ما فعله عبدالله غول ليس "خيانة" بل فرصة خسرها حزب العدالة

رجب طيب أردوغان أثبت دكتاتوريته عندما أقصى عبدالله غول من سباق الرئاسة.
الاثنين 2018/09/03
غول الرفيق الذي يخيف أردوغان

 ما الذي يمكن أن يفعله شخص كان من المؤسسين لحزب أو لحركة سياسية، وظل اسم هذا الحزب أو تلك الحركة السياسية يقترن باسمه بعد ما قدّمه من خدمات، وما تحمله من أعباء لرفعة هذا الحزب؟ ما الذي يمكن أن يفعله هذا الرجل عندما يدرك أنه صار -لسبب أو لآخر- من المُبعدين عن هذا الحزب؟

هناك الكثير من التفسيرات والتأويلات المختلفة، التي تجعل الناشطين السياسيين لا يشعرون بالراحة داخل ذلك الحزب أو الحركة السياسية التي ينتمون إليها؛ فقد يطرأ تغيُّر داخل الحزب أو الحركة السياسية التي ينتمي إليها هؤلاء الأشخاص، أو قد يكون التغيير من جانب الأشخاص أنفسهم، وحينها يشعرون بأنهم غرباء في هذا المكان.

 

حاد الرئيس التركي رجب طيب أردوغان ورئيس حزب العدالة والتنمية عن النهج الذي رسمه أحد أبرز كوادر المؤسسة للحزب عبدالله غول، واختار سياسات خاطئة ومتسلطة لتعزيز نفوذه تجبر المعارض له حتى في صفوف الحزب ولو كان غول، رفيق دربه السابق، إما على أن يخضع ويلتزم الصمت وإما على الإقصاء واتهامه بالخيانة.

السؤال الآن، أي من الأحزاب أو الحركات السياسية في يومنا الحاضر يسير -بشكل كامل- وفق النهج الذي رسمته الكوادر المؤسِّسة له؟ هل حزب الشعب الجمهوري في عهد كمال كليجدار أوغلو هو نفسه حزب الشعب الجمهوري، الذي تزعمه مصطفى كمال أتاتورك في الماضي؟ بل أقول هل حزب الشعب الجمهوري اليوم هو نفسه حزب الشعب الجمهوري في عهد عصمت إينونو؟ إلى أي مدى تتوافق الأيديولوجيا التي رسمها ألب أرسلان تُركَش لحزب الحركة القومية، مع النهج الذي يسير عليه الحزب اليوم؟

ينطبق الأمر نفسه على حزب العدالة والتنمية؛ فقد تغير -هو الآخر- ولم يعد يتبع النهج نفسه الذي سار عليه عند تأسيسه في عام 2000.

لكن ما الذي يتعين على الأشخاص أن يفعلوه عندما يتغيرون، أو عندما يتحول الكيان الذي ينتمون إليه إلى مسار آخر لا يمثلهم؟ هل يجب عليهم أن يتجاهلوا الموضوع برمته؟ هل يستمرون في علاقتهم بهذا الكيان الذي سلك طريقا خاطئا عجزوا عن تصويبه، متذرعين بـ“النظام داخل الحزب”، أو بالمبدأ الذي مفاده أن “المشكلات الموجودة بين أفراد العائلة الواحدة يجب أن تظل بينهم، ولا يطلع عليها الآخرون” أو أن يكتفوا بأن يذكر اسمهم بوصفهم أحد أعضائه فقط؟

إجابتي عن هذه الأسئلة -وأعتقد أنكم خمنتم ما سأقول- هي أنني لا أستطيع البقاء ليوم واحد في مكانٍ لا يسير وفق النهج السليم. ولو كنت ركنا أساسيا في حزب أو في أي كيان سياسي لسعيت جاهداً منذ اللحظة الأولى، التي أتأكد فيها من أن هذا الحزب قد حاد عن الطريق السليم، إلى تعديل الأوضاع داخل هذا الحزب نحو الأفضل، ولن أكتفي بالصمت؛ فإذا فشلت في تحقيق ما أصبو إليه سأقول لهم داخل الحزب “أتمنى لكم النجاح في طريقكم الجديد”.

والمؤكد أن أمراً كهذا لم يحدث عندنا؛ فكل الذين يدركون حقيقة الوضع داخل الحزب، ولا يحبذون البقاء صامتين يقومون بهذا الأمر بشكل لا يلفت انتباه الآخرين إليهم، فإن لم يستطيعوا تغيير الوضع داخل الحزب يضطروا إلى الصمت حتى لا تُطلق عليهم صفة “الخائن”.

