ما مدى أخلاقية إجهاض الجنين المصاب بمتلازمة داون

مكّنت التقنيات الحديثة والتشخيصات المخبرية المرأة في شهور حملها الأولى من التأكد من عدم إصابة جنينها بمتلازمة داون، وبالتالي إمكانية اختيارها الإبقاء على الجنين أو إجهاضه، وطرحت هذه القضية جدلا واسعا بين المدافعين عن حق هذا الجنين في الحياة، وبين المناصرين لإجهاضه نظرا لما يخلفه بقاؤه من معاناة يتحملها هو بالدرجة الأولى ومتاعب وأعباء مادية تتحملها الأسرة والمجتمع.
السبت 2017/03/11
أسر تخشى من أن يشكل وجود طفل مريض عبئا عليها

في تقرير بثه راديو كندا عن شهادة أزواج عايشوا تجربة تشخيص إصابة الجنين بمتلازمة داون، قالت جولي فوشر إنها انهارت عندما علمت أن الطفلة التي كانت تحملها أثبتت التشخيصات أنها مصابة بالتثلث الصبغي 21، وهو السيناريو الذي لم تتوقعه الأم الشابة وزوجها ناثان.

وتابعت فوشر قولها”بالنسبة إليّ كان من الواضح أننا لا يمكن أن نكون سعداء مع طفل بمتلازمة داون، وكان من الواضح لي أنني لن أبقي عليه”، وهنا قال زوجي “حسنا، بالنسبة إليّ لا يبدو أيّ شيء واضحا إلا ما قلته”.

أجّل الزوجان العديد من المرات مواعيد القيام بعملية الإجهاض، فهما غير قادرين على اتخاذ القرار وتنفيذه. وتستنكر جولي فوشر عدم وجود الدعم والمعلومات ذات الصلة في النظام الصحي لمساعدة الأزواج على أتخاذ القرار بطريقة واضحة.

وأضافت فيشر “ليس الطبيب من سيوفر هذا الدعم هنا، وللأسف، لا يوجد حتى كتيب يساعدنا في مثل هذه المسائل”، مشيرة إلى أن الطاقم الطبي يقول إنه “من الصعب بالنسبة إلى آباء الأطفال الذين يعانون من متلازمة داون أن تكون لديهم خدمات”ّ. وتضيف جولي فوشر “من المؤكد أن الحفاظ على هذا الجنين لا يلقى أيّ تشجيع”. وفي الأخير وبمساعدة طبيب نفساني قرّر الزوجان المحافظة على الحمل.

ويتحدث مارك في السياق ذاته عن ابنته صوفيا، المصابة بالتثلث الصبغي 21، والتي تبلغ من العمر اليوم 7 سنوات وهي الأخت الصغرى لثلاثة أطفال، قائلا”حتى اليوم تملأ الدموع عيناي والغضب يخنق صوتي عندما أتذكر الأسابيع التي تلت نتائج التشخيص التي كشفت إصابة طفلتي بالتثلث الصبغي 21”، وكانت زوجته ستيفاني حاملا بطفلها الثالث، محاطة بأسئلة لم تجد لأيّ منها جوابا.

وينتقد الزوجان مارك وستيفاني تحيز العاملين في مجال الصحة لإجهاض الجنين المصاب بمتلازمة داون، في إطار برنامج عام يشدد على ضرورة إعلام الآباء بوضوح وبكل حياد.

ويعتبر الطبيب أنطوان بايوت، من مركز سانت غوستين الجامعي في مونتريال أن هذا النظام يدفع حتما الأبوين إلى وضع حدّ للحمل، مضيفا أن دراسات في هذا الشأن بصدد الإنجاز.

ويناضل الكثيرون ضد إجهاض الطفل المصاب بمتلازمة داون وتعتبر العائلات التي تتخذ مثل هذا القرار كأنها انحرفت عن المسار الصحيح.

