ما مصير الجهاديين والإسلام السياسي بعد زلزال قطر

لكل حدث سياسي كبير موجاته الارتدادية ونتائجه التي لا تظهر مباشرة. قرار دول عربية عديدة قطع علاقاتها الدبلوماسية مع قطر، لن تقتصر نتائجه على المآلات السياسية والدبلوماسية والاقتصادية المباشرة، بل ستمتد لتطال أحد أهم أسباب الخلاف ومنطلقاته؛ دعم جماعة الإخوان وبقية التنظيمات الإرهابية، فإلإسناد القوي الذي لم تكن قطر ترى ضيرا في ممارسته، والتباهي به والخلط بينه وبين دعم “ربيع الشعوب” كان أحد الأسباب وسيرسم أحد أهم النتائج، إذ لا شك في أن الحدث سيؤثر بشكل كبير على مصير الإخوان والتكفيريين في المنطقة برمتها، وسيضرب قطع سبل الدعم المادي والإعلامي والسياسي واللوجستي (الإيوائي) هذه التنظيمات في مقتل.
الأربعاء 2017/06/07
هنا طالبان من الدوحة

العنوان الرئيس لأحداث ما بين العام 2010 الذي شهد تبلور بزوغ قطر كلاعب إقليمي، وعام الزلزال الذي أصابها بإعلان المقاطعة العربية 2017، هو فشل ترتيب الشرق الأوسط لحساب قوى دولية وأخرى إقليمية طامعة على حساب النظام العربي.

انهارت تلك الصدقية التي تحدث عنها فرنسيس فوكاياما أحد منظري تصعيد قطر وجماعة الإخوان إلى السلطة، فلم تحقق الثورات كما توهم نموذجا يجمع بين الديمقراطية والإسلام السياسي بما يعزز الحضور الأميركي في العالم والشرق الأوسط، إنما أبانت الوجه الحقيقي للإسلام السياسي بأصوليته وتطرفه وأحاديته العدائية.

كلام زعيم حركة النهضة التونسية راشد الغنوشي الذي أطلقه على هامش زيارته للولايات المتحدة في بدايات البزوغ القطري كبديل للدول العربية الكبرى حول “تحقيق نموذج جديد يجمع بين الإسلام والديمقراطية” استحال كارثة لحقت بالعالم كله.

لم ينقل هؤلاء المنظرون الحقائق كاملة لصانعي القرار الاستراتيجي في الغرب عندما دفعوهم إلى إطلاق مشروع الإسلام السياسي في المنطقة العربية، فالعطالة والقصور الذاتي والفقر الفكري ومساعي الهيمنة بلبوس ديني وطائفي لا تمثل مرتكزات لخلق بيئة سياسية تحفظ حقوق المواطنة وتعزز التجربة الديمقراطية، إنما هي في حقيقتها أدوات لترسيخ أزمات العالم العربي ودفعه إلى الانفجار بما يهدد استقرار العالم.

خامة هذا المشروع المتمركز منذ ذلك التاريخ في الدوحة وأنقرة قفزت في الهواء من جماعات دون خبرة سياسية لا تزال جامدة على تصورات تعود إلى ما قبل الاشتباك الفعلي مع القضايا العربية الكبرى في الخمسينات والستينات، بينما واقع اليوم معقد توشك شظايا انفجاراته أن تمحو بعض الدول وكياناتها من خارطة الوجود.

كان الرهان يكمن في مدى مقدرة الشعوب العربية أثناء انتفاضاتها على اختصار مخاضها والانتقال من الحروب إلى بناء الدولة، لكن ما حدث هو إخضاع الدين لمطالب السياسة والمصالح الإيرانية والقطرية والتركية، وفي تاريخنا ظل هذا الإخضاع عنوانا لفتن كبرى تجددت خلال السنوات السبع الماضية بالأدوات ذاتها لتتخلق الفتن المدمرة، وتخسر الشعوب حلمها بإعادة بناء دولها على أسس سوية، لأنه متى وجدت الميليشيا فلا وجود للدولة.

هناك متغيرات مسؤولة عن هذا التحول، فالانتفاضات العربية التي جسدت الحلم القطري بالهيمنة على العرب عبر الإخوان، لا تشبه الثورات الأوروبية كالإنكليزية والأميركية ثم الفرنسية بل هي أشبه ما تكون بالثورة الخمينية، فكيف تتحقق الديمقراطية والحريات والمساواة وكيف تتأسس دولة مدنية، بالتجييش والتحشيد المليوني الخارج من المساجد بهتافات أصولية؟

قطر لا تريد رؤية دولة عربية كبيرة قائمة، فلديها عقدة نقص وترغب في تحويل المنطقة إلى دويلات صغيرة

الثورة الفرنسية أسقطت الكهنوت وسلطة رجال الدين، بينما رفعت انتفاضات ما عرف بالربيع العربي برعاية قطرية غربية رجال الكهنوت وصار يوسف القرضاوي في نسخة الربيع العربي هو ذاته الخميني في نسخة الربيع الإيراني الطائفي.

