ما كشفته غزوة "حزب الله" لجامعة لبنانية عريقة..

الأربعاء 2013/12/04

ترمز الجامعة اليسوعية في بيروت، بين ما ترمز إليه، إلى أنّها مكان يلتقي فيه لبنانيون من جميع الطوائف والمذاهب والمناطق والفئات الاجتماعية بهدف تحصيل العلم. تكمن أهميّتها في التنوّع وفي أنّها مكان يتعرّف فيه الشاب اللبناني على الآخر ويتناقش معه في قضايا سياسية وغير سياسية في ظلّ حدّ أدنى من أجواء الحريّة.

لعلّ أبشع ما في غزوة «حزب الله» للجامعة اليسوعية في بيروت، شعور الحزب المذهبي، أوّلا، بأنّه بات قادرا على فرض هيمنته وطريقة تفكيره وسلوكه، أي منطق السلاح، على أي منطقة لبنانية. يحاول أن يفرض ذلك بغض النظر عن رأي أهل هذه المنطقة أو تلك بسلوكه وعقيدته. إنه باختصار نقيض الانفتاح الذي ترمز إليه الجامعة اليسوعية والآباء اليسوعيون المؤسسون لها.كان الحزب، إلى مرحلة قريبة، دولة داخل الدولة اللبنانية. صار يعتبر نفسه الآن دولة فوق الدولة اللبنانية.

ما كشفته الغزوة التي تعرّضت لها الجامعة العريقة الواقعة في منطقة ذات أكثرية مسيحية، لا تبعد كثيرا عن وسط بيروت، أن الميليشيا المذهبية التابعة لإيران المسمّاة «حزب الله» حققت اختراقات في غاية الأهمية في كلّ بيروت. كان يمكن اعتبار هذه الاختراقات أمرا إيجابيا لو جاءت بشكل طبيعي وعبرّت عن مزيد من العيش المشترك والتفاعل بين اللبنانيين وتعميق له. المؤسف أن هذه الاختراقات جاءت لتؤكّد أن إيران، عن طريق الحزب، أقامت رؤوس جسور ذات طابع عسكري في كلّ بيروت.

يريد الحزب إبلاغ اللبنانيين، عبر غزوة الجامعة اليسوعية، أنّ بيروت مدينة إيرانية على المتوسّط وأنها ليست أكثر من رهينة، وما على اللبنانيين سوى القبول بهذا الواقع الذي لم تنبس تجاهه ببنت شفة حكومة على رأسها نائب سنّي من طرابلس.

مرّة أخرى يمتحن «حزب الله» قدرة اللبنانيين على المقاومة. جاء تطويقه للجامعة اليسوعية التي تضمّ مبانيها في تلك المنطقة كلّيات عدة، بينها كلية الحقوق وكلية الاقتصاد والعلوم السياسية وكلّية إدارة الأعمال، بمثابة تأكيد للرغبة في ابلاغ المسيحيين، بعد السنّة والدروز، أن لا خيارات كثيرة أمامهم. هناك خيار وحيد اسمه الرضوخ لمشيئة حزب مذهبي يسعى إلى تغيير طبيعة النظام اللبناني، وحتى طبيعة المجتمع في الوطن الصغير بعد نجاحه في تغيير طبيعة المجتمع الشيعي، بأكثريته طبعا. فهناك شيعة ما زالوا يرفضون الرضوخ للحزب ويسمّون الأشياء بأسمائها. هؤلاء يضعون الولاء للوطن فوق كلّ ولاء ويعرفون أن لبنان مجموعة أقلّيات وأن كلّ أقلية من هذه الأقليات مسؤولة عن العيش المشترك والمحافظة عليه بدل الاستقواء بالخارج… حتى باتفاق توصّلت إليه إيران مع «الشيطان الأكبر» في شأن برنامجها النووي.

ما ارتكبه «حزب الله» من منطلق مذهبي متكلا على أداته المسيحية المتمثلة في تيار النائب ميشال عون، ليس مجرّد اعتداء على جامعة القدّيس يوسف التي تأسست في العام 1875. ما ارتكبه يشكّل ضربة في الصميم إلى لبنان. لا يمكن مقارنة هذه الضربة إلا بغزوة بيروت والجبل في السابع والثامن والتاسع من أيّار- مايو 2008 ثم بالتهديدات الموجهة إلى المواطنين العرب كي يقطعوا أيّ علاقة لهم بلبنان واللبنانيين.

