ما لم نتعلّمه من النباتات

من لديه الوقت والصبر ليظهر للنباتات الاهتمام الكافي والرعاية النفسية التي تتطلبها للنمو والازدهار.
الجمعة 2021/03/19
نمو لإرضاء الاهتمام

قرأت مقالاً قصيرًا قبل أيام، لرئيسة تحرير مجلة “ساينتفك أميركان” العربية داليا عبدالسلام، موضوعه الجوهري هو "عقل النباتات". ويحاول أن يبرهن على أن النباتات طوّرت عبر آلاف السنين أجهزة وأعضاء، حتى أنها تحاكي أعضاء البشر، من دون أن تكون لها عيون أو أنوف.

الصفصاف مثلاً، الذي لا يطمح العشاق أن ينمو فيه ثمر يومًا ما، كما تقول الأغنية الشهيرة، حين يشعر بهجوم اليرقات التي تنوي التهام أوراقه يرسل عبر الهواء فيرمونات خاصة ليحذر شجر الصفصاف القريب منه، فيشرع الكلّ بإنتاج السموم المضادة لليرقات لمواجهة الغزاة.

وسيصل الحديث إلى سيرة العالم ليبرتي هايد بيلي الذي ولد في القرن التاسع عشر وعاش حتى نهاية الخمسينات من القرن العشرين في الولايات المتحدة. كان هذا الرجل يؤمن بأن النباتات لا تنمو من تلقاء ذاتها، ولا بسبب التربة والسماد والمياه، بل لأنها تحاول تلبية رغبة من يهتم بها.

هل هذا مألوف؟ لا شك أنه خارج تفكير عموم الناس، فمن لديه الوقت والصبر ليظهر للنباتات الاهتمام الكافي والرعاية النفسية التي تتطلبها للنمو والازدهار. غير أن الحياة هكذا، وهذا قانون طبيعي ينطبق على النباتات والبشر معًا.

حديث تفكير النباتات قديم. لكن المقال دفعني إلى التوسّع في القراءة والبحث عن تفاصيل أكثر حول ذلك. فعقل النباتات فكرة سلسة للتأثير. وليس علينا أن ننسى أن غالبية العرب من أهل الفلاحة أو صاروا كذلك، وأن التمدّن هو الأقل.

ولكن أين عقل النبات في النسيج الأخضر الذي نراه بأعيننا؟ الجواب عند فرانتيسك بالوسكا أحد باحثي جامعة بون الذين أثبتوا أن دماغ النباتات موجود في جذورها. يقول بالوسكا إنهم تمكنوا من اكتشاف أنشطة كهربائية في جذور النبات، كما وجدوا أن التركيبة البيولوجية للخلايا شبيهة بتركيبة الدماغ الحيواني، وهو ما أطلقوا عليه اسم “مركز التحكم”.

ثم يأتي بعد ذلك مفهوم “خجل التاج” وهو مصطلح في علم النباتات يشير إلى ظاهرة تعكس شعور النباتات بالألم. سترى ذلك ببساطة حين تراقب نهايات الأشجار في الأعلى، إنها تتجنّب بكل وسيلة أن تلامس غيرها من الأشجار كي لا تؤلمها أو تسبب لها ضررًا.

ليس بلا دلالة أن يكون عقل النباتات في جذورها، حيث الثبات والتمسّك بالمكان، والسيطرة على المكان الخاص والإحساس بالآخر. ومن خلال تلك الجذور سيعمل مركز التحكم على إنتاج صيغ وأشكال مختلفة منها الورد ومنها القمح، ومنها الفجل والشوك والعلّيق. وكل هذا يعني إنتاج الهوية، عبر العقل والخجل وحدهما، لا بالسوالف والشعارات.

24