ما سر شغف الشباب في مصر بالعمل في السلك العسكري

تهافت الشباب على الالتحاق بالكليات العسكرية بين الحس الوطني ونظرية المستقبل الآمن.
الأحد 2019/08/04
فخر الانتماء للمؤسسة

إذا قادتك الصدفة للعبور من الطرق المؤدية إلى الكلية الحربية أو أكاديمية الشرطة، الواقعتين في القاهرة، سوف تفاجأ بأعداد غفيرة من الشباب الذين أتموا الثانوية العامة (البكالوريا)، وتقدموا بأوراقهم إلى الكليات العسكرية، أملا في القبول، ونيل لقب ضابط جيش أو شرطة.

القاهرة - مع فجر كل يوم، يفترش الآباء والأمهات أرصفة وحدائق الميادين القريبة من الكليات العسكرية انتظارا لخروج أبنائهم من البوابات. كل شاب منهم في مهمة تختلف عن مهمة الآخر، لكن الأهداف واحدة، هذا لتقديم أوراقه، والثاني يؤدي الاختبار الأول، والثالث يمتحن للمرة الثانية.

يبدو على وجه كل شاب أنه بلغ ذروة الاستعداد والجاهزية لارتداء البزة العسكرية، رغم أنه ما زال في مهد اختبارات القبول، ومن الوارد جدّا أن يتم رفضه لقلة أعداد المقبولين رسميا من جملة المتقدمين بشكل عام، غير أنه هيأ نفسه للمهمة، وأصبح مستعدا لحمل لقب ضابط.

كل منهم جاء إلى الاختبارات، وقد أزال شعر الرأس، كما يفعل طلبة الكلية الحربية وأكاديمية الشرطة، كإحدى سمات الانضباط. وأغلب المتقدمين أصحاب قوام جسدي قوي ومتناسق، كأنهم خرجوا للتو من مراكز التأهيل التي تنتشر في كل المحافظات، لتدريب الطلاب على اختبارات الكليات العسكرية.

يزداد عدد المتقدمين للكلية الحربية كل سنة، ووصل العام الماضي إلى 230 ألف متقدم، في حين أن الأعداد المطلوبة كل عام لا تتجاوز 3 آلاف شاب بأي حال، فيما تقدم لأكاديمية الشرطة العام الماضي 113 ألف شاب، تم قبول 1500 منهم، علاوة على التوسع في فتح الباب للفتيات للالتحاق بالكليات العسكرية في تخصصات مختلفة.

لدى الكثير من الشباب قناعة بأن مجرد الالتحاق بالكلية الحربية أو أكاديمية الشرطة، يعني أنهم في قمة التميز والنضج الأخلاقي والجسدي والثقافي والأسري، فضلا عن شعورهم بأنهم النخبة الشبابية التي لا تشوبها العيوب، بحكم أنهم نجحوا في تجاوز اختبارات شاقة وشروط عديدة يتم تصنيف المتقدمين من خلالها.

لا تتوقف هذه القناعات على خريجي البكالوريا، ممن لا تتجاوز أعمارهم 18 سنة، إنما تمتد إلى قطاعات أخرى من الشباب الذين تخرجوا من كليات الحقوق والطب بمختلف أنواعها، ويتقدم الآلاف منهم للالتحاق بأقسام الضباط المتخصصين بالكليات العسكرية، وهؤلاء يحصلون على لقب “ضابط متخصص” بعد التخرج، مثل ضابط دكتور، وضابط مهندس.

النخبة الشبابية

للفتيات نصيب أيضا
للفتيات نصيب أيضا

رأى اللواء فاروق المقرحي مساعد وزير الداخلية السابق، أن كثرة إقبال حملة البكالوريا وخريجي الجامعات على الكليات العسكرية مؤشر على مدى حب وانتماء الشباب إلى بلدهم والاستعداد للدفاع عنه، رغم محاولات التحريض وتشويه الصورة وبث اليأس والإحباط في نفوسهم، وسعي الجماعات الإرهابية إلى تخويفهم من الالتحاق بالجيش والشرطة.

وقال لـ”العرب”، إن اقتصار مبررات الالتحاق بأي كلية عسكرية على المزايا وتأمين المستقبل غير منطقي، لأن كل طالب متقدم يدرك أنه في حال قبوله سيكون مستعدا للموت في أي لحظة، إذن فما نفعُ تأمين المستقبل؟ وماذا يفعل بالمزايا؟ ربما كانت هذه نظرة البعض في الماضي، لكن مع تنامي الإرهاب أصبحت مبررات البطولة الوطنية عند الشباب أقوى من الامتيازات العسكرية.