دفعتنا تلك الأحداث نحو الفوضى الدينية الطائفية بامتياز إخواني أصولي تكفيري كاره للجميع وحاقد على التعددية ومتربص بالديمقراطية ومبيت للحريات الفردية شرا، والشيء ذاته حدث مع بني صدر وزمرة المثقفين الليبراليين واليساريين الإيرانيين، فبعد مشاركة ودعم الخميني حذفهم من الوجود وفرض أصوليته المتشددة وحاكميته الشيعية بعنوان ولاية الفقيه.

في العام 2012 بدأ ظهور النسخة السنية من هذا التحول نحو السير إلى الماضي وكهوفه برعاية وتمويل قطري وتنفيذ إخواني سلفي جهادي، عبر حملة لفرض الأيديولوجية المبنية على عدم المساواة والسيطرة على وسائل الإعلام والمحاكم وفرض التصورات المتعلقة بمزاعم تنفيذ الشريعة الإسلامية، وهو ما أدى لاحقا علاوة على أسباب أخرى إلى قيام تظاهرات حاشدة في معظم المدن المصرية، وهذا التحول الأخير هو الموجة الأولى للزلزال الأخير الذي تعرضت له قطر أخيرا وبالتبعية جماعات الإسلام السياسي.

نص بيان الإخوان قبل تنحي حسني مبارك بيوم واحد على أن هناك من يفتري عليهم بمسعى إقامة دولة دينية كالتي في إيران، متبرئين من تلك الافتراءات، بحسب زعمهم، وقالوا نحن لا نتطلع إلى السلطة ولا نريد الرئاسة ولا المناصب ولا نسعى لكسب الغالبية في البرلمان، ولكننا نتطلع إلى إصلاح شامل في كل المجالات ابتغاء وجه الله، وثبت من خلال الوقائع والتطبيق وأوراق القضايا التي يحاكمون على أساسها والوثائق أنهم كاذبون، وأنهم فقط يتحركون لوجه قطر وتركيا وآذانهم مع بعض التطمينات الغربية.

تسييس الدين من قبل جماعة الإخوان وداعميها الإقليميين والعرب ارتد بعواقب وخيمة على الجبهة الداخلية للأوطان العربية، بصعود قوة ممولة تزعم أنها المحتكر الوحيد للدين، فتحولت إلى طرف مفرق وممزق للنسيج الوطني والاجتماعي.

وصارت لعوامل التفريق والنزاع والتمايز داخل النسيج الاجتماعي الموحد والاقتتال الداخلي قوة اقتصادية وإعلامية ترعاها وتمولها وتنشر تبريراتها وتسوغ ممارساتها، كاستئناف على أفضل ما يكون لما فعله أسلافهم في عهد الفتنة الكبرى، بالخروج بالمسلمين والعرب من عهد الأمة والجماعة إلى عهد الانقسام السياسي.

لقد سعت قطر طيلة أعوام لجعل جماعة الإخوان تحت سلطتها ونفوذها، وها هم ضحاياهم بالمئات من الآلاف في ليبيا والعراق وسوريا واليمن، وكان من المقرر والمنتظر أن تعبث بباقي الدول وتلحقها بمن سبقها في الفوضى والسقوط والتشرذم.

عولت قطر وجماعة الإخوان على انتصارات التكفيريين المسلحين من قاعدة ودواعش وعلى توسعاتهم على الأرض، ظنا أنه من الممكن أن تتم الاستعانة بهم وربما انتظارهم فعليا لحل أزمة التيار الإسلامي مع السلطات في الدول العربية بطريقتهم الهمجية الفوضوية وباستهداف بنية الدول ومؤسساتها وأجهزتها الأمنية، وصار الوحش الأيديولوجي التكفيري مبرمجا بيد رعاته إلى اللحظة المناسبة التي تدق فيها ساعة الانفجار والصراعات الطائفية الساخنة.

