ما هذه الحداثة المزعومة

الجمعة 2017/12/15

في أيامنا هذه قد أصبحت الألسن، في بلداننا وخاصة في الجزائر، تلوك عددا معينا من المصطلحات الفكرية والأدبية والفنية الرنانة في اللقاءات والندوات وفي الأحاديث الإذاعية والتلفزية والصحافية دون استيعاب يذكر لدلالاتها أو فهم لتاريخ نشأتها أو للحاجات والضرورات الاجتماعية والحضارية التي أفرزتها في المجتمعات التي عرفت مخاض ميلادها ونموها وتطورها.

من بين هذه المصطلحات مصطلح الحداثة الذي يدوخنا به في هذه الأيام بعض الكتّاب الجزائريين، ويستعرضونه في كل منعطف وذلك من أجل إبهار المستمعين به وحبّا في الظهور بمظهر غربي ملفت للانتباه.

إن هؤلاء لا يدركون أن أي مصطلح أو مفهوم ليس مجرد كلمة لها رنين مخملي بل هو تسمية لجزء من تجربة ثقافية أو فكرية يتنفس أوكسجينها هذا الشعب أو ذاك المجتمع، وهو أيضا كناية عن أسلوب حياة الناس في مرحلة تاريخية متميزة.

والغريب في الأمر هو أن هذه المصطلحات أو المفاهيم التي يلوكونها في الجزائر، وفي معظم بلداننا أيضا، ليست من ابتكارنا ولا تعبر في الوقت نفسه عن مستوى وضعنا الثقافي أو الاجتماعي أو السياسي، ولا تنطبق واقعنا المتخلف روحيا ونفسيا وفكريا وماديا.

ففي هذا الأسبوع قال كاتب جزائري في حوار أجرته معه جريدة يومية إن “اللغة الفرنسية تشكل جسرا نحو الحداثة في القراءات الأدبية خاصة بالنسبة إلى جيله الذي وجد الفرنسية لغة المدرسة في بدايات الاستقلال”، ومن ثم نفى نفيا قاطعا وجود “صراع اللغات في الجزائر”، حيث اعتبره “أمرا تجاوزه الزمان”.

هل هذا الكلام صحيح بالجملة والتفصيل؟ نعم، هناك صراع لغوي في الجزائر والدليل على ذلك هو هذه المظاهرات التي نشاهدها تنفجر في بعض المحافظات الجزائرية من حين إلى آخر وسببها المباشر هو المطالب اللغوية والثقافية وتعقيدات مشكلة الهوية الوطنية بما في ذلك جذرها اللغوي.

إذا كان أديبنا الراحل مالك حداد قد قال في عزّ أيام المقاومة والوطنية ضد الاحتلال الفرنسي الجغرافي والثقافي والهويّاتي “إن اللغة الفرنسية منفاي” فكيف يمكن، إذن، أن تكون مثل هذه اللغة بالذات جسرا إلى الحداثة وما هي مضامين وأشكال هذه الحداثة بالذات؟

إذا كان المفكرون الفرنسيون يتبرّأون منذ سنوات من السرديات الكبرى للحداثة فلماذا نخرج نحن في العالم الثالث المتخلف إلى العلن ونطالب ثم نلح في الطلب بإعادة استنساخ هذه السرديات وفرضها تعسفيا على بنيات مجتمع شمال أفريقي جامد داخل عتبات البدائية سياسيا وثقافيا وفكريا وممارسات لطقوس الحياة.

إذا كان جوهر الحداثة يرتكز على الدولة- الأمة والإنتاج الرأسمالي المنهجي فلماذا نريد أن نفرّخ من جديد هذا النمط الذي يتعرض للرفض والنقد العاصف في الفضاء الغربي؟

كاتب جزائري

14