وتضع الكليات العسكرية معايير صارمة لانتقاء الشباب، وهي معايير ذات سمات شخصية واجتماعية وصحية وجسدية شديدة الخصوصية، باعتبار أن المقبولين بهذه الكليات سوف يقودون المؤسسات الأمنية، قبل أن يكونوا مقاتلين ومسؤولين عن كل كبيرة وصغيرة داخل السلك العسكري.

الأهم أن المؤسسات الأمنية المختلفة تدقق في كل المتقدمين، وتتحرى عن عائلاتهم وانتماءات أعضائها السياسية والفكرية والدينية، لإبعاد أصحاب التوجهات المتشددة والمتطرفة عن النفاذ إلى الجيش والشرطة من خلال الكليات العسكرية، وهو ما يفسر التحريات الدقيقة التي تتم على جميع الطلاب.

لا يتخيل محمد إسماعيل، الحاصل على مجموع 95 بالمئة في البكالوريا، إمكانية رفضه في اختبارات القبول، ويرى أن استبعاده يعني تدمير حياته وأحلامه التي يبنيها منذ الصغر، بأن يكون ضابط جيش، إلى درجة أن غرفته في المنزل مليئة بصور ضباط، وتمسّك بأن يشتري له والده بزة عسكرية.

وأوضح لـ”العرب” أن تهافت الشباب على الالتحاق بالكليات العسكرية تنامى اليوم أكثر من أي وقت مضى، وتختلف دوافع التقديم حسب طموحات الشاب وأسرته، فهناك من يريد وجاهة اجتماعية، وآخر يبحث عن النظر إليه كبطل قومي، وثالث يعتبر الوظيفة أكثر وظيفة مرموقة بالنسبة إليه وإلى أولاده.

وأضاف “عن نفسي، يستهويني العمل العسكري، بغض النظر عن إغراءات المال والسلطة والنفوذ، ويكفي أنني سأكون بطلا قوميا يفتخر بي أولادي، ويتحدث عني جيراني بأنني مرآة للوطنية والشجاعة والبسالة وتحمل المسؤولية.. طوال الوقت أسترجع قصصا بطولية لضباط استشهدوا في معركة بطولية، وأتمنى أن أكون مثلهم”.

ينتمي هذا الشاب إلى أسرة بسيطة، فوالده يعمل إداريا بمدرسة حكومية، ووالدته ربة منزل. وملامح الكثير من أرباب الأسر الموجودة أمام الكلية الحربية وأكاديمية الشرطة، يبدو عليها الانتماء إلى الطبقة المتوسطة، وهؤلاء يحلمون بقبول أبنائهم أملا في أن يصبحوا جزءا من دائرة السلطة.

جرأة شبابية ضد الإرهاب

لا يبالي السواد الأعظم من الشباب الراغب في الالتحاق بالكليات العسكرية، بالإرهاب الذي يستهدف قوات الجيش والشرطة على فترات متقاربة، سواء في شبه جزيرة سيناء أو في غيرها، وهي رسالة مهمة تعتبرها المؤسسات الأمنية نوعا من الدعم الشعبي والاصطفاف الوطني خلفها.

ويرى مسؤولون حكوميون أن زيادة الإقبال على طلب الالتحاق بالكلية الحربية وأكاديمية الشرطة، تعكس أن الحس الوطني عند الشباب ما زال حاضرا بقوة.

ويعتقد هؤلاء أن التهافت الشبابي على الكليات العسكرية يعكس سير المؤسسة الأمنية على الطريق الصحيح، وسوف تظل السند الذي يحتمي به المجتمع كلما انسدّ أمامه الأفق.

أشار اللواء أشرف فارس مدير الكلية الحربية، في تصريحات صحافية الاثنين (22 يوليو)، إلى أن الإقبال الكثيف من الشباب على الالتحاق بالكليات العسكرية يؤكد وعيهم وإيمانهم بالدور الذي يقوم به أبناء القوات المسلحة حفاظا على الوطن والشعب، ويعكس أن الشباب شغوفون بالتأهيل وزيادة العلم والانضباط العسكري، ولديهم استعداد كامل لحماية وطنهم من أي خطر يهدد أمنه وسلامته.

وساهمت نظرة المجتمع لضابط الجيش والشرطة في إدمان الكثير من الشباب العمل في السلك العسكري.

وتزايدت هذه النظرة الإيجابية لرجال الجيش والشرطة عقب ثورة 30 يونيو 2013، وسقوط حكم جماعة الإخوان، وتصاعد العمليات الإرهابية وتعامل الناس مع رجال الأمن على أنهم المنقذ.