وهذا تأسس على فشل القيادات الإخوانية وضحالة خبرة القيادات القطرية وضآلة الإنجازات في المسار السلمي، وتواضع نتائج التجربة الحزبية الإسلامية والسير بطريقة الجماعات التقليدية الأبوية واستدعاء العداء القديم للمؤسسات وعلى رأسها الجيش والقضاء والشرطة، علاوة على الخصومات المستحكمة مع مجمل الطيف الفكري والعقائدي والمذهبي الموجود على الساحة العربية التي يميزها التنوع والتعددية الفكرية والعقائدية.

محج الإخوان

صعّدت قطر شيئا فشيئا عداءها للدول العربية ووصل ذروة الهوس في أعقاب تطورات ما بعد أفول عهد الرئيس الأميركي السابق باراك أوباما، ومن ناحيتها صعّدت جماعة الإخوان لهجة الخطاب باستخدام المصطلحات والأبعاد الدينية، وانجرف الشباب الإسلامي للعنف والتكفير والعمل السري المسلح في مراحل الصراع السياسي التنافسي خلال مرحلة انتقالية بالغة الحساسية والدقة سواء ما يتعلق بالأوضاع الداخلية الأمنية والاقتصادية، أو ما يتعلق بالتحديات الخارجية.

لم تكن ممارسات قطر والجماعة خالصة لإعلاء شأن الدين أو دفع المظالم، بل مقاصد خبيثة للمزيد من تعميق التناحر الداخلي في العمق العربي طمعا في الغنيمة أو الهيمنة غير المستحقة لدولة محدودة أصابها هوس السيطرة، وامتزجت الصراعات الأيديولوجية والفكرية الداخلية بالصراعات الإقليمية من أجل الهيمنة على مجتمعاتنا، وصار النظام العربي برمته رهنا لتعدد أقطاب الصراع وتعارض مصالحهم، في مشهد غنائمي تسعى قطر وتركيا وإيران لاقتسامه.

قطر لا تريد رؤية دولة عربية كبيرة قائمة، فلديها عقدة نقص وترغب في تحويل المنطقة إلى دويلات صغيرة وهو ما تراه السبيل الوحيد ليكون لها دور، وهو ما لن يحدث ما دامت هي بهذا الصغر وسط عمالقة. سعت لتقسيم السعودية وبعض دول الخليج وسوريا وليبيا والعراق، وهذا هو مشروعها الذي تقاطع مع مشاريع غربية وتركية وإخوانية في مرحلة سوداء من تاريخنا.

وتمت هندسة الترتيبات والتفاهمات برهن المستقبل العربي على مدى بعيد لحسابات ولمصالح غير عربية، في استعادة لنظام الوصاية الأجنبية من خلال وكلاء إقليميين لفائدة الطرفين فقط، بينما يبقى العرب على هامش الأحداث والمصالح وتنتزع من زعاماتهم شارات القيادة بعد القضاء على مصادر القوة العربية وإطفاء عوامل الصمود.

هذا المصير الذي أسهمت فيه قطر بنصيب وافر ماديا وتسليحا وإعلاميا، مؤداه الطبيعي هو تمكين إيران من التغلغل في المنطقة وفرض إرادتها على دولها العربية، ويحقق ما تهدف إليه الفوضى الخلاقة من تفتيت لهذه الدول ووضعها بين فكي كماشة صفوية صهيونية تطمع في ثرواتها وترهن إرادتها وتتحكم في مستقبل أجيالها، بينما تتمكن قطر من الاختيال وسط الفوضى بأنها صارت كبيرة ومسموعة الكلمة ومرهوبة النفوذ.

ولم يكن هناك مفر أمام الدول العربية من التحرك بصورة حمائية للحد منه بداية من تمكين مصر من القيام بدورها بدعم ثورة 30 يونيو 2013 ضد حكم الإخوان، مرورا بعاصفة الحزم، وصولا إلى عمل جماعي يحرر العرب من آثار سنوات الفوضى الكارثية على المنطقة.

كان هناك غطاء دولي لنشاطات إيران وتركيا وقطر بغرض استباحة المنطقة العربية، كان يهدف إلى استثمار تمكين هذه القوى البديلة من رقبة النظام العربي لصالح مسارات مذهبية وصراعات طائفية لإضعاف وحدة العالم العربي دولتيا ومجتمعيا.

