ما لهم لا يعون صرخة الإمارات "الإرهاب لا دين له"

الأحد 2016/03/06

الانفجارات الأخيرة في بغداد قامت بها الدولة الإسلامية، فالبعض يعاني من خلل في فهم حجم الأشياء، ويعتقد بأن خروج الصدر في مظاهرات مثلا يعتبر قضية خطيرة، ولهذا قامت بعض الجهات السياسية بالتفجيرات في أحياء صدرية ببغداد. هذا التفسير الضيّق بسبب عيشهم في العراق لا يمكنهم من رؤية الصورة الكبيرة كتداعيات وقف إطلاق النار في سوريا مثلا أو هدوء بغداد لفترة طويلة بسبب تشيّع العاصمة.

لا يَرَوْن سوى الصدر والمظاهرات والفساد. إن الدولة الإسلامية لا يعجبها هدوء بغداد والتحوّل الثقافي المباشر أو غير المباشر المتمثل بالتسليم بأن الشيعة هم “الأعلون” في العراق. لهذا ستستمر بالتفجيرات في المرحلة القادمة حتى يشكّ الجهلة بحقيقة استسلام السنّة ويعود الخطف والقتل على الهوية.

لا يمكن للسنّة المتطرفين السماح بنجاح نموذج للتبشير الشيعي لأن هكذا نموذجا في مركز عربي وإسلامي مهم كبغداد قد يشمل المنطقة بأسرها فيما بعد. لو كان القادة الشيعة يلجأون لأساليب دموية كهذه، لكان من باب أولى اللجوء للاغتيالات السياسية فيما بينهم.

التاريخ يشهد لهم بنظافة اليد من الدم الشيعي فهم فاسدون ويسرقون نعم، إلا أنهم لم يخوضوا حرب اغتيالات فيما بين قادتهم. فكيف تظنون بأنه من الممكن لهم أن يقتلوا مئات الشيعة الأبرياء في تفجيرات؟

سماحة السيد مقتدى الصدر يكرر نفسه تكرارا مملا فبعد مهلة الـ100 يوم التي أعطاها سابقا لحكومة السيد نوري المالكي يخرج علينا بمهلة الـ45 يوما التي يعطيها لحكومة السيد حيدر العبادي رغم أنه مشارك في الحكومتين وعنده أعضاء برلمان ووزراء يتحدثون باسمه. لم تسفر مهلة الـ100 يوم السابقة عن شيء، كما لن تسفر هذه المهلة عن شيء أيضاً سوى التخدير والاستهلاك الإعلامي الغبيّ. الجنرال قاسم سليماني وبخمس دقائق في اجتماع سري أرغم السيد نوري المالكي على التنحّي، ونصّب السيد حيدر العبادي مكانه بلا انتخابات ولا أصابع بنفسجية ولا حركة غوغاء.

المظاهرات العلمانية تحت نصب الحرية وفي ساحة التحرير، والاعتصامات السنية الضخمة كلها لم تحرّك الغبار الذي على قدمي المالكي. العراق اليوم يعتبر هامشا بربريا من هوامش الإمبراطورية الإيرانية وللشغب العراقي حدود، فالحكومة الإيرانية لم تتردد بوضع آية الله منتظري بجلالة علمه ومكانته تحت الإقامة الجبرية حين تحول إلى مشاغب، وكذلك حدث مع آية الله محمد الشيرازي حتى موت كلّ منهما.

فما بالك بشاب وطالب علم كالصدر لو تحول إلى مشاغب، وليس ببعيد عنا مصير السيد الصرخي الذي أخذ يمتدح الدولة الإسلامية وتحول إلى الفكر الوهابي، وصار يطلق تعبيرات عنصرية مبالغا فيها عن العرب والفرس والتطاول على آية الله السيستاني شخصيا فقد شهدنا كيف كان الرد حازما ومدويا بحقه.

كل الحكاية أن البعثيين يقولون للعرب علنا هل تريدون داعش أم إيران؟ فداعش يهددكم، والحشد الشيعي يهددكم أيضاً، كما سمعنا مؤخرا من تهديدات سخيفة وغير مؤدبة أطلقها المدعو أوس الخفاجي بحق أهم دولة عربية كالإمارات. البعثيون العراقيون يصطادون في الماء العكر فهم عراب داعش إلى الموصل وما زال ضباطهم يديرون هذا التنظيم الإجرامي. ورغم أن البعث يعلم بأنّ لا قدرة لديه على استعادة السلطة فإنه يطمح من خلال الأزمات أن يحصل قادته على ثروات ضخمة ودعم مقابل تحريك مؤسساته الإعلامية والمخابراتية.

ويعتبر السيد مقتدى الصدر شريكا في هذه الصفقات. فهو دائماً يقود السنة إلى بوابة الجحيم، ثم يتخلّى عنهم عند الباب ويعود أدراجه إلى البيت الشيعي الدافئ بعد حصوله على أموال طائلة. قبل أيّام قليلة دعا الصدر إلى حملة تبرع لتيّاره، مما يكشف حاجة القيادة الصدرية إلى العملة الصعبة، والأزمات طبعا أفضل استثمار.

إن المسؤولية عن ضياع السني العراقي لا تقع على الصدر أو الصرخي أو إيران بالدرجة الأساس، بل تقع على البعث الذي نفخ في موضوع مقاومة الاحتلال الأميركي، ودعّم القاعدة والحركات المتطرفة ثم في النهاية تسليم الموصل للدولة الإسلامية. البعث العراقي تنظيم كبير عمره في السلطة نصف قرن وهو المسؤول عن حالة التمزق العراقي وفشل الدولة.

