسي بدأ مع قيام المملكة وتكرّس مع صعود الملك الحسين، رحمه الله، إلى العرش. استمرّ الإصلاح بوتيرة أكثر سرعة في عهد الملك عبدالله الثاني بن الحسين، الذي أكّد مجددا أنّه يقود الإصلاحات وأن التحديات السياسية والاقتصادية لا يمكن أن تكون مبررا لأي تأجيل للخطوات الإصلاحية. على العكس من ذلك، هناك رغبة واضحة وإرادة صلبة في السير في الإصلاحات إلى النهاية، نظرا إلى أنّها عنصر من عناصر تأمين الاستقرار، ومواجهة العواصف التي تضرب المنطقة.

في ورقته النقاشية الخامسة التي نشرها عبدالله الثاني الأحد الماضي الثالث عشر من سبتمبر من السنة 2014، قال العاهل الأردني:

"اليوم، ورغم وقوع أجزاء من منطقتنا ضحية الصراع المذهبي والإرهاب والفكر المتطرّف، وما يعنيه ذلك من اختطاف لمستقبل جيل كامل، إني أؤمن بأنّ مسيرتنا الإصلاحية الأردنية المتدرجة والنابعة من الداخل، والتي تضمن مشاركة جميع أبناء وطننا وبناته في بناء مستقبلهم، هي الخيار الأفضل والأكثر ثباتا واستدامة لحماية بلدنا الغالي من الفوضى التي حولنا".

أكثر من ذلك، أكّد عبدالله الثاني “أنّ التحديات ليست عذرا لتأجيل أجندتنا الإصلاحية، بل (هي عذر) لتحويلها إلى فرص، كما هي حالنا دائما في الأردن. لذا أشارككم ورقتي النقاشية الخامسة بعنوان تعميق التحول الديمقراطي: الأهداف والمنجزات والأعراف السياسية”.

أوضح عبدالله الثاني أنّه يتناول في الورقة النقاشية الخامسة “القيم والممارسات الديمقراطية الأساسية، على أمل أن تكون هاديا تتبناها جميع الأطراف في المعادلة السياسية وتطبقها لدى قيامها بأدوارها وممارسة مسؤولياتها الوطنية تجاه مواطنينا الذين يستحقّون دوما الأفضل من ممثليهم ومن الخدمات الحكومية التي تقدّم لهم”.

الملفت أن الملك جاء يذكّر المواطنين بأن الإصلاحات لم توضع على الرف بمجرّد أن الأردن تجاوزت أحداث 2010 و2011 و2012 عندما وجد من يريد التظاهر ونشر الفوضى خدمة لأجندة لا علاقة لها بمصلحة المواطن. لم تكتف السلطات الأردنية المختصة باتخاذ كلّ الإجراءات التي تضمن احتواء الشغب. ذهبت إلى أبعد من ذلك. حرصت على حياة كلّ مواطن نزل إلى الشارع. كان همّ رجال الأمن المحافظة على حياة المواطن، بمن في ذلك حياة الذين سعوا إلى استفزازها والاعتداء عليها.

في الوقت ذاته، كان هناك إعداد لقانون انتخابي جديد، على قياس المواطن الأردني وليس على قياس مجموعة معروفة، هي بكلّ صراحة الإخوان المسلمون. سعت هذه المجموعة، وقتذاك، إلى أن يكون القانون الانتخابي مجرّد مطية لها كي تفوز في الانتخابات مستغلّة موجة “الربع العربي”، الذي لم يكن سوى خريف باكر في معظم البلدان التي حلّ فيها.

بعد سنة كاملة وثلاثة أشهر على الورقة النقاشية الرابعة، جاءت الورقة الخامسة التي تضمّنت تفاصيل كثيرة تصب في اتجاه تطوير المؤسسات، بما في ذلك الحكومة ومجلس النوّاب. لا مجال للخوض في هذه التفاصيل التي تناولت كلّ ما من شأنه قيام دولة حديثة في ظلّ ملكية دستورية، لكنّ الواضح أنّ ما يسعى إليه عبدالله الثاني هو تحصين الداخل الأردني من جهة، والتأكيد من جهة أخرى أنّ لا بديل في نهاية المطاف من قيام نظام مستقرّ قوامه أحزاب تمتلك برامج وحكومة تتولى كلّ المسؤوليات ومعارضة تحاسب، تماما كما في الدول الديمقراطية.

