ما طبقته مصر لا يصلح تكراره في المستقبل

تحتاج الفترة المقبلة رؤية مغايرة لأن المبررات التي ساقتها القاهرة للقبول بالكثير من الإجراءات الاستثنائية لم تعد موجودة ويصعب الاقتناع بها عمليا.
الاثنين 2021/09/20
خطة بحاجة إلى المرونة الكافية لمواكبة التغيرات

كتبت هنا الجمعة الماضي مقالا بعنوان “هل هناك خطة مصرية للتعامل مع التحديات” ووعدت في نهايته باستكماله بمقال آخر، لأن الآليات التي استخدمت في التعامل مع أوضاع معقدة تلت خروج مصر جريحة من ثورتين في غضون عامين ونصف عام يصعب تكرارها في المستقبل بعد أن استردت الدولة جانبا كبيرا من عافيتها.

طبق النظام المصري خطته لاسترداد الهيبة والقوة والأمن، ونجح في السيطرة على مقاليد الأمور، وتبني رؤية للتنمية الاقتصادية والاجتماعية من منظور اعتقد أنه يكفي لتخفيف الأعباء ويمنح لأجهزة الدولة ديناميكية عالية للتحرك للأمام وقبلت بها قطاعات عديدة من المواطنين ووجدت تفهما لدى شريحة من المتابعين.

هناك فئة ترى أن ما جرى استخدامه في الماضي لن يحقق الثمار ذاتها في المستقبل، فالإنسان لا ينزل نفس النهر مرتين، لأن جريان المياه يتغير ومزاج الإنسان نفسه لا يبقى على حاله طوال الوقت، الأمر الذي يمثل دليلا على ضرورة أن تتمتع الخطة المصرية الخفية بدرجة عالية من المرونة في التعامل مع التحديات، وهو أيضا الاختبار الذي يؤكد وجود رؤية متماسكة لكل مرحلة أم أن التعاطي يتم بصورة عشوائية.

شغلت مسألة الخطة بال كثيرين من المهتمين بالشأن المصري، فبعض الأدلة تدعم وجودها حيث حقق النظام الحاكم أغراضه في مجالات استهدفها داخليا وخارجيا، وبعضها أوحى بأن التعامل يتم بالقطعة وحسب المستجدات، وربما في معظمه ينحصر في رد الفعل، ما ينفي العمل وفقا لخطة استراتيجية المرحلة القادمة.

في كل الحالات تحتاج الفترة المقبلة رؤية مغايرة لأن المبررات التي ساقتها القاهرة للقبول بالكثير من الإجراءات الاستثنائية لم تعد موجودة ويصعب الاقتناع بها عمليا.

جرى تفسير استخدام القبضة الأمنية بأن الأوضاع غير مستقرة والإرهاب يحيط بالدولة من جوانب متعددة والجماعات المتطرفة تنشط في سيناء شرقا وتتسرب من الحدود الغربية مع ليبيا، وبقايا المتشددين وجماعة الإخوان يعبثون في الداخل وقواعده الشعبية، كل هذه المظاهر تم القضاء عليها الآن وانتفت الروافع التي استندت إليها.

بالتالي فالخطاب الذي جرى استخدامه في التبرير لن يكون له صدى كبير أو تفهم لاحقا، بل توحي العودة لاستخدامه بأن الإرهاب مستمر، ما يتناقض مع التقارير التي قالت بتراجعه إلى الحدود الدنيا، وحتى مسألة درء الخطر قبل وقوعه عملية مهمة لكن تقتصر على من يمثلونه بشكل حقيقي، بما يستوجب تخفيف الصرامة إلى المستوى الطبيعي، فالعمل بالخطة الأمنية السابقة يشكك الناس في نجاحات من قاموا بها.

يمثل هذا البعد أحد الملامح التي تشير إلى أن الخطوات التي اتخذت من قبل فرضتها تطورات معينة وليست شأنا دائما، لأن الديمومة في هذه الحالة تستدعي مشاهد الفترة الانتقالية التي يحلو للبعض الحياة في كنفها لما توفره من إجراءات طارئة.

كما أن التحديات الإقليمية والنماذج العربية السيئة بدأ بعضها يلملم جراحه أو في طريقه إلى تسويات سياسية، تزامنا مع إحكام الأمن المصري سيطرته على جميع المنافذ البحرية والبرية، وتراجعا في التهديدات الخارجية أو تلاشيها، ما يمنح أجهزة الأمن قدرة على التقاط أنفاسها وخفض درجات الاشتباه التي تتواءم مع مراحل استقرار الدول أو الطامحة إلى ذلك.

