مارس 18, 2018

ما من أفق واضح للخروج من مستنقع الساحل الأفريقي

الفرنسيون يتذمرون من أن بروتوكول السلم المبرم في الجزائر في 2015 بين مالي والأزواد، وهو تحالف ثقيل من الطوارق والعرب ومجموعات البيول، لم ينجح أبدا إذ يتم اختراق وقف إطلاق النار بصفة منتظمة وذلك بنصب كمائن للقوات الأممية.
سرطان إرهابي ينتشر في منطقة الساحل

حزام الساحل الأفريقي الذي يفصل شمال أفريقيا عن بلدان جنوب الصحراء الكبرى (موريتانيا وتشاد ومالي والنيجر وبوركينا فاسو) يظل إلى حد بعيد خارج مجال الرادار الدولي. يموت هناك الجنود كل أسبوع تقريبا فيما يعرف بعمليات “اجتثاث” ينفذها جنود من مجموعة البلدان الخمسة الكبرى (جي5) التي أوكل إليها تحت المظلة العسكرية الفرنسية جعل هذه المنطقة الأساسية لشمال غرب أفريقيا في مأمن من الإرهاب الجهادي.

إن كان الجنود والضباط المقتولون من بلد من بلدان ما وراء الصحراء، فعادة ما يتم التغاضي عن مقتلهم في الإعلام الأوروبي، وإن كانوا من الفرنسيين فسيتمكنون من الوصول إلى أخبار الراديو والتلفزيون الفرنسي لكن ليس في أماكن أخرى من الاتحاد الأوروبي.

قُتل أربعة أفراد من العمليات الخاصة الأميركية في أكتوبر الماضي في غرب النيجر. وبعد وقت قصير أرسل تقرير إلى الكونغرس الأميركي عبّر عن التخوف حول قواعد الاشتباك لدى الجيش الأميركي وحماية القوات في حرب غامضة دون استراتيجية واضحة ولا يعلم الشعب الأميركي عنها شيئا.

ينتشر عدد قليل من القوات الخاصة الإيطالية والبريطانية في النيجر، لكن كل ذلك يجري في كنف السرية الشديدة. والبرلمانات في روما وباريس ولندن، ناهيك عن الكونغرس الأميركي، لم تناقش أبدا سرطانا ينتشر عبر الحدود صعبة التمشيط إلى داخل نيجيريا (وهو بلد لديه مشكلة بوكو حرام الخاص به) والكامرون وساحل العاج.

حصلت سلسلة من الهجمات في الثاني من مارس في واغادوغو عاصمة بوركينا فاسو تصور خطورة هذا السرطان المنتشر عبر منطقة الساحل. وتغذي هذه الهجمات تجارة أسلحة تنمو باستمرار تنطلق من ليبيا والسودان وساحل العاج، ونجد لها وصفا مفصلا في تقرير صدر في سنة 2016 بعنوان “التحقيق في نقل الأسلحة عبر الحدود في الساحل” عن مؤسسة البحث في تسليح الصراعات.

حاول الرئيس الفرنسي إيمانويل ماكرون أثناء زيارته إلى الجزائر في ديسمبر الماضي إيجاد حل للمأزق بين فرنسا والجزائر حول كيفية التعامل مع الوضع في مالي. وهذا أمر له أهمية عند الرئيس الفرنسي لأن عملية برخان بدأت في أغسطس 2014 بعد أن حالت عملية سرفال في يناير 2013 دون انهيار دولة مالي واشتملت على نشر جنود فرنسيين في البلدان الخمسة المذكورة آنفا. ويوجد قرابة نصف (1700 من جملة 4000) من هؤلاء الجنود في مالي، وهو ما يمثل أكبر عملية عسكرية فرنسية في الخارج.

القوات العسكرية في مالي تتمركز في غاو لكنها تعمل أيضا خارج قاعدتين عسكريتين مكانهما في الشمال على بعد 120 كلم من الحدود الجزائرية. وبغض النظر عن تكلفة العملية، فإن سمعة الجيش الفرنسي على المحك، وكذلك الشأن بالنسبة إلى الأمن الأشمل لمنطقة بمساحة أوروبا حيث توجد مصالح اقتصادية فرنسية وبالخصوص التنقيب عن اليورانيوم في أرليت في النيجر التي تمثل ممرا للهجرة غير الشرعية للأفارقة الباحثين عن حياة أفضل في أوروبا. كما تزخر المنطقة بعدة مواد مثل الكولتان والمنغنيز والليثيوم والأتربة النادرة.

في أكتوبر الماضي قال رئيس مجلس رؤساء الأركان المشتركة جوزيف دونفورد إن أجهزته مقتنعة بأن مقاتلي تنظيم الدولة الإسلامية الذين هزموا في سوريا والعراق عازمون على الانتقال إلى الساحل الأفريقي حيث ينحدر المئات (أو الآلاف، بحسب المصدر) من جنود داعش من ليبيا وتونس والمغرب وبلدان تقع جنوب الصحراء.

حدّدت أفريكوم، القيادة العسكرية الأميركية في أفريقيا، مهمتها بعبارات أمنية ضيّقة. إن تقليص الصراعات الاجتماعية والاقتصادية والقبلية الطويلة قلّما يفسح المجال لفهم دقيق لتعقيدات هذه الصراعات، فإذا تم تحديد المشكلة على أنها سرير من المسامير، مثلما يبدو أن الولايات المتحدة وفرنسا مصرتان على تعريفها، فالجواب الوحيد هو المطرقة.