لا وجود لمجال لا تشمله الإصلاحات. لذلك تطرّق العاهل الأردني إلى الرسالة التي وجّهها في العام 2011 إلى مدير المخابرات العامة من أجل “المضيّ قدما في إصلاح هذه المؤسسة الوطنية الرائدة”. كذلك أشار إلى “أنّ الحكومة تعكف حاليا على تفعيل دور وزارة الدفاع لتتولى مسؤولية جميع الشؤون الدفاعية غير القتالية، ولتكون، بالطبع جزءا من الحكومة وخاضعة لرقابة مجلس الأمّة”.

لم يتجاهل الملك دور الملك بقوله أنّه “يقع على عاتق الملكية الهاشمية مسؤوليات توفير نهج قيادي جامع لكلّ المكونات يستشرف المستقبل بهدف تحقيق الازدهار لأجيال الوطن. ويقع على الملك، بصفته رأسا للدولة وقائدا أعلى للقوات المسلّحة، مسؤولية الدفاع عن قضايانا المصيرية المرتبطة بالسياسة الخارجية وأمننا القومي وحماية تراثنا الديني ونسيجنا الاجتماعي وذلك من خلال مجلس الوزراء الذي يتولّى إدارة جميع شؤون الدولة استنادا إلى الدستور”.

لم يترك عبدالله الثاني بابا مرتبطا بتطوير المؤسسات إلّا وتطرّق إليه، بما في ذلك “إنجاز قوانين الحكم المحلي عبر إنجاز قوانين الانتخابات البلدية واللامركزية”.

من الواضح أن العاهل الأردني يضع الأسس لمرحلة جديدة في الأردن تتجاوز تطوير الحياة السياسية والحزبية ومؤسسات الدولة وتوزيع السلطات ودور كلّ سلطة. إنّه يعدُّ الأردن لتكون جاهزة للتعاطي مع المرحلة المصيرية التي تمرّ بها المنطقة. وهذا يعني، في طبيعة الحال، التكيّف مع أي تغيير يمكن أن يحصل كي لا يكون هناك ما يفاجئ الأردن، ويجعلها غير قادرة على حماية نفسها بفعالية.

لم تحم الأردن نفسها في كلّ وقت إلا بمزيد من الإصلاحات السياسية من جهة، وبفضل المؤسسات القوية المتماسكة من جهة أخرى. الحياة الحزبية والبرلمانية في المملكة ليست بنت البارحة. لم تتعطّل هذه الحياة إلا السنوات التي وُجدَ فيها من يريد ضرب المؤسسات مستخدما العنف والسلاح والمزايدات التي قضت على أنظمة عدة، وستقضي على دول عدّة في المنطقة وفي المحيط المباشر للأردن.

ما حمى الأردن، دائما، تلك القدرة لدى الملك على النظر إلى بعيد. الملك الحسين كان استثنائيا. من يتذكّر أنّه أعاد الحياة البرلمانية إلى الأردن في العام 1989، وأن الانتخابات جرت في اليوم نفسه، أو بفارق أربع وعشرين ساعة، عن سقوط جدار برلين. كان بين الزعماء القلائل في المنطقة الذين أدركوا أنّ العالم تغيّر.

الملك عبدالله الثاني يمتلك الميزة نفسها. إنّه يدرك أن المنطقة في حال مخاض وأنّ تحصين الوضع الداخلي جزء لا يتجزّأ من الصمود الأردني. هل أفضل من الإصلاحات والمؤسسات القويّة والحديثة والفعّالة لتأمين هذا الصمود؟


إعلامي لبناني

9