ما علاقة البنك الدولي وصندوق النقد الدولي بالصراع في أوكرانيا

الخميس 2014/08/14

يلعب التمويل الدولي دورا هاما في الصراع الحالي في أوكرانيا على الرغم من غياب هذا الدور عن عناوين وسائل الإعلام التي تغطي الأحداث الجارية. ففي أواخر عام 2013، تصاعدت حدة الصراع بين الأوكرانيين المؤيدين للاتحاد الأوروبي والأوكرانيين الموالين لروسيا حتى بلغت مستويات عنيفة، مما أدى إلى رحيل الرئيس فيكتور يانوكوفيتش في فبراير عام 2014 وأجج نيران أكبر مواجهة بين الشرق والغرب منذ الحرب الباردة.

من العوامل الرئيسية التي تداخلت في الأزمة والتي أدت إلى انطلاق احتجاجات دامية، كان إقصاء يانوكوفيتش من منصبه بسبب رفضه لاتفاقية الشراكة بين الاتحاد الأوروبي التي كان من شأنها أن تفتح أبواب التجارة وتزيد من تكامل أوكرانيا مع هذه الكتلة الأوروبية. هذه الاتفاقية كانت مربوطة بقرض بمبلغ 17 مليار دولار من صندوق النقد الدولي. ولكن بدلا من ذلك، اختار يانوكوفيتش حزمة مساعدات روسية بقيمة 15 مليار دولار بالإضافة إلى خصم بنسبة 33 في المئة على الغاز الطبيعي الروسي.

ثم تغيرت العلاقة مع المؤسسات المالية الدولية بسرعة في ظل الحكومة المؤيدة للاتحاد الاوروبي التي تشكلت في نهاية فبراير 2014 والتي قبلت حزمة مالية من صندوق النقد الدولي بملايين الدولارات في مايو 2014.

وهنا، عند إعلانه عن برنامج مساعدات بقيمة 3.5 مليار دولار يوم 22 مايو، أشاد رئيس البنك الدولي جيم يونغ كيم بالسلطات الأوكرانية لوضع برنامج شامل للإصلاحات والتزامها بتنفيذه بدعم من مجموعة البنك الدولي.

لكنه لم يذكر الشروط الليبرالية الجديدة التي فرضها البنك الدولي لإقراض المال ومن بينها أن تحد الحكومة من سلطتها الذاتية عن طريق إزالة القيود التي تعيق المنافسة والحد من رقابة الدولة علي الأنشطة الاقتصادية.

هذا الاندفاع لتقديم حزم مساعدات جديدة إلى البلاد تحت الحكومة الجديدة، والذي يتماشى مع أجندة الليبرالية الجديدة، كان يعتبر بمثابة مكافأة من المؤسستين (البنك الدولي وصندوق النقد الدولي).

بيد أن الواقع هو أن المنافسة بين الشرق والغرب عبر أوكرانيا تنصب على السيطرة على الموارد الطبيعية، بما في ذلك اليورانيوم والمعادن الأخرى، وكذلك القضايا الجيوسياسية مثل عضوية أوكرانيا في منظمة حلف شمال الأطلسي (الناتو).

كذلك تشكل الرهانات حول القطاع الزراعي الواسع النطاق في أوكرانيا -وهي ثالث أكبر مصدر للذرة وخامس أكبر مصدر للقمح في العالم- عاملا حاسما جرى تجاهله. فبحقولها الوافرة من التربة السوداء الخصبة التي تسمح بحجم عال من الإنتاج، تعد أوكرانيا سلة الغذاء لأوروبا.

ليس من المستغرب إذن، تواجد الشركات الأجنبية في هذا القطاع الزراعي وحجم الحيازات الزراعية، وكلاهما ينمو بسرعة، بأكثر من 1.6 مليون هكتار لحساب الشركات الأجنبية للأغراض الزراعية في السنوات الأخيرة.

الهدف هو وضع السياسات التي تفيد الشركات الغربية. ففي حين أن أوكرانيا لا تسمح باستخدام الكائنات المعدلة وراثيا في الزراعة، تتضمن المادة 404 من اتفاقية الاتحاد الأوروبي، والتي تتعلق بالزراعة، شرطا لم يلتفت إليه أحد عموما: أن يتعاون الطرفان على توسيع نطاق استخدام التكنولوجيات الحيوية.

ونظرا للتناحر من أجل الموارد في أوكرانيا، وتدفق المستثمرين الأجانب في قطاع الزراعة، يصبح السؤال المهم هو ما إذا كانت نتائج البرنامج سوف تفيد أوكرانيا ومزارعيها من خلال تأمين حقوق ممتلكاتهم، أما أنها سوف تمهد الطريق أمام الشركات للحصول بسهولة أكبر على الملكية والأراضي.

وفي خضم الاضطرابات الحالية، يضغط كل من البنك الدولي وصندوق النقد الدولي الآن لمزيد من الإصلاحات لتحسين مناخ الأعمال وزيادة الاستثمار الخاص. وعلى الرغم من أن أوكرانيا بدأت في تنفيذ الإصلاحات المواتية لقطاع الأعمال في عهد الرئيس يانوكوفيتش من خلال مشروع “مناخ الخدمات الاستثمارية وتبسيط إجراءات التجارة ونقل الملكية في أوكرانيا”، فإن طموحه لم يتبلور في تقييد البلاد بمعايير البنك الدولي وصندوق النقد الدولي، في مجالات أخرى من السياسات والولاء لروسيا، مما أدى في النهاية إلى إبعاده عن منصبه.

وبعد تنصيب حكومة موالية للغرب، تم التعجيل بتنفيذ عملية التكيف الهيكلي التي تقودها المؤسسات الدولية جنبا إلى جنب مع زيادة في الاستثمار الأجنبي، بغية تحقيق المزيد من التوسع في مجال الاستحواذ واسع النطاق على الأراضي الزراعية من قبل الشركات الأجنبية والمزيد من نفوذها على الزراعة في البلاد.

وهكذا يصبح من غير الواضح إلى ما سيؤدي تأهب القوى الغربية لفرض عقوبات على روسيا بسبب ما تعتبره تجاوزات في أوكرانيا، وكذلك كيف ستؤديهذه البرامج والشروط التي فرضها البنك الدولي إلى تحسين مستويات معيشة الأوكرانيين وبناء مستقبل اقتصادي مستدام.


باحث بمعهد أوكلاند (عن وكالة آي بي إس )

6