ما من عمل روائي يمكن أن يأتي من خيال محض

الكتابة عن فلسطين عمليَّةٌ محفوفةٌ بالمخاطر، لاعتبارات عديدة لا تخفى على أحد، لكن هذه المخاطر لم تعق سير رواية “أنا و جدِّي وأفيرام” للروائي الأردني زياد محافظة، ولم تصبها بالخوف، بل منحتها صلابة مع كل فصل كان يكتب فيها. “العرب” حاورت الروائي الأردني المقيم في الإمارات العربية المتحدة زياد محافظة، بمناسبةِ صدور روايتهُ الأخيرة “أنا وجدي وأفيرام” والتي تناول فيها قصَّة الهجرة العكسية نحو فلسطين لرجلٍ عايشَ فصول الروايةِ حقيقةً على أرض الواقع في مدن عديدة.
الجمعة 2015/09/18
الكاتب يخوض مشروعا جادا لإعادة بناء عالم حقيقي متكامل

حضور فلسطين في المدونة السردية العربية، قد خبا بعض الشيء خلال العقدين الأخيرين، وتراجع الاهتمام بها روائياً على أقل تقدير، لصالح مواضيع جديدة فرضت نفسها على الواقع الروائي والحياتي العربي، كالربيع العربي وثورات التحرر، والفساد السياسي، والمآلات الغامضة للحاضر والمستقبل، والإرهاب، وتشتت الهويات، والهجرات القاسية، والاغتراب الداخلي، في الوقت الذي يكرس فيه الأدباء كتاباتهم وأشعارهم وأدبهم لإنتاج وإعادة إنتاج أسطورة إسرائيل وأرض الميعاد. الأسباب السابقة دفعت برواية “أنا وجدي وأفيرام” للكاتب الأردني زياد محافطة، لتمضي عميقاً في التحليل وطرق الكثير من الأسئلة المصيرية المرتبطة بالمكانة العميقة لفلسطين في الوجدانين العربي والإنساني، وتقول لهذا العالم الغارق في الفوضى والخراب، إننا جميعاً أصحاب الأرض وحراسها، وإن فلسطين ليست حكاية ما قبل النوم نقصها على أطفالنا ونمضي بسلام، كما يقول محافظة.

قضية الإنسان

يعترف زياد محافظة أن أحداث روايته جرت على أرض الواقع، وهنا نسأله عن الاشتغال على التوثيق والخيال الروائي، ليقول إنَّ لا شيء يأتي من خيال محض، فكل عمل روائي لا يمتص شيئا من الواقعية، سيطير بخفة في الهواء، وبذات الوقت، ما لم تكن المخيلة رافداً أساسياً لأي عمل، سيصاب بالجفاف بعد سطور قليلة، يقول “هذه الرواية بنيت كما أشرت على أحداث وتفاصيل حقيقية، وعاشت معي سنوات طويلة، منذ ذاك اليوم الذي اطلعت فيه على جانب منها. لذا كنت محكوماً وأنا أتتبع سير أحداثها، بدقة السرد وأمانته”.

رواية "أنا وجدي وأفيرام" هي انحياز للإنسان الفلسطيني البسيط، وتأكيد على حقه في وطنه وأرضه وبيته وأحلامه المؤجلة

هنا يقرَّ المؤلِف أنَّهُ ترك للأحداث ملامحها وتفاصيلها الواقعية، لكنهُ بذات الوقت اشتغلَ بأدواتِهِ الروائية وأساليبه وما يكفي من الصنعة الأدبية، التي يستطيع من خلالها تحويل الوقائع والتفاصيل والعلاقات والأحداث التي تصطف بجانب بعضها البعض عبر سنين طويلة، إلى عمل روائي، شيق وعميق وقابل للتأمل. فالتوثيق في نص محافظة يتعلَّقُ بأماكن بعينها في قرى ومدن فلسطين والقدس على وجه الخصوص، وهو هنا لم يهدف من وراءِ ذلكَ مجرد سرد أسماء أماكن وأسواق وشوارع وأزقة، أو الاتكاء على حضورها في الوجدان، بقدر ما هو مشروع جاد لإعادة بناء عالم حقيقي متكامل، محوره الأرض والحكاية والإنسان. أي ببساطة مشروع يقف بصلابة في وجه المشروع المضاد الذي يعمل على ابتلاع الأرض وسرقة الحكاية، وتشتيت الإنسان كما يقول.

عمل زياد محافظة الأخير يقوم على ثلاثة أعمدة رغم التشعبات الدرامية، فالعنوان يبدأ بإسقاطاتٍ ذكيَّةٍ على السلام المؤجل بين جيلين من العرب وبين محتل سرق البلاد من أهلها، نسأل ضيفنا عن ذلك، فيقول “إنَّ مشروع السلام العربي الإسرائيلي في جوهره وفكرته، ما هو إلا خديعة كبرى تساق إلى الشعوب العربية، ويراد لها أن تنطلي عليهم بسهولة وسذاجة، ولعل من المحزن القول إن أكثر قضية إنسانية عادلة تم الاتجار بها واستنزافها هي القضية الفلسطينية، التي طالما وجد بها زعماء وسياسيون وحزبيون وطلاب مصالح ملاذا ملائماً من أجل تحقيق أهداف ومشاريع وأجندات مرحلية خاصة، وهنا يطالب الكاتب بعدم تحميل العمل أكثر ممَّا يحتمل، فالقارئُ لهُ الحق في أخذ الرؤية الخاصة به إلى المساحة التي يُحب، ولكنَّ الروائي عموماً، ليس مطلوباً منه أن يرفق مع كل رواية كتالوجا لتفسيرها، بل يكتب -والحديث لضيفنا- محاولاً جعل الرؤية الشخصية قضية إنسانية عامة ومؤثرة.