وقد كانت المؤسسات الأمنية حتى ثورة 25 يناير 2011 تعمل في جزر منعزلة، لا أحد يركز عليها أو يتابع أخبارها أو يختلط بها، وكانت أعداد المتقدمين محدودة لعدم قدرة أبناء الطبقة البسيطة وميسوري الحال على إلحاق أبنائهم بهذه المؤسسات لقناعتهم بأن أكثر أعداد المقبولين محجوزة لرموز السلطة ورجال الحزب الحاكم.

أحلام الشباب في الالتحاق بالمؤسسة العسكرية تحولت إلى ما يشبه الإدمان مع صعود نجم المؤسسات الأمنية في مواجهة الإرهاب المتصاعد

ساهم ذلك في عزوف قطاع كبير من الشباب عن التفكير في تقديم أوراق الالتحاق بالكليات العسكرية أو الشرطة، لإدراكهم أن مصيرهم الاستبعاد لعدم وجود وساطات أو معارف أو نفوذ مالي يساعدهم على تحقيق أحلامهم، وهي القناعات التي تغيرت بشكل تدريجي مع الثورة ورحيل السلطة بدوائرها الحاكمة التي كانت تتحكم بشكل مباشر أو غير مباشر في المقبولين بالكليات العسكرية.

ومع سقوط نظام حسني مبارك، وانهيار جهاز الشرطة، تقدمت القوات المسلحة واتّحدت مع الناس في الشوارع والميادين، وأصبحت محل تقدير واحترام الجميع، فتغيرت نظرة الشباب لفكرة العمل كضابط جيش، وبعد أن كانت الدوافع منحصرة تقريبا في النفوذ والمزايا الخاصة، أصبحت المبررات الوطنية أهم وأقوى.

كان التحاق الشباب بكلية الشرطة مقتصرا تقريبا على أبناء الضباط والمسؤولين، بحكم عداء الشارع لوزارة الداخلية، لكن مع عودة الشرطة إلى الشارع بشكل تدريجي، وإظهار النوايا الحسنة وتقدم الضباط مسيرات المتظاهرين وحمايتهم من بطش الإخوان، بات رجل الشرطة “بطلا قوميا” مثل ضابط الجيش، وانقسم خريجو البكالوريا بين راغبين في الكلية الحربية وحالمين بأكاديمية الشرطة.

تحولت أحلام الشباب إلى ما يشبه الإدمان مع صعود نجم المؤسسات الأمنية في مواجهة الإرهاب المتصاعد، وانتشار الأغاني التي تمجّد الجيش والشرطة، حتى أصبحت جزءا من ثقافة الشارع.

من هؤلاء الشاب أحمد جمال، الذي حصل على 96 بالمئة في البكالوريا، ويتقدم للعام الثاني على التوالي لاختبارات كلية الشرطة بعدما أخفق طبيا السنة الماضية. فهو لا ينسى الهتاف الجماهيري من الثوار للجيش والشرطة في ميدان التحرير وقت الثورة ضد الإخوان، ومن حينها يحلم بأن يكون ضابطا.

وقال لـ”العرب”، إن الشارع أصبح يهتف باسم الضابط، حيا أو شهيدا، والناس صاروا يلتفون حول الجيش والشرطة بسبب المخاطر التي تحاك ضد الدولة المصرية، ما يغري الكثير من الشباب بأن يكونوا ضمن السلك العسكري، بغض النظر عن الامتيازات، لكن حمل لقب “بطل” هو الهدف الأهم.

وظيفة تأمين المستقبل

الجميع يريد الالتحاق بالكلية العسكرية
الجميع يريد الالتحاق بالكلية العسكرية 

لا ينكر الكثير من الشباب أنهم يفكرون في تأمين مستقبلهم، وفي أن يصبحوا أصحاب سلطة ونفوذ، لأنه بمجرد التخرج في الكلية يضمن الطالب الوظيفة براتب شهري يؤمّن له حياة كريمة، كما يحصل على خدمات أخرى، قد لا تتوافر لأقرانه في باقي الوظائف الحكومية.

صحيح أن هذه أحلام طبيعية عند كل البشر، لكن الفئة الشبابية التي تحصر مبررات الالتحاق بالكلية العسكرية في الحصول على مزايا مادية وأدبية وعينية، ربما لا تدرك أن هناك شروطا ومعايير شديدة التعقيد تحكم المزايا الممنوحة للضباط، على رأسها الكفاح والتعب وإثبات الجدارة، لتحفيز الجميع على العطاء دون تخاذل.

