ما لا يؤخذ بالفوضى يؤخذ بالمزيد من الفوضى

الخميس 2016/09/22

بين رؤية جمال عبدالناصر “ما أُخذ بالقوة لا يسترد بغير القوة”، وبين النظرية الإسرائيلية “ما لا يؤخذ بالقوة يؤخذ بالمزيد من القوة”، ظلت رؤية عبدالناصر غير عملية، لم يطبقها الحكام العرب مرة واحدة، إلا تجاه شعوبهم، بينما نجحت إسرائيل في تطبيق ما تقول حتى في حرب أكتوبر 1973، التي روج لها الإعلام الممانع (قبل نحت المصطلح) بأنها انتصار!

الفوضى الخلاقة التي روجت لها وزيرة الخارجية الأميركية السابقة، كونداليزا رايس، لم تذهب في النسيان، بل كمنت تحت السطح، وليس هنالك من تجل لها أوضح مما نراه الآن في سوريا واليمن والعراق وليبيا ومصر، حتى يمكن القول على لسان أميركا “ما لا يؤخذ بالفوضى يؤخذ بالمزيد من الفوضى”.

حتى الدول العربية التي تبدو مستقرة، بمعنى أنها لا تشكو من حرب داخلية، أو من احتجاجات مطلبية ضاغطة على أنظمة تلك الدول، حتى هذه مهددة بالدومينو، إن انتصرت ثورات الربيع العربي في نهاية مطاف مديد، أو لم تنتصر حتى بعد العشرات من السنوات.

المشرق العربي وشمال أفريقيا تغيرا كثيرا بعد عام 2011، ومن لم يدفع دما، دفع قلقا أمنيا، وخسائر اقتصادية، وخططا مخابراتية تقدم التنازلات للقوى الكبرى كي “تساعدها” في تجنب السيناريوهات الأكثر تشاؤما.

ليست أميركا وحدها من تقود هذه الفوضى، فإيران هي اللاعب الأكبر في ساحات سوريا واليمن والبحرين ولبنان، وروسيا تبحث عن مصالحها “الغازية” في سوريا ما بعد نظام الأسد، مع الأسد، أو مع غيره، بينما تقف تركيا في موقع المتأهب، كونها لا تمتلك ما يكفي من القوة، أو من النفوذ في الدول المذكورة، حتى في سوريا.

إذا، صاغ فريق رايس المصطلح، وذهب. وسواء كان ما يجري الآن تحركه الأصابع الأميركية منذ ما قبل 2011، أو أنها تستغل ما توقعته، وتعمل على تغذيته ليصل إلى الفوضى القصوى، فإن أميركا ستربح في النهاية. متى سيتم ذلك، وهل هي معركة سلاح على الأرض، أو في السوق؟ تبدو ترجيحات أن الكلمة للمال هي الطاغية.

في السوق، تبدو مصالح روسيا الغازية والنفطية مقدمة على ما عداها، على الرغم من البروباغندا التي تعلنها في خصوص أن الشعب السوري وحده من يحق له تغيير مصير “رئيسه”.

وتشير الكشوفات الحالية، أو المستقبلية، إلى أن مخزون الغاز في المياه الإقليمية مقابل الساحل السوري لا يقل عن 50 تريليون قدم مكعب. وهذه الكشوف كافية وحدها لتبرير كل الفوضى، وأي فوضى، تختلقها أميركا، أو روسيا، بالرغم من الاسترخاء الأميركي في عهد الرئيس باراك أوباما، حيث لم تظهر الولايات المتحدة الشراسة التي أظهرتها في حرب تحرير الكويت 1991، أو حرب احتلال العراق 2003.

فوضى الحرب، في سوريا والعراق خاصة، يفسرها محللون بقرينة داعش. فالتنظيم الذي نبط فجأة في “الهلال الخصيب” وجد له تجليات في أفريقيا وشمالها، وفي دول ذات أنظمة محافظة في الخليج والأردن، بل وأصبح التنظيم عابرا للقارات بوصوله إلى غرب أوروبا وأميركا.

