ما لا بُدّ منه

الصراع لا يحصل بإجبار الناس على التفاهم بل باحتدام التناقضات التي ستنتج الأفكار الشبيهة بالأحجار الكريمة.
الجمعة 2021/04/30
تطور كبير في لغة التواصل

هذا الأسبوع قرأتُ عن التطوّر الكبير الذي طرأ على قدراتنا البشرية في التعبير والتواصل خلال العقود الأخيرة، وهو ما لم يحدث من قبل عبر آلاف السنين التي تلت ظهور الإنسان على الأرض.

ماذا يعني هذا؟ يعني أننا أصبحنا أكثر قدرة على نقل ما يدور في أنفسنا إلى الآخرين، وتصويره بأيسر الأساليب وأبسطها والتي ستتيح لمن حولنا فهمنا أكثر ولا تعود هناك أي مشكلة، على اعتبار أن كل شرارة قدحت منذ الأزل بين البشر، و”كل خناقة في حارة“ وكل نزاع وكل حرب كان سببها سوء تفاهم ما، فالحادث يقع حين تتعطل لغة التواصل. وهكذا على مفرق الطرق حين تتعطل إشارة المرور تتصادم العربات.

والآن وقد بتنا وسط عالم التواصل الاجتماعي الفائق. كيف تغيّرت تلك المعادلات الخاصة بالحوادث وسوء التفاهم والشرارات؟

ليست المسألة تقنية صرفة. ولا تتوقف على التقدم التكنولوجي وحده، ولا تلعب الآلة فيها دور البطولة المطلقة. وإن فكّرت أن اللغة هي اللاعب الأبرز، لن تكون مصيبا، فالملايين من البشر تتقن لغات بعضها البعض ومع ذلك لا تعيش بوئام وتفاهم.

وقد سبق لقوافل من المفكرين والباحثين تحليل الصراعات التي يمكن أن تندلع بين البشر، حتى أن بعضهم من البسطاء وضع لها حدودا تحصرها في المثلث ”السلطة والمال والنساء“، وهذه الأخيرة تحيلنا إلى أن أولئك الباحثين هيمن عليهم عقل ذكوري، فلماذا لا يكون الرجال أيضا محورا من محاور الصراع بين النساء؟ خاصة وأن أغلب المؤامرات عبر التاريخ تم تدبيرها على أيدي النساء، واليوم يفخر الأميركيون بوقوف امرأتين خلف الرئيس جو بايدن وهو يلقي خطابه بمناسبة مرور 100 يوم على توليه السلطة، نائبته كامالا هاريس ورئيسة مجلس النواب نانسي بيلوسي.

المال، يمكن أن يكون مفهوما، لأنه يضمن البقاء والجشع والتوسّع وينفتح على السلطة أيضا. لكن النساء! لا أعتقد. لأن المرأة متجاوزة للرجل فيزيولوجيا، ودماغها متقدم عليه ببضع مراحل تطور، وحين يتناطح كبشان تقف السيدات الغنمات لتوجيه المعركة بالأعين والأصوات.

الدين؟ الطائفة؟ الحزب؟ الأسرة؟ ما الذي يمنع سوء التفاهم من الحدوث؟

ولكن مهلا؟ من هو ذلك الأحمق الذي أدخل في رؤوسنا أن الطبيعي عدم وجود اضطراب في التواصل بيننا؟ وأن الهدف المنشود هو تسطيح منحنى التوترات بين البشر إلى الحدود الدنيا والصفر حتى تكون الأمور “تمام”؟

الصراع بين الكائنات، بين الجنس ذاته، هو لبّ الحكاية. ومن دونه لا توجد حكاية أصلا. والصراع لا يحصل بإجبار الناس على التفاهم، بل باحتدام التناقضات التي ستنتج الأفكار الشبيهة بالأحجار الكريمة الثمينة من بين تصادم الملايين من الأحجار الرخيصة.

 
24