لقد فتح زعيم حزب الحركة القومية، دولت بهجلي، الباب أمام أعضاء الحزب الذين ينتقدون توليه زعامة الحزب. ووصل الأمر إلى حد أن وصف الذين يمارسون السياسة داخل حزب الحركة القومية إلى الآن حزبهم، الذي قام بتأسيسه الأشخاص أنفسهم ، بأنه “وكر الخيانة”… أما دولت بهجلي فكان يضن حتى بالمسامحة، التي عرفناها عنه، في تعامله مع الحزب الصالح ومع حزب الشعوب الديمقراطي في الماضي.

ولا تزال الأزمات تلاحق حزب الشعب الجمهوري، حتى صارت على مرأى ومسمع من الجميع؛ فلم يعد أي من أعضاء الحزب يستمع إلى الآخر إلا نادراً، ولم نعد نرى المعارضة داخل الحزب تهتم بنقد السلطة الحاكمة بقدر ما كانت توجه اهتمامها إلى إيجاد طريق لها خارج حزب الحركة القومية.

وعندما نتخيل أن الحزب، الذي أسسه تورغوت أوزال وقاده للوصول إلى السلطة، قد سقط بين أيادٍ أجنبية، فهل لهذا معنى آخر غير أنه ترك هدفه نحو رئاسة الجمهورية، ويبحث عن تأسيس حزب جديد تماماً؟

ترى الإدارة داخل الحزب أن لها الحق في تغيير نهج الحزب الذي استحوذوا عليه، في الوقت الذي لا يسمحون فيه لأعضاء الحزب بنقد سلوكٍ أو المطالبة بتعديل نهج خاطئ.

غول كان من المعترضين على الطريقة التي تتبعها الحكومة في السياسة الخارجية والاقتصاد، وعلى الرغم من كل هذا ينتظرون منه أن يظل صامتاً، وألا يفكر -مجرد التفكير- في تقديم أفكار مختلفة في سباق الرئاسة

وهم في ذلك لا يتوانون عن وصم كل من ينتقد هذه الازدواجية أو ينفصل عن الحزب بصفة “خائن”، وكأن لسان حالهم يقول لأعضاء هذا الحزب أو الحركة السياسية ليس أمامكم سوى الطاعة العمياء.

هل من الممكن أن يحدث تطور في ظل نظام كهذا؟ والشيء المخيف كذلك هو أن الذين سيلزمون الصمت إزاء ما يحدث داخل الحزب، اتباعا لفلسفة “التكتم على المشكلات داخل البيت الواحد” سيظلون يعانون من هذا الأسلوب الذي تنتهجه إدارة الحزب.

وليس هذا الحزب فحسب، بل سيمتد الأمر إلى أي كيان آخر يتبنى النهج نفسه مثل منظمات المجتمع المدني وغيرها. وعلى الرغم من أن الموضوع يبدو بعيداً عن حزب العدالة والتنمية، إلا أن الأمر نفسه حدث داخل الحزب عندما وصف نائب الرئيس العام لحزب العدالة والتنمية رغبة عبدالله غول في الترشح أمام رجب طيب أردوغان في انتخابات الرئاسة بـ“الخيانة”. وقامت الدنيا وقتها، وهبت أجهزة الدولة من أجل استصدار قانون يمنع عبدالله غول من الترشح مرة أخرى لمنصب رئيس الجمهورية.

الجدير بالذكر أن عبدالله غول كان من المعترضين على الطريقة التي تتبعها الحكومة في السياسة الخارجية والاقتصاد، كما كان من المؤيدين للنظام البرلماني في حكم البلاد.

وعلى الرغم من كل هذا ينتظرون منه أن يظل صامتاً، وألا يفكر -مجرد التفكير- في تقديم أفكار مختلفة في سباق الرئاسة، وألا يدلي برأيه للمواطنين بشأن أي من القضايا الملحة. وبالتالي لم يتذكر أحد أي خدمة من الخدمات التي قدمها، بوصفه مؤسس الحزب وأول رئيس له، طوال مدة عمله وزيراً للخارجية، وانتهاءً بتوليه منصب رئيس الجمهورية، وقد يتعرض لهجمات من قراصنة الظلام على مواقع التواصل الاجتماعي.

ليت معادلة “المرشح المشترك” أو المتوافق عليه تتحقق، ويخرج أمام الشعب مرشحان جادان، لكل منهما ثقله ورؤيته. أعتقد أن أمراً كهذا سيكون خياراً مريحاً بشكل أكبر لأردوغان، الذي أُعيد انتخابه رئيساً للجمهورية من أجل حزب العدالة والتنمية. وحتى إن لم تُغيِّر الانتخابات هذا الواقع، فلن نشهد أهم المشكلات التي عشناها بعد الانتخابات، أو تلك التي نواجهها اليوم، وبالتالي كان أردوغان سيشعر بالراحة مقارنة بما يشعر به اليوم.

أعتقد أنه يجب على المنتمين إلى حزب العدالة والتنمية أن يشعروا بالأسف على ضياع هذه الفرصة.

6