تكمن المشكلة في اعتقاد راسخ داخل الوجدان العام وسائد لدى كبار المسؤولين بشكل خاص، مفاده أن المواطن المصري يحتاج لممارسة ضغوط عليه طوال الوقت لمنع انفلاته، فإذا وجد تساهلا سيكون من الصعوبة ضبط سلوكه، وما لم تتغير هذه القناعات سوف تتواصل حلقات الصرامة الأمنية المفرطة التي عززتها طقوس الفترة الحرجة خلال السنوات الماضية، وتفقد أجهزة الدولة قدرتها على الإدارة في أجواء إيجابية.

تحتاج فترات الاستقرار والبناء رؤية تعبر عن المضمون الذي يحويه شعار الدولة المصرية “الجمهورية الجديدة” حيث يشي بأن ثمة خطة تحكم تصرفات كافة الأجهزة، تعكس المعاني والمضامين الكامنة خلفه، في مقدمتها النهج الذي يحكم التصورات المستقبلية ويدعم فكرة التغيير المتوقع في مصر ويتم التبشير به حاليا.

تؤكد بعض التطورات أن هناك معالم صاعدة تظهر في محكات اقتصادية واجتماعية بشكل واضح وتحتل أولوية في خطاب رئيس الجمهورية لكن قسماتها لا تظهر على المستوى نفسه في النواحي الأمنية والسياسية والإعلامية التي تحتاج لاستدارة كاملة.

ما كان مقبولا في المحتوى السابق يصعب تسويقه في اللاحق، فمن المتوقع أن تنتقل غالبية أجهزة الدولة للعمل من مقراتها في العاصمة الإدارية بشرق القاهرة، وهي مناسبة تصلح للإعلان عن تفاصيل الخطة الجديدة والمكونات التي تنطلق منها وأبرزها معايير متينة تعتمد عليها الدولة في مرحلة الاستقرار والإعلان عن غلق ملف الفترة الانتقالية وعوراتها حيث جارت ملامحها القاتمة على بعض مناحي الحياة.

يبدو أن هناك جناحين يتجاذبان مستقبل مصر، أحدهما يريد مواصلة الطريق دون إدخال تعديلات مطلوبة خشية أن يؤدي التغيير في نمط الإدارة المعتاد إلى هزة في دواليب الدولة التي ارتاح الكثير من القائمين عليها لصيغة المركزية المبالغ فيها.

وتبعد محتويات هذه الطريقة الجامدة الصف الأدنى من كبار الموظفين عن تحمل المسؤولية، إذ يقبع هؤلاء داخل ما يسمى بالدولة العميقة التي تنسجم مفرداتها مع تطلعاتهم المادية العالية وطموحاتهم غير المحدودة في التدرج الوظيفي.

يطالب الجناح الثاني بتغييرات هيكلية تعبر عن مصر الحديثة الراغبة في أن يكون لها مكان تحت الشمس ودور واضح على المستوى الإقليمي يناسب تاريخها، وتدفع عناصره نحو التعجيل بإصلاحات شاملة في المجالات السياسية والإعلامية والأمنية وعدم الاقتصار على ما تحقق من نجاح في الناحيتين الاقتصادية والاجتماعية.

بدأت تظهر ملامح جناح ثالث يتبنى فكرة الخلط بين الجناحين السابقين، وهو بقدر ما يعبر عن انفتاح جزئي يحوي ترددا وارتباكا قد يحطم التوجهات الإصلاحية التي تحتاج إلى خطة جريئة وتخلّ تامّ عن تقاليد الفترة الماضية ومكوناتها التي وقفت عائقا أمام الإصلاح، فهناك فرصة أمام النظام لتغيير وجه الحياة في مصر بصورة متكاملة، قد يحرم ضياعها أجيالا من رؤية بلدهم في مصاف الدول الصاعدة.

باتت الكرة الآن في ملعب الرئيس عبدالفتاح السيسي الذي أشار أكثر من مرة إلى أن ما يبنيه في مصر يخص الأجيال القادمة كدليل على أنه يملك خطة، لذلك يحتاج هؤلاء منه إلى الإعلان عن رؤية إصلاحية محددة تمهد الأرض لعبورهم نحو المستقبل، فما هضمه السابقون وتعايشوا معه يصعب تكراره أو القبول به من اللاحقين.

8