ما معنى أن تسقط إندونيسيا

الأحد 2017/01/08

إندونيسيا أرض الابتسامة الدائمة؛ فيها يخاطب الناس بعضهم البعض بوجوه باسمة مستبشرة، ويحسبون ذلك الأمر من آداب المعاملات اليومية. إندونيسيا أرض العمل والكدح والانضباط؛ فيها يستيقظ الناس قبل الديوك، وتكتظ الشوارع بالسيارات والدراجات النارية قبل انبلاج الصبح، فلا تدوي منبهات الصوت في الطرقات، ولا يُسمع لهم كلام أثناء القيام بالأعمال. تلك ميزتهم ومزيّتهم.

إندونيسيا أرض الجُزر العامرة والبحار الساحرة؛ فيها ما يقارب عشرين ألف جزيرة، تطبع البلد بتنوع هائل في كل المجالات: الثقافة، المطبخ، الدين، اللغة، وحتى فصائل الحيوانات، وأنواع الأعشاب والنباتات. إندونيسيا أرض ناطحات السحاب أيضا فإنها عندهم تعدّ بالعشرات، أكثر من سبعين ناطحة سحاب في العاصمة لوحدها، جلها بمهابط للطائرات.

إندونيسيا أرض التماثيل والزخرف والمجسمات الضخمة؛ إذ لا يخلو منها شارع كبير أو مدخل بناية، ما يعكس عمق التنوع الثقافي البصري. إندونيسيا أكبر بلد ذي غالبية مسلمة، نموذج للإسلام المتسامح، بل النموذج الأهم؛ دليل آخر على أنّ الإسلام يمكنه أن يتصالح مع قيم الحياة، بل الدليل الأخير. لو كان العالم الإسلامي هو إندونيسيا لكان الإسلام بخير، لكن لعنة الجغرافيا جعلت بلد سوكارنو وإعلان باندونغ، مجرد قطعة من جحيم فتنة دائمة، تشتعل أحيانا وتنطفئ في بعض الأحيان.

طبعا، لسنا ننكر القول إن بعض سمات التشدّد الفتنوي كانت بادية للعيان منذ سنوات طويلة، لا سيما في بعض أوساط الأقلية ذات الجذور الحضرمية، والتي منها أبوبكر باعاشير، المتهم الأول في اعتداءات بالي عام 2002. هذا الأخير سيعلن من داخل سجنه في عام 2014 مبايعته لتنظيم داعش. وكان ذلك منعطفا كبيرا، استسهلته السلطات بادئ الأمر لتقديرات أمنية، غير أن موجة الشباب الإندونيسي الذاهب للقتال مع تنظيم الدولة الإسلامية في سوريا والعراق ترجح أن يكون الأمر متعلقا بمنعطف خطر. أيضا، كان تطبيق ما يسمى بالشريعة محصورا في بلدة تتمتع بحكم ذاتي موسع، أتشيه. وكان اتجاه الأمور يوحي بأن أتشيه لا تقدم للإندونيسيين أي نموذج مغر، بل لعلها تثير سخريتهم كما يبدو. لكن، لعل القابلية للنكوص تبقى كامنة في كل أحوالها، وهي مثل المكبوت الراقد في اللاوعي في انتظار ساعة الانفجار.

لقد سبق للمفكر المصري-الألماني حامد عبدالصمد أن ألف كتابا مثيرا بعنوان، “سقوط العالم الإسلامي”. والسؤال، هل تتجه إندونيسيا بدورها إلى السقوط؟ مناسبة السؤال ما تشهده العاصمة الإندونيسية جاكرتا هذه الأيام من حملة واسعة تتخللها مظاهرات شعبية للمطالبة بمعاقبة حاكم جاكرتا، باسوكي تاهاجا بورناما، المشهور بلقب أهوك، وهو رجل أعمال ينتمي إلى الأقلية الصينية (وإن كان مسيحي الديانة). وهي أقلية لعبت دورا حاسما في النهضة المالية والاقتصادية لإندونيسيا –حتى لا ننسى دور الأقليات الفاعلة- والتهمة نفسها التي تطال العشرات في العالم الإسلامي هذه الأيام: الإساءة إلى الإسلام!

دون إصلاح العقل الديني قد ينهار كل شيء بين عشية وضحاها

يعرف الإندونيسيون قبل غيرهم الدور الحاسم الذي لعبه أهوك في تحديث أسلوب الإدارة ومحاربة الفساد بلا هوادة، غير أن المتطرفين لم يشفعوا له انتقاده للساسة الذين يستغلون القرآن لغاية التحريض على المسؤولين من الأقليات غير المسلمة. في واقع الأمر فإنهم لم يشفعوا أن يتولى أمورهم شخص محسوب على أهل الذمة، فوجدوا في النقد الذي وجّهه في غمرة الحملة لانتخاب حاكم جاكرتا، إلى الساسة الذين يستغلون القرآن لتحريم ولاية غير مسلم على المسلم، فرصة سانحة لكي يشيعوا بين الناس بأن الرجل يسيء بكلامه إلى القرآن. وما هي إلا أيام معدودة من التهييج الغوغائي حتى قررت السلطات متابعته قضائيا في محاولة لإلجام العوام.