تمثّل جامعة القديس يوسف التي لديها فروع في أماكن أخرى من لبنان صرحا من صروح العلم في الشرق الأوسط. منها تخرّج كبار رجال القانون ورجال السياسة في البلد. هؤلاء ينتمون إلى كلّ الطوائف والمذاهب. لم تميّز الجامعة يوما بين طالب وآخر. الموضوع لا يتعلّق بالرئيس الشهيد بشير الجميّل، خريج كلّية الحقوق في الجامعة، الذي يسعى موتورون إلى الإساءة إلى صورته والذي اغتيل عام 1982 لأسباب لا تخفى على أحد. أبرز هذه الأسباب رفضه، بعد انتخابه رئيسا للجمهورية، الإذعان للإسرائيلي والسوري في الوقت ذاته. لم يسعَ بشير الجميّل طوال السنوات التي أمضاها في الجامعة إلى فرض آرائه على أحد بأي شكل من الأشكال أو وسيلة من الوسائل… باستثناء الحوار.

كانت الجامعة اليسوعية، عبر تاريخها، على غرار الجامعة الأميركية، التي تأسست في العام 1866، والجامعات الأخرى في لبنان، مكانا للتنافس السياسي البحت في جوّ راق إلى حدّ كبير.

لم يرتدِ هذا التنافس يوما طابعا مذهبيا وطائفيا، بين مسلم ومسيحي، حتى عندما كان هناك خلاف بين اللبنانيين في شأن المقاومة والوجود الفلسطيني المسلّح. كان الخلاف بين يمين ويسار عموما. كان هناك، للأسف، مسيحيون ومسلمون مع المقاومة الفلسطينية مثلا. وكان هناك مسيحيون ومسلمون ضدّها. لم يعطّل ذلك الدروس في الجامعة التي لم تشهد إلا نادرا صدامات بين طلابها. كانت هذه الصدامات بين أحزاب مسيحية، لأسباب تافهة في معظم الأحيان، وبقيت في إطار حدود معيّنة.

تكمن خطورة ما نشهده حاليا أن المطلوب لا يقتصر على جعل الجامعة اليسوعية تشبه كلّ شيء باستثناء الجامعة اليسوعية. المطلوب تحويل الجامعات إلى قواعد عسكرية لـ»حزب الله»، أي لإيران وضرب الأسس التي قام عليها لبنان لمصلحة مشروع ذي طابع مذهبي يشبه إلى حدّ كبير ما حصل في العراق بعد الاحتلال الأميركي للبلد. إنّه احتلال لم يفد سوى إيران وميليشياتها المذهبية المسلحة التي غزت بغداد والبصرة ومدنا أخرى، وضربت الأسس المتقدّمة التي عرفت بها جامعات البلد.

هل ينجح هذا المشروع؟ لو كان قابلا للنجاح في لبنان لكان اللبنانيون بقوا في بيوتهم بعد تظاهرة الثامن من آذار- مارس 2005 بعد التهديدات التي وجهها إليهم وقتذاك الأمين العام لـ»حزب الله». لو كان قابلا للنجاح، لما خرج الجيش السوري من لبنان. كذلك، لو كان هذا المشروع قابلا للنجاح، لكان لبنان كلّه وقف مع حلف الأقلّيات في المنطقة الذي يروّج له الحزب ومن خلفه إيران.

يبدو أن على «حزب الله» أخذ دروس في تاريخ لبنان وتاريخ الجامعات فيه، تاريخ كلّ جامعاته التي يسعى إلى السيطرة عليها الواحدة تلو الأخرى، مستخدما أسلوب الإقناع بواسطة السلاح. أي أنّه يمارس كلّ ما يفترض بالطالب الجامعي الابتعاد عنه في حال وجب على هذا الطالب أن يكون في مستوى الشهادة التي قد يحصل عليها يوما.


إعلامي لبناني

8