وهذا يفسر لما تختلف كل من فرنسا والجزائر بقوة حول كيفية جلب المزيد من الأمن إلى الساحل. يتذمر الفرنسيون من أن بروتوكول السلم المبرم في الجزائر العاصمة في 2015 بين مالي والأزواد، وهو تحالف ثقيل من الطوارق والعرب ومجموعات البيول لم ينجح أبدا نجاحا حقيقيا، إذ يتم اختراق وقف إطلاق النار بصفة منتظمة وذلك بنصب كمائن للقوات الأممية التي تؤمّن أمن مالي. وهناك إشكال في التنسيق بين القوات التي تقاتل الأزواد حيث تشمل هذه القوات البعثة الأممية والجنود الفرنسيين التي تعمل في إطار عملية برخان والقوات الأميركية الخاصة والجي5 التي أقيمت تحت السلطة الفرنسية.

المهاجمون يبرزون من العدم ليحتلوا قرية أو مدينة لبضع ساعات ويختطفون أو يقتلون مسؤولا ماليا ثم يختفون في الأحراش أو الصحراء

هذه وصفة للالتباس لأن المهاجمين يبرزون من العدم ليحتلوا قرية أو مدينة لبضع ساعات ويختطفون أو يقتلون مسؤولا ماليا ثم يختفون في الأحراش أو الصحراء. لقد أتقن المهاجمون فن الحرباء بما أنهم يتحولون من إرهابيين إسلاميين إلى مهربين للأشخاص أو الأسلحة والمخدرات. وهكذا توفر مبالغ ضخمة من المال دخلا أساسيا لمجتمعات مفقّرة.

يصر ماكرون على مشاركة الجزائر بالجنود والمال (الجيش الجزائري يتكون من 400 ألف رجل قوي ومجهز جيدا). تحتاج فرنسا إلى 500 مليون دولار كل عام للحفاظ على استمرار العملية العسكرية لمجموعة جي 5. وتساهم بمبلغ 2.5 مليون دولار في العمليات وهي ملتزمة عسكريا بقوة في أفريقيا، تلك القارة التي تختص بقرابة 1.2 مليار دولار من مجموع 1.5 مليار دولار تنفقها باريس على العمليات العسكرية في الخارج، والبقية تذهب إلى سوريا والعراق.

فشل اجتماع انعقد بتاريخ 23 فبراير 2018 في بروكسل في جمع المزيد من الأموال لعملية جي 5 ولم يتعهد المشاركون بأي برنامج على مدى عدة سنوات، وهو ما يعني أن على الفرنسيين أن يقضوا الكثير من الوقت كل عام للدعوة إلى دعم دولي لسياستهم.

أدى نيكولاي بتروف، الكاتب العام لمجلس الأمن الروسي المتنفذ، زيارة متوسطية شملت كلا من إسرائيل والجزائر وذلك بكل تأكيد يحمل أكثر من معنى رمزي. كما لم يكن من المصادفة قيام وزير الخارجية الجزائري عبدالقادر مساهل مؤخرا بزيارة إلى موسكو.

تمسّكت الجزائر بوضع القوات الدولية المنتشرة في الساحل تحت قيادة الاتحاد الأفريقي، وهي منظمة لا تنتمي إليها لا فرنسا ولا الولايات المتحدة. والجزائر غير مستعدة لاستخدام جنودها خارج حدودها ما عدا لتأمين أمنها المباشر. ويذكر أن جنودها تدخلوا في تونس بموافقة الحكومة التونسية للمساعدة في محاربة مجموعات إرهابية في الفترة بين 2012 و2017، وذلك قبل أن يقدر الأوروبيون التهديد الذي تطرحه الفوضى في ليبيا على أصغر بلد في شمال أفريقيا. ويقال إن الإرهابيين عبروا الحدود إلى ليبيا على إثر الهجوم الإرهابي على حقل الغاز تيقنتورين (عين أميناس) في يناير 2013.

بيد أن المسؤولين والدبلوماسيين الجزائريين الكبار يتمسكون بالقول إنه لا يمكن حل التحديات في الساحل باستعمال مطرقة، ويؤكدون أن العملية العسكرية بقيادة فرنسا والمدعومة من الناتو في ليبيا في 2011 هي التي دمرت الجيش الليبي الذي كان الآلاف من جنوده من اللاجئين الطوارق منذ زمن طويل قادمين من شمال مالي وفتحت مستودعات الأسلحة التابعة لمعمر القذافي للمجموعات الإرهابية.

وفي خطاب أمام مجلس الشعب التونسي في فبراير اعترف ماكرون بتلك الحقيقة منتقدا سلفه نيكولا ساركوزي بعبارات واضحة كفاية. ويوجد عامل آخر زاد في تعقيد السياسة الجزائرية حيث يعاني الرئيس الجزائري عبدالعزيز بوتفليقة من المرض لسنوات. وبالرغم من غيابه في الصورة يفكر في الترشح لولاية خامسة في السنة المقبلة.

وفي حين أن المبادئ الأساسية للأمن الجزائري والسياسة الخارجية للبلاد راسخة، فإن المعركة التي تدور حول خلافته تجعل من الصعب فهم القرارات الخاصة بسياسة البلاد الخارجية بالنسبة إلى الأجانب.

*عن العرب ويكلي

6