ما شأن القارئ بخصوصيات الكاتب

يقف الشاعر السعودي عبدالعزيز الشريف محملا بالشعر وحده وسط المتغيرات السياسية والاجتماعية التي تطرأ سريعا على جسد المجتمع العربي، بين الثورة والإسلام السياسي ودموية الطغاة والصراعات الفئوية القاتلة، ليجسر المسافة بين الموت والحياة من خلال الكتابة. “العرب” توقفت معه في هذا الحوار حول الكتابة والمتغيرات الطارئة.
الثلاثاء 2017/12/12
الشاعر يوازن النور والعتمة (لوحة للفنان عماد أبو جرين)

أصدر الشاعر السعودي عبدالعزيز الشريف مجموعتين شعريتين “إن كنت حيا”، و”بين ماءين”، وكتابا نقديا بعنوان “جذوة الدهشة”، ويعكف حاليا على مراجعة مسودتين لمجموعتين شعريتين يتطلع أن تريا النور؛ إحداهما مع بداية عام 2018.

وبين اشتغالاته الشعرية يعيش الشريف اليقين التام بأن الشعر قادر على صنع الحياة في كل زمان ومكان، ويملأ الروح البشرية بالأسطورة العظيمة من جديد، أسطورة الشعر والشعراء الخالدة. فالشعر -بحسب تعبيره- ديمومة حياة، وخلق يتجدد كالشمس، كالحياة، كالهواء، كالنور وكمفردة النطق الأولى؛ لأنه -في تصوره- يحمل فكرا أخلاقيا عظيما، ويشترك مع ثوابت الكون ذاتها في صنع فضاءات الجمال ورسالته الإبداعية والفلسفية والروحية.

الكتابة والربيع

يقول الشريف “ما الشاعر في تصوري إلا محارب نبيل يحمل النور والفكر الإنساني القادر على خلق الأشياء، بل إن الشاعر هو الوازن الحقيقي بين النور والظلام، يستطيع جذب النور إليه، ثم ينتجه تارة أخرى نورا يضيء طريقا للتغيير والثبات للآخرين كي يصلوا إلى عالم جديد أكثر نورانية وخلودا. لذلك خلَّدت الأمم القديمة حضاراتها في ملاحم الشعر الخالدة في كل ما وصلنا من تاريخ محفوظ يشي بما نقرأه عنها اليوم وغدا”.

اشتغل شاعرنا في الحقل الإعلامي والصحافي لسنوات طويلة محررا ومشرفا ورئيسا لبعض الصحف والمجلات، الأمر الذي دفعنا للحديث معه حول قراءته لحرية الرأي في ما يخص الصحافة السعودية على وجه الخصوص والعربية عموما، لا سيما بعد الربيع العربي، ومدى انعكاس ذلك عليها.

وفي هذا الصدد يرى ضيفنا أن “حرية الرأي أصبحت أكثر اتساعا ووصولا بعيدا عن جبروت الرقيب والتسلط البشري وخاصة ما نراه في ‘تويتر‘ و‘فيسبوك‘ على وجه الخصوص حيث يصلنا الخبر كما هو وفي أقل من ثانية؛ وهذا بلا شك أثر على بعض الصحف الورقية واهتز الخبر الورقي التقليدي الذي خبا وهجه كثيرا وخاصة في المادة الصحافية ومقالة الرأي، وأصبح الانفراد الصحافي ضئيلا؛ لأن القارئ لن ينتظر إلى الغد ليقرأ خبرا ما، والخبر بين يديه خلال ثوان بعيدا عن تدخل الرقابة، وأجزم أن حرية الرأي أصبحت مرتبطة بنوعية أداة وصوله واتساع هامش الفضاء الذي يتحرك فيه، وهنا نجد أن الرأي الذي يعتمد على الورقي في وصوله أصبح شيئا من التقليدية التي عفا عليها الزمن بسبب البطء في التعاطي والتدخل الرقابي، والصحافة العربية بشكل عام تعاني من هذا الوافد الجديد، وبعضها يحتضر؛ لأنها لم تستطع مواكبة العصر والتحولات الكبرى التي حدثت فيه”.