لماذا لا ترضخ القبائل العراقية للواقع؟ مَن الذي نفخ في النار ودفع الناس إلى التطرف سوى حزب البعث. وكلنا ضحايا البعث وأناشيده، مَن نحن أمام عبقرية البعث في غسيل الدماغ السني العراقي حصرا؟ التحريض الإعلامي الرهيب، فالبعثيون يأتون بسيدات يشرحن للناس كيفية اغتصابهن على يد الشيعة. وفي قناة وصال -التي أغلقتها الحكومة السعودية مشكورة- سمعنا شيخا بليغا يتصل ويبكي. يقول لهم اغتصبوا فتاة أمامي بالسجن فقط لأن اسمها عائشة، وهي تستنجد وتقول أنا حافظة للقرآن الكريم، وتستصرخ النبي “وا محمداه” وهم يطأونها الواحد بعد الآخر. ثم نلوم الشاب السعودي المسكين إذا تأثر.

التقرير الاستقصائي الذي نشرته جريدة “وول ستريت جورنال” عن أموال داعش يثبت استحالة حصاره اقتصاديا، فهو يعتمد مكاتب الصيرفة غير المرخّصة، وأسواق المزاد على الدولار التي يقيمها البنك المركزي ببغداد، ويحصل من خلال وسطاء على مبالغ ضخمة من العملة الصعبة. كما أنه يعتمد على حالة الضبابية في الاقتصاد العراقي الذي يشجع المسؤولين على الفساد وتبييض الأموال.

تنظيم الدولة الإسلامية فرض نفسه كزبون محترم يقدّم الرشوة ويفي بتعهداته المالية حيث العمولة في المعابر العراقية أمر متعارف عليه، وربط مصيره بمصير الفساد العراقي. الدولة المسخ باقية وتتمدّد بالفساد وحركة المال والضرائب والسوق السوداء وطبعا بالرّعب أولا.

كيف تقضي على شبكة ضخمة كهذه من الأموال المتحركة من عمان إلى إسطنبول إلى غازي عنتاب إلى بغداد إلى الرقة إلى الموصل. وكيف للدولة الإسلامية امتلاك هذه الخبرات المالية لولا تقديم حزب البعث العراقي خبراته الضخمة في التهريب والسوق السوداء أيّام الحصار الاقتصادي الذي استمر 13 سنة بحيث استثمرت الدولة الإسلامية خبرات وعناوين عملاء وطرق متطورة جاهزة. هجوم داعش الأخير على قضاء أبو غريب غرب العاصمة بغداد يوضح لنا سبب عدم رغبة النازحين بالعودة ، فتحرير الرمادي كان مجرد كر وفر لا أكثر.

نحن أولا نثمن موقف الإمارات بإدانة الإرهاب وبكافة أشكاله سواء كان داعش أو النصرة أو الميليشيات وعلى الدولة العراقية تثمين هذا الموقف لا إدانته كما فعل السيد رئيس الوزراء حيدر العبادي حين استدعى السفير الإماراتي وأبلغه رسالة احتجاج. كان على رئيس حكومة بلادي فهم الحكمة والنوايا الطيبة خلف التصريح الإماراتي. العجيب أن سيادة رئيس الوزراء العراقي حيدر العبادي كان قد وعد بالحد من سلطة الميليشيات وضمّها إلى القوات النظامية للدولة، في بداية حزمة الإصلاحات التي أطلقها، وحين ردد وزير خارجية الإمارات نفس كلامه السابق حمّل السفير الإماراتي مذكرة احتجاج. كان على رئيس الحكومة توجيه احتجاجه لقائد لواء العباس الإرهابي السيد أوس الخفاجي الذي وجّه كلمات غير لائقة بحق دولة شقيقة للدولة العراقية معها تجارة ومصالح بالمليارات.

أتمنى على الإمارات أن تبقى حيث هي دائماً مترفّعة ومتسامية، ولا تعطي اهتماما لتهديدات ساقطة من مجتمع سياسي وصل أقصى درجات الفساد والعنف والانحطاط. والأهم أن لا تسمح للمتصيدين في الماء العكر التكسب السياسي والانتفاع من الأزمات ماليا.

الإمارات رفعت شعار “الإرهاب لا دين له” والتاريخ يشهد بذلك. فمعظم الأميركيين عارضوا معاقبة الضابط ويليم كايلي الذي أمر باغتصاب وقتل نساء وأطفال ڤيتناميين على أيدي جنوده في مذبحة ماي لاي الشهيرة، واعتبروه بطلا. الشيء نفسه يحدث في العراق إذ ينظر الشيعة إلى السيد “أبو عزرائيل” الذي ظهر في إصدار وهو يعلّق جثة بشرية ويقطع منها اللحم بسكين كبيرة على أنه بطل، كما ينظرون إلى السيد “أبو درع” الذي ذبح آلاف السنة المدنيين في بغداد كشخصية شعبية وهناك أناشيد تروّج له. هذا يقابله بعض السنّة الذين ما زالوا يفخرون بالزرقاوي والدواعش وتوحشهم الإجرامي. إن العراق يمكن أن ينزلق إلى واحدة من الكوارث الأخلاقية الكبرى التي حدثت في التاريخ.

والإمارات العربية المتحدة قلعة الشيخ زايد المتعالية والمتسامية تتفهم هذا الواقع، ولن تسمح للمتصيّدين بالماء العكر من عراقيين وغيرهم في التكسّب السياسي من آلام شعوبهم. وهذا نهج يشهد به التاريخ للإمارات العربية منذ صرخة الشيخ زايد رحمه الله برفع الحصار الاقتصادي عن العراق لأنه كان يؤذي الفقراء والأطفال قبل القادة الكبار.

كاتب عراقي

2