يناضل الكثيرون ضد إجهاض الطفل المصاب وتعتبر العائلات التي تتخذ مثل هذا القرار كأنها انحرفت عن المسار الصحيح

ويدخل الأبوان في حيرة من أمرهما بعد ظهور نتائج التشخيصات الطبية التي تجريها المرأة الحامل وتثبت أن الجنين مصاب بالتثلث الصبغي 21 أو ما يتفق على تسميته بمتلازمة داون، حيث أشارت الإحصائيات إلى أن 90 بالمئة منهم يفضلون إجهاض الجنين أما النسبة المنخفضة التي تختار الاستمرار في الحمل فهي تعلن غياب الدعم وانتشار الأفكار المسبقة داخل النظام الصحي.

ويرى المعارضون للإجهاض أنه يؤدي إلى “قتل الأجنة الذين يوجد لديهم هذا المرض وهم في رحم أمهاتهم بذريعة التخلص من الألم يجعل منها سببا لاتخاذ قرار في استحقاق البشر الحياة من عدمها، محذرين من أن تطغي الرغبة في الإبقاء على الأبناء الأصحاء فقط.

وفي المقابل يرى المدافعون عن حق هذا الطفل في الحياة بأن هذا التشخيص يشكل ضغطا على الآباء ولا يؤدي إلى تخفيف مشكلاتهم، ولذلك ترفض الكثير من الأسر إجراء أي فحص لجنينها قبل الولادة. وفي المقابل لا يخفي الآباء والأمهات قلقهم من أن يكون الجنين مصاباً بمتلازمة داون ويترددون في اتخاذ قرار بإبقاء الجنين أو إجهاضه، ويقول البعض إن هذا الأمر مقلق، فأنت ترى طفلك السليم وعائلتك السليمة وتخشى من أن يشكل وجود طفل مريض عبئاً عليك.

ويقول هاينتس يوآخيم شميتس الذي كثيراً ما عايش ردود فعل الناس الأصحاء حين يرون مصابين بمتلازمة داون في كولونيا الألمانية “الناس يخافون قليلاً في البداية، فيتراجعون خطوتين إلى الوراء، ولكنهم يتقدمون ثلاث خطوات إلى الأمام حين يكون بينهم وبين المصابين تواصُل” مبررا ذلك بأن المصابين بمتلازمة داون غالباً ما يكونون أشخاصاً سعداء وأقل تجهما من غيرهم. ويضيف شميتس موضحا “لديهم عالمهم الخاص الذي لا يخرجون عن حدوده ويعيشون فيه بسعادة”. إلا أنه يَأسَف كثيراً نظراً لردود الفعل الحذرة التي تصدر عن الناس حين يصادفون مصابين بمتلازمة داون”، مشيرا إلى أن الأشخاص الذين يعانون من متلازمة داون هم جزء من المجتمع ولا يمكن استبعادهم منه.

ومن جانبه يتمنى المتخصص التربوي وخبير في الطب العصبي-النفسي أندريه تسيمبل أن يصبح المصابون بمتلازمة داون أكثر قبولاً في المجتمع، شأنهم في ذلك شأن المصابين بداء التوحّد، الذين لا يتمتعون بقدرات عادية على التواصل مع محيطهم. ويقول متأسفا “نحن نعيش في مجتمع يقدّس الذكاء وقَلَّما يكون فيه ما هو أسوأ من أن يعتبر الناس المرء غبياً”، وفي مثل هذه البيئة يكون ازدراء المصابين بـالتثلُث الصبغي 21 كبيراً، إذ يعتقد الناس أنهم مصابون بخلل في الذكاء، رغم أن هذا ليس صحيحاً في الواقع”.

وأكد مختصون أن عمر السيدات الحوامل هو العامل الأساسي الذي يفسر ارتفاع حالات الإصابة بمتلازمة داون نظرا لأن الكثير منهن يفضلن الإنجاب في سن متأخرة، مما يضاعف خطر الإصابة بالتثلث الصبغي عند الأطفال دائما، فإذا كانت النسبة 0.1 بالمئة في سن الـ25 فنها تتضاعف عشر مرات بعد سن الأربعين.

وتوصلت الإحصائيات إلى أن متلازمة داون تصيب رضيعا من بين 800 عند الولادة، وتختار حوالي 90 بالمئة من قرارات الإجهاض عندما تثبت الفحوص التشخيصية التي تجرى على دم الجنين أو السائل الأمنيوسي إصابة الجنين بمتلازمة داون.

21