ما عيب الدكتاتورية؟

الاثنين 2015/03/30

لأول مرة منذ اشتعال المنطقة أشعر أن لي ظهرا أتكئ عليه. صرت أرى نفسي كائنا يحيا داخل محرقة ضخمة. الدخان يذبحنا والأمل مفقود والميليشيات المسلحة وعصابات الشوارع تجول وتتنزه دون أي سد ومانع.

قبل الأحداث العربية الدامية لم أكن أستوعب أن الحلول العسكرية قد تجدي نفعا مطلقا. فكل الدماء ستذهب سدى، لأني أؤمن بالسلم والرومانسية.

وخلال الأحداث الدامية آمنت بأن الأمة العربية ماتت أو تموت. إذ كشر الشر عن أنيابه وصار يذبح بعضه، ظهر المجرمون وقطاع الطرق.

ظهر الإنسان المسلم على الشاشات مجرما، وحـشا يريد أن يلتهم أي عابر يسير أمامه. كمية الحنق التي بداخله بررها باسم العقيدة. أحرق شعارات أي ثورة، دهس أجساد البشر خنقها قطعها فتتها أكلها وشرب من دمها. حتى تعمد أن يمضغ ويلوك أعضاء بشرية أمام الكاميرات.

قافلة أكلة لحوم البشر تعربد، لا تشبع ولا تظمأ. فهل كل هذا التوحش نتاج للأنظمة البوليسية؟ بدأت أؤمن بالدكتاتورية. ما عيب الدكتاتورية؟ أقله كانت الأنظمة المستبدة تقمع الإرهاب والرجعية والعملاء.

صحيح أن التاريخ يقول إن أي ثورة تحمل في طياتها بوادر حرب أهلية. وأن نتائج الثورات لا تظهر إلا بعد عشرات السنين. لكن الحرب الأهلية لا تعني مضغ اللحم البشري.

لأول مرة يعود لي الشعور بالاحتماء خلف أنظمة مسؤولة. فحزب الله وإيران والإخوان والقاعدة أوهموا الجميع بأن مصير البلدان ضاع بيد الميليشيات المسلحة. الأمر لم يزلزل السعودية والخليج بعد لكننا قلقون فالمحارق مشتعلة من حولنا وإيران تحلم أحلام كسرى القديمة بالسيطرة على صحرائنا وغزو العالم.

لأول مرة أرتاح (ولو راحة مؤقتة) فعاصفة الحزم عاصفة أمل بأن النظام العربي لا زال موجودا. وأن القوة العربية تعيش. وأن الأنظمة ستنتفض لغزو الوحوش. وأن الميليشيات ليست هي الدولة. وأن اليمن أصل العرب والتاريخ والحضارة قد يتنفس من جديد.

وأنا أتوق إلى راحة، فمنذ اندلاع الثورات لم أر يوما عربيا مجيدا. حتى غزت مخيلتي فكرة أني وهم وكل من حولي ضروب من وهم.

مدننا شوراعنا مجالسنا ندواتنا نقاشاتنا. كأننا أشباح في انتظار أن تختفي بين الكواكب. فلعل عاصفة الأمل تزيح أشياء من الغمة وتنعشنا ولو بمقادير قليلة من الأمل. نعم، يحق لي أن أحلم ببداية.

دمت يا خليجنا وشامنا وعراقنا ومصرنا ومغربنا. وانهزم من باع العرب لعقيدة أو طائفة أو سلطة أو مادة.

24