ما هذا التعالي العربي على الأدب السوداني

تشكل أعمال الروائي السوداني منصور إدريس الصُويّم إضافة مهمة لمسيرة الرواية السودانية، ليس فقط على مستوى الشكل والأسلوب واللغة وجماليات تقنيات السرد بشكل عام، ولكن أيضا على مستوى معالجة الموضوع وارتباطه بالواقع الإنساني أمكنته وأزمنته. “العرب” كان لها هذا اللقاء مع الكاتب حول عوالمه الأدبية وقضايا ثقافية مختلفة.
الاثنين 2018/01/22
أردت أن أكون مخرجا فأصبحت كاتبا

يتمتع الروائي منصور إدريس الصُويّم بالجرأة في طرح قضايا الواقع المحلي السوداني وما يجري فيه من تناقضات تلقي بظلالها على المهمشين، الذين يغوص في عوالمهم ويشكلها برؤية ذات بعد إنساني عام. وقد تجلى ذلك في رواياته الخمس التي أصدرها: “تخوم الرماد”، “ذاكرة شرير”، “أشباح فرنساوي”، “آخر السلاطين”، و”عربة الأموات”، وربما ساعده في تشكيل عوالمه السردية أنه درس الدراسات النقدية بكلية الموسيقى والدراما جامعة السودان للعلوم والتكنولوجيا.

عوالم الكتابة

بداية وحول مراحل التكوين الرئيسة التي ألقت بظلالها وانعكست على رؤيته للعالم في أعماله، يقول الصويم “أتوقف كثيرا أمام صورة أبي إدريس الصويم، فهذا المثقف النادر، والأب المختلف، والرجل السابق لأبناء جيله وزمانه، كان بلا شك الموجه الأول لشخص مثلي. في البداية كنت أميل إلى الدراما ‘المسرح والسينما’ وكنت أخطط لأصبح أحد أهم المخرجين والمؤدين في بلدي ‘السينما’، لكن مع تقدم العمر تراجعت هذه الرغبة وحل مكانها شغف الكتابة، الشخصيات المتكونة والمتحولة سينمائيا عبر الصورة، تشكلها الكلمات الآن وتموضعها الأحداث بما يجعل سؤالها أمام العالم أكبر وأكثر فداحة”.

ويرى الصويم أن الزمن بالنسبة إلى أعماله الروائية يمثل ما يصفه بـ”عمق العمق”، يقول “أعني إذا كان موضوع الرواية، وتقنايتها زائدا لغتها، تلك هي الاشتغالات الأساسية التي أركز عليها عند إنجاز أي عمل روائي؛ فإن الزمن يصبح الإطار المحرك لكل ذلك والرابط الرئيس بين ثناياه. والزمن الذي يشغلني ويقودني إلى تشكيل كافة مفاصل الرواية وفقا لذلك هو ذلك الزمن الذي يسهم في الكشف عن هذه الخلخلة التي تحدث، داخليا؛ داخل النفس، وخارجيا؛ مجتمعيا وسياسيا وتاريخيا واقتصاديا”.

ويلفت الصويم إلى أن غرائبية مفتتح رواية “عربة الأموات”، كانت ضرورية كعتبة داخلية تقودنا إلى عوالم واقعية تتفوق في قسوتها وغرابتها على كل عالم غرائبي يمكننا أن نتصوره. وحضور الغرائبية في هذا الجزء من الرواية برأيه يأتي متناسقا مع التقديم الأولي لإحدى أهم الشخصيات المتناولة في الرواية؛ وهي الشخصية شبه المركزية في العمل بأكمله، وعلى يديها نستكشف أكثر المظاهر بشاعة وشناعة.

وربما تبين غرائبية هذا المفتتح حجم السخرية الهائل الذي تواجه به شخصيات الرواية هذا الواقع المأساوي الذي تحتمت عليهم مواجهته في كل يوم، ويعني هنا بالتحديد الشخصية الموازية “الغراب” وما تمثله من صوت داخلي يتأرجح ما بين المقاومة والاستسلام والثورة.

وحول رؤيته في التعامل مع اللغة في أعماله يقول الصويم “حين يأتي الحديث حول اللغة في أعمالي الروائية المنجزة، أجدني منتقلا مباشرة ما بين اللغة الشعرية الناعمة جدا في رواية ‘أشباح فرنساوي‘ وما بين اللغة السردية الخشنة جدا في رواية ‘عربة الأموات‘، هذا التباين الكبير بين لغتي في هاتين الروايتين يوضح الطريقة التي أتعامل معها لغويا أثناء اشتغالي على عمل روائي ما، فطبيعة العمل ‘موضوعه، تقنياته، شخصياته‘ هي التي تحدد إلى أي لغة يجب أن أنحاز.