لكن لغز داعش ليس كل شيء، والاستراتيجيات الأميركية خاصة، وإن كانت متخاذلة في نظر من كان يرجو مساعدة أميركا لثورات الربيع العربي، لا يمكن أن ترتهن لراهنية داعش الطارئة، فما قالته رايس قبل أكثر من عشر سنوات ليس هوى وزيرة خارجية كانت ترتجل خطبة للاستهلاك الإعلامي ينتهي مفعولها بانتهاء ساعة بثها.

في دولة مثل الولايات المتحدة تمتلئ أدراج مرافق السياسة الخارجية بالخطط والبدائل التي تلحظ أي متغير يمكن أن يعطل خيار الخطة الأولى. حتى الخطة الأولى، وهي هنا “الفوضى الخلاقة”، قد يتأجل تنفيذها للظرف المناسب دون أن تطوى إلى الأبد. والظرف المناسب نفسه قد يكون موضوعيا، وليس ذاتيا، بمعنى أن الأحداث تهيء، أحيانا، الظرف المناسب كي تكون الخطة ممكنة التنفيذ.

في حالات دول الربيع العربي، وجد الظرف الموضوعي في إحراق محمد البوعزيزي سببا لاشتعال شرارة كان يمكن لها أن تشمل كل شمال أفريقيا، لكن الجزائر والمغرب استطاعا امتصاص الصدمة، بينما اشتعلت الثورة في مصر وليبيا.

وفي اليمن، وسوريا، كان يمكن للنظامين تبريد الاحتجاجات، وإعادة الشعبين إلى حظيرتيهما، لكن مظالم نصف قرن في البلدين كانت أقوى من استيعاب نظامين مهلهلين لا يملكان أمام شعبيهما سوى الحلول الأمنية والعسكرية، فاشتعلت فيهما أطول ثورتين في الربيع العربي، وأكثرهما دموية.

في النتيجة، فسر نظام بشار الأسد ذلك بالمؤامرة الكونية، ودعا إيران وروسيا إلى مساعدته في مجابهة الإمبريالية، فلبى الطرفان الدعوة بكل امتنان، لكن الولايات المتحدة كانت جاهزة بخططها البديلة لتأجيج الحالة في سوريا، على عكس إيران التي كانت متدخلة سلفا في لبنان، وفي اليمن، تدريبا وتسليحا ودعما ماليا.

ذلك لا يعني أن أميركا لا تمتلك قائمة مصالح في منطقة الشرق الأوسط، بل وفي سوريا، التي لا يغري نفطها وغازها الدولة الأكثر استهلاكا للنفط في العالم. فالنفط ليس كل شيء، بينما تشكل مصالح إسرائيل، ومصالح حلفاء أميركا في المنطقة، دافعا أكيدا كي تجرب الدولة العظمى خيارات أقل تكلفة من حرب احتلال العراق، خاصة أن واشنطن لم تشفَ بعد من آثار الأزمة الاقتصادية في عام 2008.

وما قد نعتبره تخاذلا من أميركا أوباما، قياسا إلى صقورية جورج بوش الأب، والابن، قد ترى فيه لوبيات المصالح الأميركية، التي لا تتبدل بتبدل الإدارة البيروقراطية، مجرد كمون في انتظار المزيد من الفوضى.

هذا ما تنتظره أميركا في الإدارة المقبلة، بل ما ينتظره لوبي المصالح الذي سيعطي الأمر للرئيسة كلينتون، أو للرئيس ترامب، لإنهاء هذه الفوضى، والتهيئة لفوضى قادمة. وعندها ستكون كل من روسيا، وإيران، قد أدتا كامل دوريهما، بغض النظر عن مكاسبهما مقابل كل الدم المراق.

وبهذا يمكن أن تمحو الولايات المتحدة الأميركية تهمة التخاذل، لكن دون أن تكتسب زورا لقب الدولة الراعية للديمقراطية، كما روج لها الحزب الديمقراطي منذ أيام جون كينيدي في ستينات القرن الماضي.

كاتب وصحافي سوري

8