ما لا يقوله الشعر

الشعر هو صوت الذات لكنها الذات التي تتخلق من جدلية العلاقة مع الحياة والواقع وقضايا الإنسان والحرية قبل أي وعي زائف آخر.
الثلاثاء 2018/07/03
قصيدة اليوم تطغى عليها شحنة الانفعالات والتقليد (لوحة: سعد يكن)

يمكن للقارئ أن يتوقف مليا عند الرؤى والأفكار التي هيمنت على قصيدة الحداثة العربية منذ منتصف أربعينات القرن الماضي، وإدراك علاقتها بالتحولات السياسية والفكرية والاجتماعية لتلك المرحلة.

ويمكن لنا أيضا أن نقرأ في سياق هذه التجربة تحولات الواقع صعودا وانكسارا، وجمالياتها في التعبير عن هذه التحولات. لكن ما الذي يقوله من يكتب الآن الشعر في ظل حالة الانهيار والضعف التي نعيشها على مستوى الواقع والشعر معا.

لم تعد قضايا التقدم والحرية التي كانت تشغل شعراء تلك التجربة هي المسألة الغائبة عما يكتب من نصوص شعرية اليوم، بعد أن غدت الذات أو أنا الشاعر هي الكون الذي تسبح في مداراته هذه النصوص، بل ثمة مسألة أخرى ترتبط بها وتعبر عن مأزق هذه التجارب، تتجلى فتفقر هذه القصيدة على المستوى الثقافي، ويغيب عنصر التجريب. لذلك كان طبيعيا أن تفتقد هذه القصيدة إلى أساليب وأدوات تعبير طالما شكلت ملامح أساسية في بنية القصيدة عند شعراء التفعيلة والنثر الرواد.

إن قضية الفقر الثقافي الذي أصبحت تعاني منه تجارب اليوم، تدلل على حالة الاستسهال والضعف التي باتت تعاني منه، وغياب أفق البحث عن لغة وأدوات تعبير جديدة للقصيدة. ما نعنيه هنا هي الإشارة إلى حالة الغنى والتنوع والبحث الذي كانت تحاول هذه التجارب أن ترومه، وليس الاستنساخ والتقليد.

استعادت شعرية الحداثة العربية خلال النصف الثاني من القرن العشرين فضاء الأسطورة والصوفية وجمالياتهما، واستدعت التاريخ والتراث الديني والشعري عربيا وعالميا ونوعت في طرائق هذه الاستعادة وتوظيفاتها كاستخدام القناع والرموز والمشهدية. لكن ماذا عن قصيدة اليوم التي تطغى عليها شحنة الانفعالات والتقليد واليومي والذاتي البسيط والتهويم في الكثير من الحالات.

إن هذه البساطة في الكتابة وهيمنة السرد ولغة الخواطر قد أخرج أغلب النصوص من دائرة الشعر ووضعه في مأزق الاستنساخ والتشابه، لكن الأكثر غرابة كان التوقف عند ما تقوله هذه النصوص في لحظة وجودية انكشفت فيها جميع أوهام الأيديولوجيا ومشاريع التحديث والنهضة، وأصبح العربي ينوء بأحمال الواقع الثقيلة دون أفق للخلاص.

إن انغلاق أغلب النصوص على الذات والحديث عن غربة الشاعر يجعلان الشعر أمام أسئلة هامة عن موقع الشاعر من هذا الواقع، وعن جماليات الكتابة وأفقها المفتوح في ظل حالة الاستعصاء والخراب العربي. صحيح أن الشعر هو صوت الذات لكنها الذات التي تتخلق من جدلية العلاقة مع الحياة والواقع وقضايا الإنسان والحرية قبل أي وعي زائف آخر.

15