وقد يحدث أن أمزج بين اللغتين مثلما حدث في ‘ذاكرة شرير‘، أو إلى لغة تستند في تكوينها على التقنيات اللغوية المستخدمة في كتابة القصة القصيرة؛ التكثيف والتقطيع واعتماد الجمل القصيرة، وهي الطريقة التي كتبت بها أولى رواياتي ‘تخوم الرماد‘، كما قد يفرض الشكل الفني لرواية بعينها أن تستخدم لغة خاصة جدا لها جذورها التاريخية، وقد تكون لغة غير مستخدمة تماما في الوقت الحالي”.

في “ذاكرة شرير” يرصد الصويم على لسان بطله عالم المهمشين أو قاع المدينة أو العالم السفلي لها، فكان هناك وجه للتشابه بين عالم “عربة الأموات” و”ذاكرة شرير” وإن اختلفت الأماكن والشخصيات، وقد علل هذا الشبه الظاهري بأن كلتيهما تنهل من عوالم المهمشين في المدن الكبيرة. ويضيف “لكن عند العمق سنجد أن هناك فروقات جوهرية بين العملين”.

غرائبية تقود إلى عوالم واقعية

السودان المنسي

يشير الصويم إلى ارتباط الاحتفاء النقدي والجماهيري في المنطقة العربية مؤخرا، بما يمكن أن نطلق عليه “هوجة” الجوائز الأدبية. فحتى تصبح اسما يعترف به الجميع عليك الفوز بإحدى الجوائز الإبداعية الضخمة، فما ينتج على هامش هذه الجوائز أصبح هو الموجه الرئيسي لخارطة الأدب العربي، وبغض النظر عن رأينا في هذه الجوائز ومدى أهميتها إلا أن الأمر بحاجة إلى مراجعة نقدية شاملة، فالكثير من الأعمال خارج هذا السباق لا تجد حظها من التناول رغما عن جودتها وأهميتها. هذا مستوى، أما المستوى الآخر فيتسم التعاطي العربي مع الأدب السوداني عموما بالكثير من الكسل وربما في العمق بالتعالي.

ويكشف ضيفنا عن أن السودان ولظروفه الداخلية الخاصة جدا، يكاد يكون منفصلا تماما عن أي تواصل إبداعي أو ثقافي على المستوى العربي، ويعني هنا التواصل على المستوي الحي “مهرجانات، ندوات، مشاركات.. إلخ”، كما أن المركز الثقافي العربي يتعامل مع الحالة السودانية بطريقة أشبه بالتمثيل النسبي في البرلمانات العربية، هناك مهرجان ثقافي عربي ما، يتم استفسار أقرب شخص للمنظمين عن مرشحين سودانيين، وهكذا سنجد أن هناك أسماء بعينها تحضر وتتكرر في هذا المشهد أو قد تغيب حتى هذه الأسماء دون أي مشاركة.

ويؤكد الصويم أن الرواية في السودان الآن تشهد أجمل لحظاتها التاريخية على الإطلاق، فلا يكاد يمر شهر إلا ونجد عملا روائيا جديدا، فما نشر من روايات خلال العقد الأخير يفوق كل المنشور خلال النصف الأول من القرن العشرين. أسماء كثيرة جديدة الآن تغذي هذا الشكل الإبداعي الجميل. نعم قد يأتي شخص ويتحدث عن أن هذا إنتاج على مستوى الكم أكثر منه على مستوى الكيف، لكن هذا لا ينفي أن هناك الكثير من الأسماء المهمة التي ظهرت مؤخرا وأثرت المشهد الروائي سودانيا وعربيا، كما أن عملية الفرز النوعي التي يطالب بها البعض ستحدث تلقائيا متى ما التفت النقد الجاد لرصد هذه العملية التراكمية المتفردة.

وعن تجليات المشهد النقدي في السودان ومدى متابعته للمشهد الإبداعي الروائي تحديدا يقول منصور الصويم “إذا نظرنا إلى المشهد النقدي السوداني مقارنة مع حالة ‘الانفجار الروائي‘ التي تحدث الآن قد نجده متأخرا قليلا، وهذا كما أرى يعود إلى أسباب كثيرة أهمهما أن العملية النقدية في ذاتها أكثر بطئا من العملية الإبداعية الصرفة، فأدوات وآليات النقد تتطلب الكثير من التأني حتى تحقق الرؤية النقدية الجادة والمنصفة، هذا جانب داخلي.

أما الجانب الآخر فيتعلق بالظرف الآني الذي يمر به السودان، فالبلاد تفتقد تماما للمجلات الثقافية المتخصصة، كما تفتقد لدور النشر التي يمكن أن تهتم بالإنتاج النقدي، وعموما لا وجود لأي مؤسسة ثقافية داعمة وجادة. غياب الصوت النقدي في هذه المرحلة تتحكم به مثل هذه العوامل ومع زوالها سيتفاعل النقد أكثر مع الواقع الثقافي المحلي، إضافة إلى أن المثقف السوداني بصورة عامة يواجه تضييقا كبيرا”.

15