تسييس الدين من قبل جماعة الإخوان وداعميها الإقليميين ارتد بعواقب وخيمة على الجبهة الداخلية للأوطان العربية

النظام العربي يتحرك الآن بفاعلية داخل بؤر الصراع لمواجهة حقيقية وناجزة ويتخذ قرارات سياسية ودبلوماسية حاسمة لصد تلك المضاعفات الخطيرة الزاحفة نحو تغيير الخارطة الديمغرافية من العراق إلى ليبيا، والهادفة إلى تقويض الاستقرار السياسي العربي وتفجير الصراعات المذهبية ونشر الفوضى المسلحة من خلال دعم تنظيمات أيديولوجية ومذهبية تكفيرية سنية وشيعية.

خلق تمكين تلك القوى من العمق العربي حضورا عسكريا موجها يصاحبه عمل استخباراتي مهول من الخارج خادم لمصالح القوى الممولة وهو بمثابة الدولة داخل الدولة، علاوة على تفجير الداخل العربي دينيا ومذهبيا وهو ما لم تستطع إسرائيل تحقيقه.

الهدف في النهاية تحويل الدول العربية إلى دول هامشية عن طريق الإرهاب، فلن يجري التعامل الدولي مع دول يرتع فيها الإرهاب وتسيطر عليها الميليشيات إلا بطريق العزل والتهميش، ولحماية السلم والأمن العالميين لن يتم التواصل مع الدول العربية وحكوماتها، إنما مع القوى الداعمة والممولة لتلك الميليشيات للتحكم في قراراتها وتمددها.

بناء على المعطيات السابقة وتأثيراتها على تشكيل التحالفات الاستراتيجية بين الدول العربية والقوى الكبرى في ضوء المستجدات اعترف الجميع بأن الخطر الأول هو جماعة الإخوان التي فشلت في الحكم واستعْدَتْ الشعوب وظهرت نواياها في مسعى إسقاط الدول وتغيير هوياتها، وثبت أن من وراءها ومن يسند ظهرها بكل قوة دولة قطر.

التحولات خطيرة ولا يمكن تجاوزها لكنها كانت في حقيقة الأمر مخاض ولادة وليس مرض موت ليتشكل واقع عربي جديد سيسهم العرب بتعاطيهم مع الأزمات الحالية وبطبيعة أدوارهم في صراعاتها في رسم ملامحه.

ويتوقف ذلك على مدى قدرتهم على حسم الحروب والصراعات لصالح الدولة الوطنية والأمن القومي العربي، وعلى مدى نجاحهم في الحد من التدخلات الإقليمية والدولية وتهميش الدور العربي، ومدى قدرتهم على خلق توازن في علاقاتهم مع الأقطاب الدولية، وأفادهم أن الحرب على الإرهاب، الذي تموله قطر، صارت حربا عالمية.

الحرب على الإرهاب ودور الأطراف والقوى المختلفة في الإجهاز عليه واستعادة الأراضي التي سيطرت عليها تنظيماته وتقليل خطره ونفوذه وانتشاره ووقف مصادر دعمه وتمويله وتقويض منصات دعاياته ستفرض نفسها على أجندة النفوذ الجديدة، وستعني استردادا لعافية النظام العربي.

الحديث يدور اليوم حول مصير الجهاديين والإخوان الذين تدعمهم وتحتضنهم قطر، بعد التحرك العربي الأخير الذي سحب منهم ورقة قطر، وبالتالي لم يعد أمامهم سوى تركيا.

ورقة الإخوان هي ورقة مثل أي ورقة سياسية مطروحة على طاولات السياسة خاصة أننا بصدد شخصية براغماتية مثل الرئيس التركي رجب طيب أردوغان، وهو في السابق لم يكن يرغب في التفريط فيها بلا مقابل، لكن الوضع الآن مختلف.

لم يعد أمام الرئيس التركي سوى التخفف من دعم الإخوان، لتعود الجماعة إلى وضعها الطبيعي، ويعود هو إلى تسويق القيام بدور معتدل من جديد.

ربيع الإخوان وقطر انتهى دون رجعة، فسير بعض الدول الموهومة بالنفوذ والتوسع وراء التصورات الإخوانية ورط الجميع، وثبت فشل الرهان على الراديكالية الإسلامية بنسختيها، فما تواجهه قطر يتزامن مع ما تواجهه إيران نتيجة أحلام ومطامع متشابهة.

مصير الإخوان إما التسليم والتراجع، وإما التشظي إلى خلايا سرية والتحول إلى العمل المسلح. أما التكفيريون المسلحون فسيسعون لاستثمار ما حدث لاجتذاب المزيد وفرض حربهم الانتقامية عبر الإرهاب غير المرئي وغير المرصود. إنها حقبة جديدة من المواجهة بين العالم والإرهاب، في ما بعد القضاء على حضوره على الأرض وقطع أذرع مموليه.

13