ورغم أن جمعية نهضة العلماء، وهي أكبر جمعية دينية إسلامية في إندونيسيا دعت أنصارها إلى عدم المشاركة في المظاهرات لوعيها بأن المسألة مجرّد تصفية حسابات سياسوية بالمعنى الضيق، ورغم أن رئيس الجمهورية نفسه انتقد الساسة الذين حاولوا تصفية حساباتهم السياسية مع أهوك باستغلال العاطفة الدينية لدى الناس، إلا أن زخم المظاهرات يضعنا أمام السؤال: ألا تتجه إندونيسيا بدورها إلى السقوط في الفتنة؟

في أولى جلسات القضية بالمحكمة يوم 13 ديسمبر الماضي، وقف أدهوك ذارفا لدموع الحسرة بسبب حجم الحملة الشعبية التي باغتته فنالت من سمعته غيلة وغدرا، نافيا الادعاء بأنه أهان القرآن، مؤكدا بأن تعليقاته كانت تستهدف بوضوح أولئك الساسة الذين يستخدمون آيات القرآن بطريقة “غير صحيحة” ضد غير المسلمين، وليس الآيات ذاتها. ومعلوم أن جبهة المدافعين عن الإسلام لعبت دورا بارزا في تأجيج الاحتجاجات، وهي التي لم تخف يوما عدم اتفاقها مع أن يتولى شخص غير مسلم حكم مدينة ذات غالبية مسلمة.

بلا شك، تعد الحملة على أهوك نموذجا لتحالف ثلاث قوى مضادة للحضارة: القوى الأصولية، الزعماء الشعبويون، وقوى الفساد المالي. لماذا؟ لأن من تحركهم الانفعالات لن يتحركوا أبدا ضد الفساد حين يكون ثمة فساد، لن يتحركوا ضد الاستبداد حين يكون ثمة استبداد، لن يتحركوا ضد سوء التسيير أو الإهمال أو انعدام الكفاءة أو الثرثرة، طالما لا يحركهم سوئ الصراخ والعويل في معارك وهمية لا تُصلح حالا، ولا تعيد مالا.

في واقع الحال كان التطرّف يتغلغل في صمت وفي غفلة من خبراء الإدارة الحديثة الذين راهنوا على أن طبيعة الإنسان الإندونيسي لا يمكن أن تنتج التطرف، وأن التنمية الاقتصادية والاجتماعية المتحققة في الأرخبيل الإندونيسي كفيلة بتهميش أصوات التطرف. نسي هؤلاء ما ننساه جميعا: القابلية للنكوص الفتنوي كامنة في العقل الديني نفسه.

المسلمون في إندونيسيا ليسوا أقلية، بل إنهم أعظم أكثرية مسلمة في العالم على وجه الإطلاق، وهذا ما يفتح شهيّة الكثيرين، لكنه يجعل كلفة السقوط باهظة الثمن. توجّه إندونيسيا نحو منحدر السقوط سيعني شيئا واحدا: سقوط آخر قلعة من قلاع الإسلام المتسامح

دون إصلاح العقل الديني قد ينهار كل شيء بين عشية وضحاها. في آخر زيارة لي لإندونيسيا قررت أن أنصت لما يقوله خطباء الجمعة أيضا. دخلتُ إلى أحد أكبر مساجد العاصمة أثناء خطبة وصلاة الجمعة. كان خطيب الجمعة يتحدث باللغة الإندونيسية، ثم يسرد الآيات والأحاديث ويشرحها باللغة العربية. وفي لحظة معينة بدأ يشتم الشيعة جميعهم، والنصارى جميعهم، والمثليين أيضا، ثم شتم طوائف أخرى لم أعرفها، لعلها توجد في جنوب شرق آسيا. ثم اختتم خطبته بالدعاء لنصرة المجاهدين، أين؟ في فلسطين التي مر عليها مرور الكرام، ثم في سوريا التي استفاض في شرحها بما تيسر له من أخبار، ثم في مصر التي ما أن ذكرها حتى ارتفعت حدته وزاد غضبه.

بعد مغادرتي للمسجد سألت أصدقائي الإندونيسيين الذين يساهمون في نهضتها وتنميتها، هل سبق لأحد منكم أن أنصت لخطبة جمعة في أحد مساجد جاكرتا. أجابوا بالنفي. قلت لهم “أخشى أن تكون السلطات مثلكم لا تكترث بخطب المساجد. أخشى أن تكون الحالة عندكم مثل العواصم الغربية حيث المساجد متروكة لجماعات تسير الأمور وتتغلغل تحت يافطة الحرية الدينية. أخشى أن يكون حال مناهج التعليم الديني هو نفس الحال”.

المسلمون في إندونيسيا ليسوا أقلية، بل إنهم أعظم أكثرية مسلمة في العالم، وهذا ما يفتح شهيّة الكثيرين، لكنه يجعل كلفة السقوط باهظة الثمن. توجّه إندونيسيا نحو منحدر السقوط سيعني شيئا واحدا: سقوط آخر قلعة من قلاع الإسلام المتسامح.

كاتب مغربي

6