ودلل على ذلك حامد (م)، وهو ضابط قوات مسلحة برتبة نقيب، بأن المزايا الممنوحة للعاملين ليست ثابتة، وتختلف حسب الكفاءة والعطاء وتحمّل الصعاب. فالذين يعملون في مناطق صحراوية ونائية، من الطبيعي أن يتم تمييزهم عن زملائهم في العمل المكتبي، وهو ما لا يدركه أكثر الحالمين بالكليات العسكرية.

وأوضح لـ”العرب”، شريطة عدم الإفصاح عن هويته لأنه غير مصرح له بالتحدث للإعلام، أن مشكلة الكثير من شباب مصر أنهم ينظرون إلى الوظيفة العسكرية من الزوايا الإيجابية فقط، ولا يقتنعون بوجود تحديات صعبة، وظروف حياتية لا يستطيع البعض تحملها، مثل الاغتراب عن العائلة لفترات طويلة، والعمل وفق قواعد وقوانين عسكرية صارمة لا تقبل التهاون والاسترخاء، والحرمان أغلب الوقت من العيش حياة طبيعية، بحكم قضاء الأيام في الخدمة مع الجنود.

ويرى أنصار نظرية المستقبل الآمن من الشباب وأسرهم، أنه مهما كانت ظروف العمل الأمني قاسية، فإن مزايا البزة العسكرية يهون من أجلها كل شيء آخر، ويكفي التقدير المجتمعي والحكومي وأي جهة أو مؤسسة خاصة أو عامة، لضابط الجيش أو الشرطة، والتعامل معه بخصوصية في الخدمات والحقوق والالتزامات.

ويشير هؤلاء إلى أنه “يكفي توافر المسكن بأسعار مناسبة وشراء السيارات بتسهيلات كبيرة، والعلاج في مستشفيات عسكرية تقدم خدمات محترمة دون مقابل، فضلا عن الخدمات الأخرى، من الاشتراك في نوادٍ وشواطئ سياحية بكلفة زهيدة، والحصول على تخفيضات هامة في خدمات أخرى مثل النقل العمومي”.

ورغم أن بهاء (ص)، وهو اسم مستعار لشاب كانت تغريه الصورة المبهرة لأي ضابط يمشي في الشارع، نجح في اختبارات الكلية الحربية قبل أربعة أعوام لم يتحمل مشقة التدريبات والانضباط، وقرر ترك الكلية بعد أيام قليلة، ما تسبب في صدمة لعائلته بعدما تباهت بكون ابنها أصبح ضابطا.

وذكر بهاء لـ”العرب” أن هيبة الضابط بين الناس وهم يتعاملون معه باحترام وتقدير ويلصقون كلمة “باشا أو بيه” باسمه كلما تحدثوا إليه، سبب يجعل أكثر الشباب يدمنون الالتحاق بالكليات العسكرية، ليحصلوا على مكانة وحصانة اجتماعية مرموقة لهم ولأبنائهم وعائلاتهم، وتفتح أمامهم كل الأبواب المغلقة.

وكشف “منذ أن علم جيراني وأفراد عائلتي بقبولي في الكلية الحربية، تقربوا مني بشكل لافت.. حتى أن الكثير من شباب المنطقة التي أعيش فيها أصبحوا يتوددون لنكون أصدقاء.. منذ اليوم الأول التف الجميع حولي، وشعرت بالنفوذ والسلطة حتى قبل بدء الدراسة في الكلية، وهو إحساس يدمنه الكثير من الشباب ويغريهم بالالتحاق بكليات الجيش والشرطة، لكن مقابل ذلك هناك تضحيات ومواقف يصعب تحملها”.

وختم كلامه بأن أزمة بعض الشباب أنهم ينظرون لمهنة الضابط بشكل سطحي ويعتبرونها المصباح السحري الذي سيحقق لهم كل أحلامهم، وهؤلاء يكون مصيرهم الفشل في السلك العسكري، إذا نجحوا في تجاوز اختبارات القبول بالكليات، لأن التجارب أثبتت أن المستقبل الواعد يكون للشاب الذي يتعامل مع الوظيفة بتضحية وجهد وكفاح، وليس لمن يبحث عن مكاسب وشهرة ونفوذ.

بغض النظر عن معايير الوصول إلى قمة الترقي في السلك العسكري، فإن الصورة المأخوذة عن رجال الجيش والشرطة في مصر تكفي لأن يبادر الشباب للالتحاق بالكليات العسكرية، بعدما أصبح هؤلاء الرجال في قمة الهرم الوظيفي حتى بعد تقاعدهم.

ويكفي أن الكثير من العسكريين أسندت إليهم مناصب حيوية، كمحافظين ورؤساء مدن وأحياء ومؤسسات وإدارات وشركات وأندية مدنية، وربما لا تخلو مصلحة حكومية من وجود جنرال ضمن قادتها.

19