عبدالعزيز الشريف: المؤتمرات الثقافية السعودية لم تقدم شيئا حقيقيا للمثقفين

ويلاحظ الشريف أن المتلقي هجر الصحافة كمصدر للمعلومة واتجه إلى الإنترنت كفضاء إعلامي رحب؛ لهذا نجد الكثير من كتّاب الرأي يلجأون إلى صفحاتهم الشخصية للوصول إلى القارئ؛ لأنهم يشعرون بضآلة متابعي الصحافة؛ وهذا انعكس على الحراك السياسي أو كما يسمى الربيع العربي بنسخته العربية، حيث يرى محدثنا أن الربيع العربي كان أداة لتفكيك الأوطان والتشرذم وتفريخ فرق الموت المؤدلجة، وأنه كذبة كبرى وابن شرعي للفوضى الخلاقة وتفتيت ممنهج للوطن العربي الكبير؛ والدليل على ذلك ما حدث لدول عربية ذات البعد الحضاري والإنساني والتي تعيش حتى الآن تبعيات هذا الزلزال الرهيب الذي قذفنا كعرب إلى الخلف كشيء زائد عن الحاجة في هذا العالم وربما لعقود قد تطول.

الحلم بالغد

يقول الشريف “أغلب كتّاب الرأي في عالمنا العربي وفي صحافتنا المحلية تحديدا يفتقرون إلى أسس كتابة المقالة المعلوماتية التي تعتمد على الإحصائيات بالأرقام؛ لأن هناك فرقا بين المقالة الإنشائية ورص الكلام كيف ما اتفق لملء فراغ المساحة الممنوحة للكاتب، ولا يهمه القارئ لا من قريب ولا من بعيد؛ وهذا النوع من الكتّاب ينطبق عليهم ‘مع الخيل يا شقرا’ كما يقال، وهو من النوع الذي يُحرك عن بعد وحسب الطلب ويتصف بالسطحية وإثارة البلبلة. أما الكاتب الرزين ـوهذه الفئة قلةـ فيملك الإحصائية الكاملة عن موضوع المقالة، ولديه الجرأة في إيصالها للرأي العام بأسلوب هادئ ومتمكن؛ وهذا ما يهم القارئ ولا يهمه شأن الكاتب الخاص وكيف نام أو سافر. يجب على الكاتب أن يكون متابعا للحديث وقارئا جيدا لكل ما تقع عليه عيناه. وكلما زاد هامش الحرية في تناول القضايا، فإنه في المقابل لا بد أن يوازيه وعي كامل لخارطة اللعبة الكتابية لدى الكاتب والمتلقي”.

الشاعر هو الوازن الحقيقي بين النور والظلام

الشريف غير متفائل بمآلات المؤتمرات الثقافية السعودية، فهي لم تقدم شيئا حقيقيا يمكن أن يراهن عليه المثقف، ويرى أنه “منذ دورة مؤتمر الأدباء السعوديين الأولى في مكة المكرمة وحتى المؤتمر الأخير لم يطرأ على كل هذه المؤتمرات شيء إلا زيادة الأوراق الأكاديمية الباهتة التي لم يطبق منها ما يفيد الأديب وضاعت أحلامه البسيطة بين هذه الأوراق المكدسة وعضلات الكلام الاستعراضية من الأكاديميين، وتكدست في الأدراج وظل الحضور في جميع المؤتمرات استعراضيا ومظهريا، وظل الأديب السعودي يسير ونظره إلى السماء. ولو خصصت هذه المؤتمرات للأدباء السعوديين ليعالجوا مشاكلهم وأحلامهم وتطلعاتهم بعيدا عن الأجواء والمزاجية الأكاديمية لكان خيرا للأدباء”.

وعن سبعينات وثمانينات القرن الماضي، حيث قوة تيار الصحوة وهيمنته على المفاصل الاجتماعية والتعليمية والدينية، يؤكد الشريف أنه مثله مثل غيره من أبناء جيله من المثقفين اكتوى بنارها وظلامها.

ويقول “أختلف مع أولئك الذين يطلقون عليها مسمى ‘الصحوة‘ بل إنها مرحلة ‘الظُلمة‘، مرحلة اختطاف المجتمع إلى مجاهل الظلام‘”.

ويتابع “الآن عدنا ليكتشف النشء أن هناك دينا ووطنا وامرأة ومبادئ وقيما وأخلاقا وتاريخا وحضارة وتفاعلا حضاريا مع العالم من حولنا، وأننا لسنا وحدنا في هذا الكون الجميل وأن فيه ما يبهج”.

ويختم عبدالعزيز الشريف قائلا “الآن دعونا ننسى ‘مرحلة الظلام الإخونجية‘ دعونا نستقبل عالمنا الجديد بالفرح والتفاؤل والأمل والثقة بالنفس، ونقف سويا نرد تحية العالم المدني المستنير من حولنا”.

15