ما لم نقرأه في كتاب

الأربعاء 2017/06/14

يعلموننا العناية بنظافة الأجسام.. ولا يعلموننا العناية بنظافة العقول والضمائر.. يدرّسوننا علم الإحياء والتشريح.. ولا أحد يشرح لنا ما يحصل في خلايانا حين نفقد عزيزا.. درجاتنا في درس الكيمياء تحدد مستقبلنا.. وليس في كتاب الكيمياء حرف واحد يشير إلى ما يحدث لنا حين نحب..!

وإذ نكون فضوليين ونحاول معرفة كل شيء.. نركض وراء الكتب والمجلدات التي لا تقدمها لنا المدارس.. لنقرأ ونقرأ ونقرأ.. وإذ يحصل معنا موقف مزعج في الشارع يتطلب منا تصرفا حكيما.. نجد أن شخصا ربما لا يجيد القراءة والكتابة يتصرّف بحكمة ووعي يفوقان كل ما قرأناه بعد أن خبر الحياة وتعلم منها الكثير الذي لم يكن مكتوبا في كتاب!

ليس ذلك شرط بالتأكيد فالعلم نور والجهل ظلام.. هكذا علمونا أيضاً.. ولكن أحداً لم يرشدنا يوما الى تعريف العلم والجهل.. ولم يجبنا أحد على السؤال الكوني الكبير “العلم بماذا؟.. أو الجهل بماذا؟”..

فتصرفاتنا وردود أفعالنا وسلوكنا العام يخضع للعادات والتقاليد والتربية البيتية والمدرسية.. وهي بمجملها إنما تخضع للاجتهادات الفردية المحض.. ولا علاقة لها بعلم محدد أو إرشاد وتوجيه.. وكم هي نادرة أو شبه معدومة تلك الكتب التي يبحث عنها الفضولي لتعلمه كيف يتصرف إزاء الفشل مثلا.. أو ما الذي يمكن عمله حين يتعرض لموقف سيّء.. أو كيف يصالح جارا غاضبا!.. أو كيف له أن يتعامل مع ضغوط العمل اليومية.. فإرشادات من هذا النوع لا تتعدى أن تكون ضمن النسق العام للتجارب الشخصية وللتربية الدينية ربما والمفاهيم المتوارثة.. وغالبا ما تكون قاصرة عاجزة عن استيعاب كل ما يمكن أن يتعرض له الإنسان، طفلا كان أو كبيرا، من مواقف في رحلة حياته..

وعلى الرغم من أن مواضيع من هذا النوع أصبحت اليوم شائعة جدا في الدول الغربية.. (من كتب وموسوعات ودوريات ومجلات إلى معاهد تعليمية ودورات تدريبية وبرامج تثقيفية على شبكة الإنترنت وفي القنوات التلفزيونية.. إلخ.) إلا أنها مازالت في مجتمعاتنا شبه معدومة ولا تحظى بأي اهتمام.. والعجيب في الأمر أن أشد الرافضين لها هم غالبا من المثقفين أنفسهم.. فهم أكثر المستخفين بها والمعارضين لفكرتها.. ويتم التعامل معها غالبا على أنها أمور سطحية ثانوية وتافهة.. أو لكأنها دجل وشعوذة ولا علاقة لها بعلم أو دراسة!

وقد تندرج موضوعات التنمية البشرية وتطوير الذات ضمن هذا السياق لكنها ليست بالضرورة العصب الرئيس لها.. ولن تكون كتب علم النفس وعلم الاجتماع إلا فرعا صغيرا من فروعها.. فالعالم حولنا يتطور ويسير بسرعة الضوء.. والبحوث والمعلومات تزدهر وتتلاقح في كل يوم إنما لتنجب المزيد من العلوم التي تصب في خدمة الإنسان المعاصر.. بينما لا نزال نحن نراوح في مكاننا وننظر إلى كل جديد على أنه بدعة.. فنتعامل معه بازدراء وتحقير أو برفض واستهجان.. وأحيانا حتى بتكفير وإلغاء.. دون أن نخبره ونتوغل فيه لمعرفة نتائجه ومدى تأثيرها علينا وعلى طبيعة مجتمعاتنا وأهميته في تهذيب إنساننا للوصول إلى التحضر والمعاصرة..

وهو أمر يستحق الدراسة فعلا.. ويستحق من المثقفين قبل سواهم الخوض في غمار معرفته وترجمة أفكاره وتنميتها بما يخلق علما جديدا يرفد حياتنا بشيء من ضوء جديد..

صباحكم معرفة..

شاعرة عراقية مقيمة في لندن

21