يعترف زياد محافظة أن أحداث روايته جرت على أرض الواقع

ومن هنا فإنَّ “أنا وجدي وأفيرام” هي انحياز للإنسان الفلسطيني البسيط، وتأكيد لحقه في وطنه وأرضه وبيته وأحلامه المؤجلة، فبطل العمل شاب فلسطيني، تضطره ظروف الحياة، للعمل في ملجأ للعجزة في تل أبيب مطلع ثمانينات القرن الماضي، وهناك يقدّر له الاحتكاك اليومي بنماذج بشرية، أزاحها المجتمع الإسرائيلي من دائرة اهتمامه، ويكون عليه حينها أن يعتني بهؤلاء الذين يشكلون في سلوكهم الجمعي، صورةً للمحتل وبشاعته، ليجد نفسه أمام حالة صادمة لم يسع إليها يوماً. وفي تصاعد درامي، تلتف الأحداث وتتشابك، ليجد نفسه في مواجهات يومية مع كل شيء حوله، مواجهة مع ذاته بأحلامها وهواجسها ومخاوفها، مع جدّه الذي يمثل الماضي بـأصالته وطهره ورؤيته العميقة للحياة، مع أفيرام الضابط في جيش الاحتلال والنموذج غير التقليدي للشخصية اليهودية.

وتستمر الحكاية، إلى أن يقدم الفصل الأخير من الرواية، صورة دقيقة واستشرافية لما يمكن أن تؤول إليه الأحداث في المستقبل. وبتتبع مصائر الشخصيات الرئيسية الثلاث في العمل، ومعرفة أين انتهى المطاف بكل واحد منها، يمكن فهم وقراءة مستقبل الصراع، والكشف عن مفاتيح التشبث بالأمل الذي يُراهن عليه الجميع حسب زياد.

فلسطين خلف النهر

حديثُهُ عن ذاتية القصة ووقوعها دفعنا إلى سؤالِهِ عن ابتعاده عن استخدام ضمير الأنا في تقنية السارد العليم، ليقول إنَّهُ ليس معنياً كثيراً بالقوالب النقدية، والتعقيدات التنظيرية والمساجلات البنيوية. ما يهمهُ بالأساس أن ترضي الرواية طموحهُ، وتعبر بصدق وبساطة عما يدور بخاطره، هذه الأريحيَّةُ أتاحت له، كما يقول، عبر القطع والتداعيات والاسترجاعات والاستباقات الزمنية القريبة والبعيدة، والانكسار الداخلي لأبطالها، الفرصة للمضي بعيداً في قراءة وتحليل الوجوه والانفعالات والصدامات النفسية العميقة لأبطالها.

الروائي عموماً، ليس مطلوباً منه أن يفسر روايته، بل يكتب محاولا جعل الرؤية الشخصية قضية إنسانية عامة ومؤثرة

يُعلِنُ زياد محافظة أنَّهُ لا يسعى إلى حشد شخصيات روائية تتسكع بين صفحات الرواية دون أن يكون لها دور حقيقي. كل شخصية موجودة في العمل بالقدر الذي يتطلبه وجودها، بلا زيادة أو نقصان. ولأن هذه الرواية تعاين شخصيات متعددة ومتناقضة ومتصادمة، لكل منها أحلامها ومخاوفها ومصائرها وخلفياتها الفكرية والإنسانية والأيديولوجية، فقد تطلب ذلك منه مراعاة الدقة والحذر في رسم الشخصيات، حتى لا تبدو صوراً مستنسخة بعضها عن بعض، مخافة الوقوع في فخ الصورة النمطية لتلك الشخصيات. ما يحاول ضيفنا فعلَهُ كما يقول هو أن يضع يديهِ على جملة العلاقات التي تحكم مصائر الشخصيات، وبناء نوع من الثقة بينهُ وبين الأبطال، ومن خلال تلك الثقة يدفعهم إلى البوح عمَّا يدور داخلهم.

الروايةُ تمرُّ من خلال بوابات مدن كثيرة عبر شخوص الرواية، مع أن البداية كانت بشخص الروائي الحقيقي من العاصمة أبوظبي، وهنا سألتُ ضيفنا عن علاقتِهِ بالمدن أدبياً وإنسانياً، ليقول: إذا كانت الرواية المشروع الأدبي الأول، فإن السفر والتجوال في هذا العالم الشاسع هو مشروعي الإنساني الأعمق.

فضيفنا على يقين بأن عملية التجديد التي يمارسها الواحد منا كل يوم، والسعي الدؤوب إلى ترسيخ الهوية الأدبية والإنسانية لا يتوقف عند حد معين، بل هو مستمر بمقدار تطور الوعي الذاتي وانفتاح المرء على ثقافات وتجارب إنسانية عميقة، بصورةٍ أدق يعترف أنَّ الضرورة الروائية اقتضت أن يظهر في مقدمة العمل بصورتهِ الشخصية، ليحكي بشيء موجز عن ذكرياتهِ كطفل صغير يقف عند حافة نهر الأردن، ويراقب فلسطين من بعيد وهي تلمع على الجانب الآخر من النهر.

15